عرض مشاركة واحدة
قديم 2010- 5- 17   #13
كالقمر وحيدة
متميزةفي الساحة العامة للتعليم عن بعد
 
الصورة الرمزية كالقمر وحيدة
الملف الشخصي:
رقم العضوية : 43737
تاريخ التسجيل: Sat Jan 2010
المشاركات: 3,265
الـجنــس : أنـثـى
عدد الـنقـاط : 67321
مؤشر المستوى: 165
كالقمر وحيدة has a reputation beyond reputeكالقمر وحيدة has a reputation beyond reputeكالقمر وحيدة has a reputation beyond reputeكالقمر وحيدة has a reputation beyond reputeكالقمر وحيدة has a reputation beyond reputeكالقمر وحيدة has a reputation beyond reputeكالقمر وحيدة has a reputation beyond reputeكالقمر وحيدة has a reputation beyond reputeكالقمر وحيدة has a reputation beyond reputeكالقمر وحيدة has a reputation beyond reputeكالقمر وحيدة has a reputation beyond repute
بيانات الطالب:
الكلية: جامعة الملك فيصل / كلية التربية
الدراسة: انتظام
التخصص: سـ أبدأ مسيرتي بالقرب من احبابي اطفال ذوي الاحتياجات الخاصة " إعاقة عقلية "
المستوى: دراسات عليا
 الأوسمة و جوائز  بيانات الاتصال بالعضو  اخر مواضيع العضو
كالقمر وحيدة غير متواجد حالياً
رد: مقرر التذوق الأدبي

المُحَاضَرَةُ التَّاسِعَةُ
حسَّانُ بنُ ثَابتٍ
وَالنَّصُّ الشِّعْرِيُّ الذَّائِدُ

أَوَّلاً : النََّصُّ الشِّعريُّ
- يقولُ حسانُ بن ثابتٍ مفتخرًا ومُهدِّدًا :
1 – تَظَلُّ جِيَـــــــادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ تُلَطِّمُــــــــهُنَّ بِالْخُمْرِ النِّسَاءُ
2 – فَإمَّا تُعْرِضُوا عَنَّا اِعْتَمَرْنَا وَكَانَ الفَتْحُ وَاِنْكَشَفَ الْغِـطَاءُ
3 – وَإِلاَّ فَاصْبِرُوا لِجِـــلاَدِ يَوْمٍ يُعِزُّ اللهُ فِيــــهِ مَنْ يَشَـــــــاءُ
4 – أَلاَ أَبْلِـــــغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي فَأَنْتَ مُجَـــوَّفٌ نَخْبٌ هَـــــوَاءُ
5 – بِأَنَّ سُيُوفَــــنَا تَرَكَتْكَ عَبْدًا وَعَبْـــدُ الدَّارِ سَادَتْـــهَا الإِمَاءُ
6 – هَجَوْتَ مُحمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ وَعِنْــدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَـــــزَاءُ
7 – أَتَهْجُــوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِــــــــــدَاءُ
8 – فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِـي لَعِرْضُ مُحَمَّدٍ مِنْــكُمْ وَقــــــاءُ
9 – لِِسَانِي صَارِمٌ لاَ عيبَ فِيـهِ وَبَحْـــري لاَ تُكَـــــــدِّرُهُ الدِّلاَءُ

