[align=center]
المحاضرةُ الثَّالثة عشرة
البَارُودِي قَائِدُ مَدْرَسَةُ الإحْيَاءِ والبَعْثِ
- أوَّلاً : التَّعريفُ بالشَّاعرِ “ البارودي ”
- البارودي :
- هو محمود سامي البارودي شاعرُ مِصرَ الكبيرُ، من أصلٍ جركسيٍّ ( شَركسيٍّ )، تجري في عُروقِهِ دماءُ الأمراء من دولَةِ المماليكِ آنذاكَ0
- قائِدٌ حربيٌّ ، خاضَ المعارِكَ والحروبَ ؛ لِذا سُمِّيَ بـ ” رَبِّ السَّيفِ والقَلَمِ ” 0
- توَلَّى وزارتَيْ ” الأوقاف ” و ” الجهاديَّة ”( الحربيَّة حاليًا ) ، في عهدِ الخديو ” توفيقِ ” ، ثُمّ َترقَّى إلى رئاسَةِ الوزراءِ سنـ 1882 م ــة 0
- اِشترك – آنذاكَ – في الحركَة الوطنيَّة المُسَمَّاة بـ ” الثَّورة العرابيَّةِ ” سنـ 1882م ـة ، وَحُكَِِم عليهِ مع زُعمائِها بالنَّفي إلى ” سرنديبَ ”، ثُمَّ عادَ إلى وطنِهِ سنـ 1900م ـة 0
- ثانيًا : البارودي قائدُ مدرسةِ الإحياء :
ظلَّ جيـــلٌ من الشُّعراءِ الَّذيـــــنَ مَسَّتهم رياحُ التَّغَييرِ الحضاريِّ مسًّا خفيفًا يميـــــلونَ في مُجملِ شعرِهـم إلى الصَّنعةِ والتَّكَلُّفِ والتَّقليدِ ، حَتَّى جـــاءَ الفارسُ الشَّاعرُ ” محمود سامي البارودي ” ؛ لِيَقُودَ مدرسةَ ” الإحياءِ والبَعثِ ” ( 1838 – 1904م ) 0
- ثالثًا:البارودي والعودةُ إلى التُّراثِ العربيِّ :
- قد أحسَّ البارودي – كغيرِهِ من معاصريهِ – بالوعي بعظمةِ تراثِــــنَا العَرَبِيِّ الإسلاميِّ في مُواجَهَةِ العناصِـــرِ الوافـــــــدة الَّدَّخيلَةِ ، ورَأى الشِّعرَ الجَيِّدَ يَكمنُ فيما قبـلَ عصورِ الضَّعفِ والوهََنِ والجُمودِ تحــــتَ وَطْأَةِ المماليكِ من جِهَةٍ ، والعُثْمانيِّينَ من جِهَةٍ أخرى0فَاتَّجَهَ البارودي - بعدَ تلكَ الحالةِ الجامِدَةِ – إلى تًّراثِــهِِ العربِيِّ الإسلاميِّ مُسْتَقِيًا جملةَ مُعطياتِهِ الأدبيَّةِ ولَوَازِمِهِ الشِّعريَّةِ 0
- رابعًا : صفاتُ البارودي الأدبيَّةُ والشِّعريَّةُ :
- لقدِ اِرتَفَعَ صوتُ البارودي وحدَهُ بينَ الشُّعراءِ في النِّصفِ الثَّاني من القرنِ التَّاسِعِ عشرَ ، وقد تمَيَّزَ ذلكَ الصَّوتُ بِأَنَّهُ كَانَ :
1 – رصينًا قَوِيًّا في عبارَاتِهِ وألفاظِهِ 0
2 – متينًا في أساليبِهِ 0
3 – صافِيًا في أَخيِلَتِهِ 0
4 – شَرِيفًا في معانِيهِ 0
5 – مُشرِقًا في ديباجَتِهِ 0
6 – جَزِلاً في تراكيبِهِ 0
خامِسًا : البارودي والصُّعودُ بِالشِّعرِ :
- لَقد كانَ صنيعُ البارودي مع الشِّعرِ صنيعَ مَنْ أعَادَ الحياةَ لِمَنْ سُلِبَتْ منهُ، وردَّ النَّبضَ الحياتِيَّ لِمَنْ فقَدَهَا ؛ ذلكَ لأنَّهُ اِرتَقَى بالشِّعرِ وصَعَدَ بِهِ مِنْ قاعٍ أو حَضِيضٍ مُنْحَدِرٍ مُعَطَّنٍ إلى رَبْوةٍ عاليةٍ منيفَةٍ رائقةِ الشَّرابِ وحُلوةِ المذاقِ 0
