صفات المؤرخ أو باحث التاريخ
الصبر
فالباحث في ميدان التاريخ يحتاج للسعي وراء المعرفة مھما تكبد من جھد ووقت ،
فھو يواصل البحث في دور الوثائق ، ويطلع على العشرات منھا وقد لا يجد فيھا ما
يضيف جديدا أو يخدم بحثھ ،
وتشير
أنجلو وسينوبوس إلى ذلك بقولھا :"
أن
الفضيلة الأساسية في المؤرخ ھي الصبر .. لا تشتغل بسرعة ، وأعمل وكان في الإبطاء فائدة دائما ..
ھذه نصائح سھل قولھا ، أما إتباعھا فيحتاج إلى مزاج رصين – فالناس العصبيون الشديدون
الانفعال المتعجلون دائما – للانتھاء – يمكنھم أن يعملون عملاً حسناَ في مھن أخرى
غير البحث التاريخي
ويذكر المؤرخ الألماني فون رانكھ
أنھ يجب أن يكون شعار المؤرخ "
اعمل – ولا
تتكلم !
الدقة والأمانة
الحياد والنزاھة
عدم استخدام التعميمات المسبقة
ويعبر المؤرخ الألماني
فون رانكى عن ذلك بقولھ " إن عدم محاولة المؤرخ السعي
وراء الحقيقة المجردة
خطيئة فادحة ، انھ ضعف في إرادة المعرفة " – وأشار إلى
وجوب الفصل بين الأمر الشخصي والواقعي ، ووجوب الالتزام بالموضوعية
التاريخية . كما عبر عن ذلك أيضا الفيلسوف الألماني جوتيھ بقولھ : " إن المؤرخ
يجب أن يتصف أولا وأخيرا بحب الحقيقة " .
الالتزام بالحقيقة المجردة:
لكن مھما يكن الأمر فاتنا في الوقت الذي نطلب فيھ من المؤرخ الصدق الكامل في
إبداء الرأي والالتزام بالحقيقة المجردة – لا نستطيع أن نجرده من العوامل القومية
.. أو المصالح الوطنية التي قد تؤثر عن قصد أو غير قصد – في كتاباتھ وآرائھ
التي ينتھي إليھا .
نضرب مثلا بكتابات وآراء بعض الكتاب عن دور بلادھم في أفريقيا وغيرھا من
المناطق التي كانت ميدانا لاستعمارھم – فمثلا
سيسل جون رودس المستعمر
البريطاني – الذي أضاف بجھوده ووسائلھ
للإمبراطورية البريطانية أجزاء ھامة
في جنوب أفريقيا ووسطھا – نجده يبرر ھذا العمل – كما برره غيره من دعاة
الاستعمار-
بأن الجنس الأنجلو سكسوني عليھ رسالة وواجب تجاه ھذه الشعوب
لنشر الحضارة فيھا وبالغ ھؤلاء في دور دولھم الحضاري وتجاھلوا الحضارات
التي كانت
للشعوب الأفريقية قبل مجيء الاستعمار
النقد والتحليل:
والاعتماد على الوثائق الأصلية ومحاولة تحليلھا يجنب الباحث من الوقوع في كثير
من الأخطاء ، ولذا يجب أن تكون لدى الباحث ملكة النقد والتحليل ، أو ما يمكن أن
نعبر عنھ (
بفن نقد وتحليل المصادر) أو كما قال الفيلسوف
الفرنسي
تين "[mark=#0000cc]القدرةعلى التفسير[/mark]
ظھور شخصية الباحث:
ويذھب
المؤرخ ھردر إلى أن المؤرخ ھو الذي يرى في التاريخ ليس مجرد
المجرى الخارجي للأحداث ، بل يسعى بدلا من ذلك لرؤية روحھ ، وھو وحده الذي
يستطيع أن
يكتشف الروح الكامنة وراء أحجبتھا وأقنعتھا
الاستدلال:
كذلك يجب أن تكون لدى المؤرخ ملكة الربط بين الأحداث المتعددة ، وقد عبر عن
ذلك الفيلسوف
الألماني فون ھمبولت بقولھ " أن مھمة المؤرخ في الواقع تحتاج إلى
إدراك للواقع بالإضافة إلى الخيال الخلاق الذي يستطيع وحده ربط الوقائع المنعزلة
والمنتشرة في نطاق واسع بعضھا ببعض في
وحدة حقيقية " .
قبول الرأي الأخر:
ھذا ويجب أن يكون الباحث في نفس الوقت مستعدا لتقبل إرادة الغير ووجھة نظرھم
دون أن يضيق بھا ، بل يكون مستعدا للأخذ بوجھة النظر المغايرة لما كان يعتقده
ھو –
إذا وجد من القرائن ما يؤيد وجھة النظر المعارضة لرأيھ وما يرجح صحتھا
. المعرفة الزمنية للأحداث:
وھنا ملكة ھامة يجب أن تتوفر لدى المؤرخ وھي ترتبط ( بالعامل الزمني ) أو
الحاسة الزمنية فھو يتعرض لأحداث حدثت في أزمنة سابقة مغايرة لزمنھ من حيث
الظروف الاجتماعية ، والأفكار السياسية السائدة في المجتمع والمعتقدات والمبادئ
المتعارف عليھا في ھذه الأزمنة الخ ...