- ثانيًا : معاني الكلمات :
- جيادنا : خيولنا 0 – متمطِّرات : مسرعات 0 – تلطِّمُهنَّ : تضربنَ على الوجوهِ بأثوابهنَّ 0 – الخُمُرُ : بضمِّ الخاءِ والميم : جمع خِمار ، وهو ما تغطِّي به المرأةُ رأسَهَا 0 – تُعرضوا : تبعدوا 0 – اِعتمرنا : أدينا العُمرةَ 0 – الفتحُ : فتحُ مكَّةَ والظَّفرُ بالأعداءِ 0 – الغطاءُ : المستورُ 0 – الجِلادُ : التَّضاربُ بالسُّيوفِ 0 – المجوَّفُ : الجبانُ الَّذي لا قلب لَهُ ، وكأنَّه خالي الجوفِ من القلبِ ، وهواء : مثلُهُ 0 – هجوتَ : الهجاءُ ضدُّ المدحِ ، ومعناهُ : السَّبُّ والقذفُ 0 – النَّخبُ : يقالُ : جاءَ في نخبِ أصحابِهِ أي في خيارهم 0 – الإماءُ : جمعُ أمَةٍ ، والأمَة : ضدّ الحُرَّةَ ـــــ،( أي :العبدةُ ) 0 – الوقاءُ : الحفظُُ 0 – عبدُ الدَّارِ : بطنٌ من بطونِ قريشٍ 0 بحري : شعري 0
الصَّارمُ : السَّيف القاطعُ 0 تكدِّرهُ : تعكِّرهُ ، والكدرُ أو التَّكَدُّرُ : ضدّ الصَّفو 0 – الدِّلاءُ : جمعُ دلوٍ ، وهي الأوعيةُ الَّتي يُستَقى بها الماءُ ، وهي جمع كثرةٍ ، أمَّا جمع القلَّةِ منها فهو : ” أَدْلُ ”

ثالثًا : فكرةُ النَّصِّ :
تقوم فكرةُ هذا النَّصِّ الشِّعريِّ على معركةٍ حاميـــــــــــةِ الوَغَى بين المسلمين وكُفَّارِ قريشٍ ، واِنتصار المسلمينَ بقيادةِ النَّبيِّ ( صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمّ )، وقد مهَّدَ الشَّاعرُ لهذه الفكرةِ ، من بدءِ القصيدةِ بإطلالةٍ جاهليَّةٍ ، حيثُ الوقوفُ على الأطلالِ ، أوعلى الأقلِّ تشكيل صورة الطَّلل الجاهلي ” دِيَارِ بَنِي اَلْحَسْحَاسِِ ” ، الَّتي تُعفِّيــــها الرَّوامسُ ( الرِّيَاحُ ) واِنتهاءً بعمليَّةِ الفتحِ ( فتحِ مكَّة) ، واِفتــــداء الشِّاعر بوالدِهِ وجَدِّهِ وعرضه ، بل وعرضهم جميعًا لِعرضِ محمَّدٍ ( صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ) 0

- رابعًا : المضمون :
يتشكَّلُ المضمونُ الرَّئيسُ من معركة ، بل رحلةِ المسلمين لفتح مكَّةَ والدِّفاع عن دينهم ونبيِّهم ( صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ) ، يتخلَّلُ هذا المضمون الرئيس جملةٌ من المضامين الفرعيَّة المُجتزئةِ منها على سبيل المثالِ : دفاع نساء المشركين وكفَّار قريشٍ وهروب رجالهم وفرسانهم من ساحة المعركةِ ، وإعراض المشركين حتَّى يتمَّ الفتحُ وينكشفَ المستورُ ، والرسالة الهاجية لأولئك الكفَّار وعلى رأسهم ” أبو سفيان ” 0 تلك الرِّسالة الَّتي تردُّ بقوَّةٍ وقسوةٍ على هجاء الأخير للنَّبيِّ الكريم ( صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ) ، وأخيرًا رسالة الشَّاعرِ العائليَّة المُفَدِّيَة للنبيِّ بكلِّ شيء،من أبيه وجدِّه ونفسه

- خامسًا : الأبعادُ الُّلُغويَّةُ والفنِّيَّةُ والجماليَّةُ :
1 – الألفاظُ :
يبدو للنَّاظرِ من الوهلةِ الأولى إلى هذا النَّصِّ أنَّهُ لا يلحظُ غرابةً في ألفاظِهِ ،إذ إِنَّ مُعجمَ الشَّاعرِ الُّلغويَّ يحملُ ألفاظًا دالَّة مُيسَّرةً ،تتـــــــــوازى تمامًا مع السِّياقِ الاجتماعيِّ ” الإسلاميِّ ” الجديد المُستنيرِ ، لأنَّنا إذا نظرنا إلى تلك المفرداتِ الَّلَفظيَّةِ نظرةً متأنيةً، نجدُها لا تُستَغلقُ على القارئِ أو المُتلقِّي ، إذ نلحظُها تتناسبُ ولغَةَ القُرآنِ ، بل جاءَ بعضُها لابسًا ثوبَ بعضِ الآياتِ القُرآنيَّةِ المجيدة،مثل قوله هنا : ” يُعِزُّ اللهُ فِيهَا مَنْ يَشَاءُ ” و ” وشَرُّكُمَا لخيرِكُمَا الفِداءُ ” 0