- سادِسًا : البارودي والارتفاعُ بالكلمة والعِبارَة :
- راحَ البارودي يَرْتَقِي بالكلمةِ والعبارَةِ معًا ونقُلُهُما من الضَّعفِ والابتِذالِ إلى صِحَّةِ التَّركيبِ وقوَّتِهِ ، وصفاءِ السَّليقَة ونقائِهَا ، فضلاً عنِ العنايةِ بالأسلوبِ وَجمالِهِ 0 كما اِرتفعَ بِهِما ( الكلمةِ / العبارةِ )، كذلكَ من تَكلُّفِ البديعِ وأثقالِهِ إلى الرَّصانَةِ والتَّحرُّرِ، ومنَ التَّعقيدِ والغُموضِ إلى الوضُوحِ والإفصاح 0
- مِثالُ ذلك : يقولُ البارودي عن دورِه في إحياءِ الشِّعرِ:
- أَحْيَيْتُ أَنْفَاسَ الْقِرِيضِ بِمَنْطِقِي وَصَرَعْتُ فُرْسَانَ الْعَجَاجِ بِلَهْذَمِي
– معاني كلمات البيت : القَريضُ : الشِّعرُ 0 العّجَاجُ : الغبارُ المثارُ من المعرَكَةِ 0 الَّلَهْذَمُ : الحادُّ القاطِعُ من السُّيُوفِ 0
سابِعًا : البارودي والتَّجَدُّدُ الموضُوعيُّ :
اِبتعَدَ البارودي بموضوعاتِهِ الشِّعرِيَّةِ عنِ التِّكرارِ والجَدبِ والسَّطحِيَّةِ ،إلى التَّجَدُّدِ والتَّنَوُّعِ والتَّعَمُّقِ،والتَّعبيرِعنِ الأحاسيسِ الذَّاتيَّةِ، والحياة المعاصرةِ المُلِحَّةِ ، والقضايا القَوميَّةِ المُهِمَّة ِ، وأبرزِ أحداثِ العصر ، متنقِّلاً بالموضوعِ الشِّعريِّ من الأمـور الشَّخصِيَّةِ التَّافِهَةِ إلى الأمـــورِ العامَّةِ الهَادفةِ ، الَّتي تُقدِّمُ زادًا للإنسانِ عمومًا ، من خــــــلالِ خبرتِهِ الإنسانيَّةِ وتجربتها معَ الحياةِ مُمتزِجَةً بالعاطِفَةِ 0
- مثالُ ذلكَ : يقولُ البارودي شاكيًا منافِقِيهِ وزمانَهُم :
- أَنَا فِي زَمَانٍ غَابِرٍ وَمَعَاشِرٍ يَتَلَوَّنُـــونَ تَلَـــــــوُّنَ الْحِرْبَاءِ
– المعاشِرُ : الجماعاتُ من النَّاس 0 الحِرباءُ : دُوَيْبَةٌ من فصيلَةِ الزَّوَاحِفِ تَتَلَوَّنُ حَسْبَ الحاجةِ والمَكَانِ 0
- ثامنًا : البارودي ينظمُ في موضُوعاتٍ كثيرةٍ :
- إذا نظرنا إلى شعرِ البارودي بشكلٍ عامٍّ وجدناهُ ينوِّعُ موضوعاتِه، منها على سبيلِ المثالِ لا الحصرِ :
1 - وَصفُ الطَّبيعَةِ 0
2- وصف الحروبِ والمعاركِ وأهوالِهِما 0
3 – وصفُ الوَطَنِ والتَّعبير عن حُبِّهِ لَهُ 0
4 – النَّظمُ في الرِّثاء، وبِخاصَّةٍ رثاءُ والِدِهِ وزوجَتِهِ واِبنِهِ 0
5 – النَّظم في الغَزَلِ والتَّغَزُّلِ 0
- الخلاصة في تلك النُّقطةِ : أنَّ البارودي نظمَ في الموضوعاتِ السَّابقةِ وموضــــــــــوعاتٍ أخرى غيرِ تقليديَّةِ تنطلقٌ من تفاعُلِهِ معَ أحداثِ عصرِهِ وَزَمَانِهِ 0
- تاسِعًا : البارودي وتحليقُهُ بالخيالِ الشِّعريِّ :