وإن كان
الرحالة وادنجتون مثلا قد أشار إلى طموح
محمد
علي وأطماعھ في أن يكون سيدا على سكان وادي النيل ومن يشربون من مائھ من الحبشة حتى البحر
المتوسط .
ألا أن مسألة التحكم في مشروعات الري على النيل التي رددتھا المراجع المتعددة
لم
تخطر أبدا على عقل محمد علي أو عقول معاصريھ . ومثال ذلك أيضا ما تردده
الكتب عن " المثل العليا للفضيلة والحرية التى تنسب للرومان " فالحقيقة أنھ كما
ذكر فستل دى كولانج في كتابھ " المدنية القديمة " الذي درس فيھ العبادات
والقوانين والنظم عند اليونان والرومان " إن القدماء لم يعرفوا الحرية في حياتھم
الخاصة ، كما أنھم لم يعرفوا الحرية في التعليم أو الخدمة الدينية ، وكانت شخصية
الفرد ذات قيمة ضئيلة إذا قورنت بالسلطة الصارمة التي تكاد تكون مقدسة والتي
تمتعت بما نسميھ ( بالدولة ) أو الوطن .. وكان المعتقد ھو أن الواجب يقضى بأنھ
على كل من الأخلاق والعدالة ، والحقوق أن تفسح الطريق لصالح الوطن
من ھذا يتضح أن من أغرب الأخطاء الظن بأن الإنسان قد تمتع بحرية في
المجتمعات القديمة – كما نفھمھا نحن اليوم – فھو لم يحصل حتى على فكرتھا .
إذا على المؤرخ أن يحاول بعقلھ وفكره أن يعيش العصر الذي يتصدى للكتابة عنھ ،
ويحاول أن يعايش الناس في ھذا العصر أفكارھم وتقاليدھم وعاداتھم ، وھذا أمر
ليس باليسير فھو يتطلب دراسة عميقة للأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية
وغيرھا للعصر موضوع الاھتمام .
التأمل الھادئ:
لكن مع ذلك فكما يذكر رانكى يجب أن يرى الأشياء من وجھة نظر أعلى من تلك
التي يراھا بھا أولئك الذين عاشوا وسط الأحداث فالمؤرخ – كما يقول – يسعى إلى
تحويل التاريخ العاصف كلھ إلى ھدوء التأمل الخالص – فصفة التأمل الھادئ ھي
من أھم صفات المؤرخ .
الموضوعية التامة:
كذلك رغم الموضوعية التامة اللازم توفرھا في المؤرخ – فإن ھذا لا يعنى بحال ما
محو ذاتيتھ ، فالشخصية التاريخية لا يمكن أن تفھم إلا عن طريق الشخصية الذاتية
، ويستحيل ھذا بغير تعاطف وثيق .
أن ا
لباحث الناجح ھو الذي
يتصف بالاتزان فلا تطغى كفة
العاطفة عنده على كفة الموضوعية والحيدة ، ولا تلغى تلك شخصية الباحث وآدميتھ بما فيھا من عواطف
وأحاسيس ومشاعر .
التواضع:
ومن مميزات الباحث في التاريخ التواضع ، فلا يحرص أبدا على أن يفضح علنا
أقل ھفوات تصدر من الغير ، وھو لا يستخدم ألفاظا ولھجة فظة غليظة ، في الوقت
الذي يمجد فيھ القليل الذي يقوم بھ ھو – وقد ذكر
أنجلو وسينوبس " أن العالم
دى
كانج كان يقول عن أعمالھ بكل تواضع –
تكفى العيون والأصابع لعمل مثلھا وأكثر
.
. وأنني إذا كنت أدرس وأبحث فما ذلك لإيلام الآخرين " .
المنھجية في التنظيم والتصنيف:
والمؤرخ كغيره من المتصدين للبحث العلمي يجب أن يتصف بالقدرة على تنظيم
المعلومات وتصنيفھا والاستفادة منھا في موضعھا المناسب . وقد يكتسب ھذا
بالمران والتدريب لكن يحتاج الأمر أيضا إلى عقل راجح وذكاء وقدرة على إدراك
التسلسل بين الأحداث ، وعلى المقارنة بينھا والربط بحيث تكون سلسلة متصلة
تؤدي الحادثة إلى أخرى .
ويعاب على كثير من الكتابات التاريخية أنھا تفتقر لھذا التسلسل الزمني فيشوبھا
الاضطراب بحيث لا يستطيع القارئ أن يتتبع تسلسل وتتابع الأحداث تاريخيا ، وأن
يدرك مدى ارتباطھا بعضھا بالبعض الآخر .
سھولة الألفاظ :
كذلك فإن المؤرخ يجب أن يتميز في كتابتھ وطريقة عرضھ للأفكار بأسلوب علمي
سھل ، وبعبارات واضحة – فيجمع بين سلامة اللغة ، وسلاسة الأسلوب ، ووضوح
الفكرة – وسنتعرض لھذه النقطة بالتفصيل فيما بعد عند الحديث عن كتابة البحث
وما يراعى في ذلك .
كانت ھذه بعض الصفات التى يجب أن يتحلى بھا الباحث على سبيل المثال وليس
الحصر .
المحاضرة الخامسة
.