2 – المعاني :
يشيرُ بعضُ النُّقَّادِ إلى أنَّ المعاني في هذا النَّصِّ الشِّعريِّ جاءت قويَّةً أو بالأحرى فيها شيءٌ من القُوَّةِ، وإِنِ اِبتعدت عنِ التَّعَمَُقِ أو الإيحاءِ المعنويِّ ، ففيها جانبٌ معنويٌّ من معاني الحربِ ، حيثُ نلحظُ الجيادَ المُتمطِّرات والنِّساء المختمرات المُتلطِّمات ، وفيها جانبٌ ثانٍٍ من معاني الفتحِ والنَّصرِ ، حيث الاعتمارُ والفتحُ وكشف المستورِ ، وفيها جانبٌ ثالثٌ من معاني الهجاءِ ، لأبي سُفيانَ تحديدًا ، حيثُ يصفُه بالجبن والخوفِ والهُروبِ ، وفيها جانبٌ معنويٌّ رابعٌ من معاني الدِّفاعِ ، حيثً الذَّودُ عن النبيِّ بالمال والنَّفسِ والعرضِ ، بل بلسانٍ شِعريٍّ قاطعٍ بتَّارٍ

3 – الأسلوبُ :
يبدو الأسلوبُ في هذا النَّصِّ الشِّعريِّ قويًّا ، وبخاصَّةٍ في وصفِ الأطلالِ وتصويرِ الخيلِ ، ثُمَّ يَأْخذُ في الِّلِينِ بعضَ الشّيءِ ؛ وذلك حينما يتَّجهُ الشَّاعرُ إلى الحديثِ عن الاعتمار والاصطبار والجلاد والفتح واِنكشاف الغطاءِ والمستور، والشَّرّ والخير والافتداء 0 على أنَّ بعضَ غير المنصفينَ من النُّقَّادِ والمُستشرقينَ صيَّروا ذلك الِّلِينَ الُّلُغويَّ ” الأسلوبيَّ ” ضعفًا أو هبوطًا أسلوبيًّا 0 وذلك لغطٌ كبيرٌ ؛ لأنَّ الحياةَ في صدر الإسلامِ قد لانت لِينًا ملحوظًا جملةً وتفصيلاً ، وكانَ لزامًا أن يُلازمها في ذلك الِّلِينِ أسلوبُها الُّلُغويُّ ، وإلاَّ لن يكونَ هناكَ توافقٌ بينهما أو حراكٌ 0

4 – الموسيقى الشِّعريَّةُ :
إنَّ هذا النَّصَّ الشِّعريَّ من النُّصوصِ المشهودة والمشهورةِ ، فقد مُثِّلَ بِهِ في كثيرٍ من السِّياقاتِ والمناهجِ الدِّراسيَّةِ الجامعيّةِ وغيرها ، مِمَّا أَكسبَهُ ذيوعًا وشُهرةً قويَّينِ – إِنَّ هذا النَّصَّ الشِّعريَّ يستقي تفعيلَتَهُ من بحرِ ” الوافرِ ” الشِّعرِيِّ ( مُفَاعَلَتُنْ - مُفَاعَلَتُنْ - ” مُفَاعَلْ ” أو فَعُولُنْ )، وهذا البحرُ من أيسرِ البحور الشِّعريَّةِ تذوُّقًا ، وأقربها إلى النَّفسِ اِلتصاقًا ، يأتي ذلك من دلالةِ مُسَمَّاهُ ” الوافر ” ، حيثُ تتوفَّرُ فيه النَّغمةُ الموسيقِيَّةُ المتراقصةُ ، وهو بنغمتِهِ تلكَ يتناسب وسياقَ القصيدةِ الَّذي جاءَ بحركيَّةِ الحربِ بين المسلمينَ والكُفَّار ، واِنتصار المسلمينَ في خاتمةِ الأمرِ وفتحهم لِمكَّةَ 0

تابعُ الموسيقى الشِّعريَّةِ : ( القافيةُ ) :
أَمَّا عن القافيةِ – قافية ذلك النَّصِّ – ، أو بالأحــــــرَى رويِّها ، فقد جاءَ ذلك الرَّوِيُّ بالهمزةِ المضمومةِ،وهو بهذه الحركة ” الضَّمَّةِ ” يزيدُ من حركيَّةِ وثراء البعد الموسيقيِّ المُختتم للبيت الشِّعريِّ من جهةٍ ، إذِ الضَّمُّ يمتدُّ بالنَّغمةِ الموسيقيَّةِ مسافةً زمنيَّةً أطــــــــــول ، ومساحةً مكانيَّةً أرحب ، كما يزيـــدُ من القوَّة بل الثَّراءِ الدِّلاليِّ ” المعنويِّ ” من جهةٍ أخرى ، لأنَّهُ بحركَتِهِ تلك ” الضَّمَّةِ ” يضمُّ مَكَّةَ وأهلَهَا إلى السِّياقِ الإسلاميِّ بفضلِ هذا الرَّويِّ المَضمومِ

5 الصُّورةُ الشِّعريَّةُ البيانيَّةُ :
أ – الصُّورةُ التَّشبيهيَّةُ :
- التَّشبيهُ الأوَّلُ : يجيءُ هذا التَّشبيهُ مُمَثَّلاً في ” التَّشبيهِ البليغِ ” ، إذ ورد في البيت الرَّابعِ على النَّحوِ الآتي : ” فأنتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَوَاءُ ” ، فجعل الشَّاعرُ المُشَبَّهَ ” أَبا سُفْيانَ ” مَرَّةً واحدةً ، وكَرَّرّ بل عَدَّدَ المُشبَّهَ بِهِ ” مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَوَاءُ ” ، بما يعني أنَّهُ شبَّهَهُ بالوعاءِ الفارغِ الَّذي لا يمتلئُ سوى بالهواءِ ، كما أنَّهُ لا قلبَ لَهُ في جوفِهِ ، وتكرارُ المُشبَّهِ بِهِ هنا يزيدُ من حركيَّةِ الدِّلالَةِ السَّلبيَّةِ ” لِأبي سُفْيَانَ ” المتعدَّدة الَّذي تطاولَ بها في هجائِهِ لسيِّدِنَا محمَّدٍ ” صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ” 0

- التَّشبيهُ الثَّاني :
يجيءُ هذا التَّشبيهُ بليغًا أيضًا عبرَ البيتِ الثَّامنِ ، نتمثَّلُه في قولِ الشَّاعرِ ” وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وَقَاءُ ” ، حيث شبَّهَ عِرضَهُ هنا بالوَقاءِ الَّذي يذودُ بِهِ عَنِ النَّبيِّ ” صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ”،وهذا الوقاءُ – وإنْ لم يَكُنْ حاملاً رمزًا ماديًّا – يحملُ شيئًا أبعدَ أَثرًا ، وأقوى حمايةً ، يتمثَّلُ في العِرْضِ النَّقيِّ ، والسَّريرةِ السَّمْحاءِ ، والدَّينِ القَيِّمِ 0

- التَّشبيهُ الثَّالثُ :
يَرِدُ التَّشبيهُ البليغُ للمرَّةِ الثالثةِ في ذلك النَّصِّ عبرَ البيتِ التَّاسعِ والأخيرِ ، حيث يقولُ الشَّاعرُ : ” لِساني صارمٌ لاَ عَيْبَ فيهِ ” ، إذ شبَّهَ الشَّاعرُ هنا لِسانَهُ الشِّعريَّ ” تجاوُزًا ” بالسَّيفِ القاطعِ البتَّارِ ، وهذا التَّشبيهُ يُبينُ بل يُعَمِّقُ من دلالةِ المُشبَّهِ بِهِ ؛ لأنَّهُ يجعلهُ هنا ” صارِمًا ” والصَّرامة هذه وفي سياقٍ كهذا تتوافقُ تمامًا معَ سِبَابِ ” أبي سُفانَ ” الَّلاذِعِ من جِهَةٍ ، وهجاءِ ” حسَّانَ ” القاتلِ ” لِأبي سُفيانَ ” من جِهَةٍ أخرى

ب – الصُّورةُ الاستعارِيَّةُ :
وَرَدَتْ الصّورةُ الاستعاريَّةُ هنا بشكلٍ لافتٍ للنَّظَرِ ، نلحظُها على النَّحو الآتي :
- الصُّورةُ الأولى : ” تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمْرِ النِّساءُ ” ، تبـــــــــدو هذه الصِّيغةُ ” صورةً اِستعارِيَّةً تصريحيَّةً ” ، حيثُ شَبَّهَ الشَّاعــــــــرُ الأَكُفَّ بالخُمْرِ ( في سياقِ الَّلَطمِ ) وَحَذَفَ المُشَبَّهَ ” الأَكُفَّ ” وجــــــــــــاءَ بالمُشَبَّهِ بِهِ
- ” الخُمر“، صَرَاحَةً ؛ لِيُدَلِّلَ على هـــــــــــولِ الواقِعَةِ الَّتي لم يملكْ معَها المُشركونَ سوى الهُروب والاختباء في الدُّورِ ودفـــــاع النِّساء عنهم وردّهنَّ للخيـــــــول بالخُمر ( أغطية الرُّؤُوس والأجساد ) 0 فهروبُ المُشركينَ من جهةٍ ، ودفاع نسائهم عنهم من جهةٍ أخرى يكشفانِ بل يُجَلِّيانِ دلالِيًّا قُوَّةَ المسلمينَ ” المُؤمنينَ ” يومَ فتحِ مكَّةَ العظيم 0

- الصُّورةُ الاستعاريَّةُ الثَّانيةُ :
تتمَثَّلُ تلكَ الصُّورة في قول الشِّاعر : ” وَبَحْرِي لاَ تُكَدِّرُهُ الدِّلاَءُ ” ، تغدو تلك الصِّيغةُ هي الأخرى ” صورةً اِستعاريَّةً تصريحيَّةً ” ، حيث شبَّه الشَّاعرُ شِعرَهُ أو نظْمَهُ أو حتَّى منزلِتَهُ الأدبيَّةَ بالبحرِ وحذفَ المُشَبَّهَ ” الشِّعر أو النَّظم أو المنزلة الأدبيَّة ” ، وجاءَ بالمُشَبَّهِ بِهِ صراحةً ” البَحْر ” ؛ لِيُدَلَّلَ على عمقِ شعرهِ وغورِهِ وسَعتِهِ وقُوَّتِهِ إذا ما عاودَ ” أبو سُفيانَ ” الكَرَّةَ في الإقدامِ على هجاءِ النَّبِيِّ ( صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ) وسبَّه 0

- الصُّورةُ الاستعاريَّةُ الثَّالثَةُ :
ترِدُ هذه الصُّورةُ في صيغةِ ” وبحري لا تُكدِّرُهُ الدِّلاَءُ ” أيضًا ،حيثُ شَبَّهَ الشِّاعرُ هنا أشعارَ ” أبي سُفيانَ ” الهاجيةَ للنَّبيِّ ( صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ) بالدِّلاَءِ الَّتي تُلْقى في البحرِ العظيمِ ، وحــــــــذفَ المُشَبَّهَ ” الأشعار الهاجية ” وصَرَّحَ بالمُشبَّهِ بِهِ ” الدِّلاءِ ” ، وذِكْرُهُ للمُشَبَّهِ بِهِ هنا إنما يُدلِّلُ على حقيقةٍ دلاليَّةٍ قويَّـــــــــــةٍ ، مُفادُها أنَّ بحرَ ” حسَّان بن ثابتٍ ” الشِّعريَّ الغائرَ العميقَ لا تُعَـــــكِّرُ صفْوَهُ دِلاءُ ” أبي سفيانَ ” هذه ، الهاجيةُ أو أيَّةُ دِلاءٍ أخــــــرى ، مَهما تعالت صيحاتُها ، وهاجت فورتُها 0

ج – الصُّورةُ الكِنائيَّةُ :
تَرِدُ الصُّورةُ الكِنائيَّةُ هنا على النَّحو الآتي :
1 – ” تَظلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ” ـــــ كنايةٌ عنِ التَّعجُّلِ في طلبِ الِّلقاءِ 0
2 – ” تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمْرِ النِّساءُ ”ـ كنايةٌ عنِ اِختباءِ الرِّجالِ ومواجهة النِّساءِ0
3 – ” وَكَانَ الفَتْحُ وَاِنْكَشَفَ الغِطَاءُ ” ــ كنايةٌ عن الفوزِ والغلبةِ والانتصار0 4 – ” وَعَبْدُ الدَّارِ سادَتْهَا الإِمَاءُ ” ـ كنايةٌ عنِ المذلَّة الَّتي تَحصَّلت لِعبدِ الدَّارِ، من جرَّاءِ غزوةِ بدرٍ من قَبْلُ، وفتح مكَّةَ الآنَ،وسيادة الإماءِ لهم 0
5 – ” لِساني صارمٌ لا عيبَ فيهِ ” ــ كنايةٌ عن قُوَّة شِعرِهِ وصرامَتِهِ وحدَّتِهِ فضلاً عن سلامَتِهِ وصِحَّتِهِ ونَقائِهِ 0

6 المُحَسِّنُ البديعيُّ :
- نلحظُ المحسِّنَ البديعيَّ واردًا في هذا النَّصِّ على النحوِ الآتي :
أ – الطِّباقُ :
نلحظُ ذلك الطِّباقَ واردًا في صيغةِ ” فَشَرُّكُمَا 000 لِخَيْرِكُمَا ” ، وقد تبدو تلك الصِّيغةُ معبِّرةً عن سياقِ الدُّعاءِ ، إذ يُعْنَى بِهمَا معًا أنْ يذهبَ الشَّرُّ منهما فِداءً للخير منهما ، وهذا يُقصَدُ بهِ مُجابهَةُ الخيرِ للشَّرِّ الَّذي اِستشرى من ” أبي سُفيانَ ” وغيرِه من المُشركينَ وكُفَّار قريشٍ 0

ب – الجناس التَّامُّ :
نلحظُ الجناسَ هنا واردًا في الصِّيغِ الآتيةِ :
- ” عبدًا : عبد الدَّارِ ” ــــ جعل الشَّاعرُ الَّلَفظةَ الأولى دلالةً على المذَلَّةِ والخزي والعارِ ، وصَيَّرَ الثَّانيةَ إلى عبد الدَّار ” كبطن من بطونِ قريشٍ ” اِمتدادًا ، بل تأكيدًا للمذلَّةِ الَّتي تلقَّاها ” أَبو سفيانَ ” في غزوة بدرٍ من قبلُ وستلقاها عبدُ الدَّارِ هنا في فتحِ مكَّة . إنَّ الشَّاعرَ هنا يمتدُّ بلفظةِ ” عَبْدٍ ” لِتأكيدِ قُوَّةِ المسلمينَ وضعفِ الكُفَّارِ من قريشٍ وغيرِها 0

ج – الجِناسُ النَّاقصُ :
يَأتي الجناسُ النَّاقصُ تاليًا للجناسِ التَّامِّ ، حيثُ نلحظُهُ في الصِّيغِ الآتيةِ :
” هجوتَ : أتَهْجُوهُ ” ، و ” عرضي : لِعرضِ ” ، الحقُّ أنَّ هذينِ الجناسِيْنِِ النَّاقِصَيْنِِ يبعثانِ جَرْسًا موسيقيًّا متناغمًا في سياقِ الدِّفاعِ عنِ النَّبيِّ ” صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ ” ومُهاجمةِ أعدائِه من كُفَّار قريشٍ وغيرهِم ، كما يُرْسلانِ في الوقت نفسِهِ رافدًا دلاليًّا في الهُجومِ والذَّودِ معًا،أو بالأحرى في الهِجاء والوقايةِ منه بكلِّ لوازم الشَّاعر الإنسانيَّة والماديَّة 0

7 الخبر والإنشاء :
جاءَ هذا النَّصُّ حاملاً نمطي الأسلوبِ الأدبيِّ ( الخبريَّ والإنشائيَّ ) ، أمَّا عنِ الأسلوبِ الخبريِّ ؛ فإنَّنا نلحظُهُ في البيتِ الأوَّلِ ” تظّلُّ جِيَادُنَا مُتمَطِّرَاتٍ ” ، و “ تُلطِّمُهُنَّ بِالْخُمْرِ النِّسَاءُ ” ، و الشَّطر الثَّاني من البيتِ الثَّاني ” وَكَانَ الفَتْحُ واِنْكَشَف الغِطَاءُ ” ، والشَّطر الثَّاني من البيتِ الرَّابعِ ” فَأَنتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَوَاءُ ” ، والشَّطرِ الثَّاني من البيتِ الخامِسِ ” وعبدُ الدَّار سادتها الإماءُ ” ، والبيتِ السَّادسِ ” هجوتَ مُحَمَّدًا ” ، والبيتِ الأخيرِ ” لِسَانِي صَارِمٌ 00 وَبَحْرِي لا تُكدِّرُهُ الدَّلاَءُ ” 0 إِنَّ جملةَ هذه الصِّيغِ الإخباريَّةِ تخبرُ عن حالِ المعركةِ بينَ المسلمينَ والكُفَّار من جهةٍ ، وصراع ” أبي سفيانَ ” - شعريًّا – مع حَسَّانِ بنِ ثابتٍ من جِهةٍ أخرى 0
وبينَ الجِهتينِ تتواردُ مُقوَّماتُ المعركــــــة بدءًا من اِستعداد ” الجياد ” وتمطُّرِها ، مرورًا بالهِجاءِ ، واِنتهاءً بالإخبــــارِ عن لِسانِهِ وبحرهِ القَويَّيْنِ . ِ

- الأسلوبُ الإنشائيُّ :
- نلحظُ هذا الأسلوبَ الإنشائيَّ على النَّحوِ الآتي :
1 – ” فَإمَّا تُعْرِضُوا عَنَّا اِعْتمَرْنَا ”، تجيءُ صِيغةُ ” فَإمَّا ” مُركَّبةً من ” إِنَّ ” الشَّرطيَّةِ و“ ما ” الزَّائدَةِ ، لأنَّها اِحتاجت إلى جملتينِ كما هو واضحٌ ، وهنا يشترط الاعتمارَ دون المُعارضة ، أي المباعدة 0
2 – ” وإِلاَّ فَاصْبِرُوا لِجِلادِ يَومٍ ” يبدو هذا الأسلوب مُركَّبًا من الشَّرطِ والاستثناِءِ،لأنَّ الجملةَ هنا مكوَّنةٌ من ” إِنِ ” الشرطيَّة ، و“ لا ” النَّافية ، وهنا يقدِّم الشَّاعر فعلاً مشروطًا إِذا لم يعترض كُفَّارُ قريشٍ طريقَ المسلمين 0

3– ” أَلاَ أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنَّا ” تعدُّ ” أَلاَ ” هنا حرف تنبيـــــهٍ للهاجي
” أبي سُفيانَ ”،وقد ناسبت سِّياقَ المُراسلةِ هنا بينَ الشَّاعرِ والأخير ، لأنَّها تدعوهُ للانتباه إلى من يهجوهُ 0

4 – ” لِساني صارمٌ لا عَيْبَ فِيهِ ” ـ الجزءُ الأوَّل من تلك الصِّيغةِ أُسلوبٌ خبريٌّ ( مبتدأٌ وخبرٌ ) ، أمَّا الجزءُ الأخيرُ ( لا عَيبَ فِيهِ ) فيعدُّ أسلوبًا إنشائيًّا لأنَّهُ يعتمدُ النَّفيَ والنَّفيَ الإيجابيَّ منه بشكلٍ خاصٍّ،إذ يبعد عن شعرَه وذاتَه أيِّةَ سلبيَّةٍ أوعيب يشينُهُما0 ِ
5 – ” وَبَحْرِي لاَ تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ ” ــ ما قيلَ في النُّقطةِ السَّابقةِ يقالُ هنا أيضًا ، - وَإنْ تفاوتت المواضعُ – حيـــث اُستُهِلَّت بمبتدأٍ،ثُمَّ جاء الخبرُ في الفعلِ المُضارعِ المنفيِّ ”لا تُكدِّرُهُ ” 0 وهنا كذلك ينفي عن بحــرِهِ الذَّاتيِّ أو الشِّعريِّ أَيَّ مكدِّرٍ آخرَ ، حتَّى وإنْ كانَ شعر “ أبي سفيانَ ” الهاجيَ

- خلاصةٌ واِستنتاجٌ :
1 – يشيرُ ذلك النَّصُّ كُليَّةً – بعيدًا عن المقطع المجتزئِ – إلى حضورِ الحياتينِ الجاهليَّةِ والإسلاميَّةِ في طيَّاتِهِ ، حيثُ نجد المُؤشِّراتِ ، بل الرُّموزَ الجاهليَّةَ في صدرِ القصيدةِ ، وإن تغلَّبت الحياةُ أو السِّياقُ الإسلاميُّ في خاتمةِ الأمر 0
2 – يغدو النَّصُّ سجلاً تاريخيًّا مُهِمًّا ، حيث نلحظُهُ يقدِّمُ جملةً من المواقفِ والأحداثِ بين المسلمينَ والكُفَّارِ ، منها على سبيلِ المثالِ : ملاطمةُ النِّساء للخيلِ بخمورِهِنَّ ،وهجاء ” أبي سفيانَ “ ، ومذلَّة المُشركين في موقعةِ بدرٍ ، وأخيرًا فتح مكَّةَ وانتصار المسلمين على الكفَّار في خاتمةِ الأمر 0
3 – يشكِّلُ النَّصُّ في لُغتِهِ وأسلوبِهِ صورةً لِيِّنةً من لينِ الإسلامِ ورحمتِه 0
4 – جاءَ النَّصُّ على بَحْرِ ” الوافرِ ” المُتراقصِ ؛ ليبينَ عن حركيَّةِ المعركة أو المواجهةِ المتعدِّدةِ المتنوِّعة 0
5 – يعكسُ هذا النَّصُّ الشِّعريُّ صورةَ الحربِ قديمًا ،سواءٌ بالصُّورةِ البيانِيَّةِ المتَعدِّدةِ أو الصُّورةِ الُّلُغويَّةِ الواقِعيَّةِ الملموسةِ 0
6 – لم يكثر حسَّانُ بنُ ثابتٍ من المُحسِّناتِ البديعيَّةِ ( الَّلَفظيَّةِ أو حتَّى المعنويَّةِ ) ؛ لأنَّه كان مشغولاً بوصف وتصويرِ الموقفِ الحربيِّ ، دون الحاجةِ إلى تكلُّفِ الُّلُغةِ وزخرفَتِها 0
7 – معاني النَّصِّ بل جملةُ مضامينِهِ جاءت متناسقةً تمامًا مع السِّياقِ الاجتماعيِّ ، بل والدِّينيِّ كذلك
8 – ينطوي ذلك النَّصُّ على الأسلوبينِ ( الخبريِّ والإنشائيِّ ) ، جاء الأوَّلُ مُخبرًا – بصدقٍ وأمانةٍ – عن الأحداث وكاشفًا إِيَّاها ، ثُمَّ تبعه الثّاني مؤكِّدًا لها ومعمِّقًا أثرها 0
9 – يميلُ النَّصُّ إلى اِقتباس بعض معاني الآيات القُرآنيَّةِ وصورها0
10 – كَشَفَ النَّصُّ عن تعدُّدِ أسلحةِ المسلمين في معارِكِهِم مع الكفَّار والمشركين ، سواء تجلَّى ذلك في السِّلاح المادي( السَّيف والرُّمح ) أو المعنويِّ ( الِّلِسان والشِّعرِ )0