- قلنا سابقًا : إنَّ البارودي قد اِرتقى بالكلمةِ والعبارةِ والموضوعِ واِمتَدَّ اِرتقاؤُهُ هنا بالخيالِ الشِّعريِّ، حيــــثُ لحظناهُ ينتقلُ بذلك الخيــــالِ من الضِّيقِ والسَّطحيَّةِ إلى التَّحليــــــقِ في سماواتِ الشِّعرِ على أجنحــــــة التَّصوير ، يديـــــرُ عَدَسَتَهُ التَّصويرِيَّةَ الممتدَّةَ في الآفاقِ ويعتمِد على حواسِّــــــــــهِ الواعيةِ المُدرِكَةِ ، ؛ فيجعلُ من التَّشبيهاتِ والاستعاراتِ والكناياتِ لوحاتٍ أدبيةً متحَرِّكَةً ( مرئيَّةَ و مسموعةً وملموسةً ) 0
- يقولُ البارودي معلِّقًا - شِعرًا – على تجربَتِهِ مع الخيالِ الشِّعريِّ :
- تَعَرَّضَ لِي يَوْمًا فَصَوَّرْتُ حُسْنَهُ بِبَلُورَتَيْ عَيْنَيَّ فِي صَفْحَةِ القَلْبِ
- عاشِرًا : قدرةُ البارودي المتفرِّدةُ على التَّصويرِ :
تتجلَّى قدرةُ البارودي على التَّصويرِ في مواطنَ متعدِّدةٍ من ذلك تصويره للِشعرِ الأسود ؛ وبخاصَّةِ للمرأةِ :
- تَهْتَزُّ مِنْ فَرْعِهَا الفَيْنَانِ فِي سَرَقٍ كَسَمْهَرِيٍِّ لَهُ مِنْ سَوْسَنٍ عَـذَبُ
- كَأَنَّ غُرَّتَهَا مِنْ تَحْـــــــــتِ طُرَّتِهَا فَجْرٌ بِجَانِحَةِ الظَّلْمَاءِ مُنْتَقِــــبُ
– معاني الكلماتِ :
الفَيْنانُ : الطَّويلُ 0 السَّرَقُ : الحريرُ 0 السَّمْهَرِيُّ : الرُّمحُ 0 السَّوسنُ : نَباتٌ من الرَّياحينَ 0 العَذَبُ : الأغصانُ 0 الغُرَّةُ : بياضُ الجبهةِ 0 الطُّرَّةُ : الشَّعرُ المسدولُ على الجبهةِ 0جانِحَةُ الظَّلماء : الدَّابرةُ 0 منتقِبُ : من انتقبتِ المرأةُ أي غَطَّت وَجْههَا بالنِّقابِ 0 ِ
- أحدَ عشْرَ : البارودي والعاطفةُ :
يقولُ جمعٌ من النُّقَّادِ المعاصرينَ وعلى رأسهم الدكتور شوقي ضيف ( رَحِمَهُ اللهُ رحمةً واسعةً من عندهُ سبحانَهُ وتعالى ) : إنَّ البارودي نقلَ العاطفةَ من طور البرودِ والجفافِ في العصرينِ : المملوكيِّ والعُثمانيّ إلى طورِ الحيويَّةِ والحركَةِ والذَّاتيَّةِ ، بما يعكسُ دورَهُ بل أثَرَهُ في تحريكِ العاطفة الأدبيةِ الحديثة وتفعيلِها إنسانيًّا 0
- اِثنا عشرَ : موسيقى البارودي :
- تحافظُ موسيقى البارودي الشِّعريَّةُ على الوزنِ والقافية (كموسيقى خارجيَّةٍ ) ، وموسيقاهُ الشِّعريَّةُ في جملةِ أشعارهِ المتنوِّعةِ ذاتُ رنينٍ أخَّاذٍ ، يأخذُ بالألباب والأسماع على حَدٍّ سواءُ 0 وقد نظم على جملة البُحور الشِّعريَّةِ ، ووظَّف الكثيرَ من الرَّوِيِّ الشِّعريِّ ” الحرف الأخير من البيتِ الشِّعريِّ ” توظيفًا فنِّيًّا ومتنوِّعًا 0
- ثلاثةَ عشرَ : البارودي يحاكي الُّشعراءَ الفحولَ :
- اِتَّجهَ البارودي في جملَةٍ من أشعارِهِ إلى مجاراةِ الشُّعراءِ العَربِ الفحولِ ، بدءًا من العصرِ الجاهليِّ، ومرورًا بالعصريْنِ الإسلاميِّ والأمويِّ وَاِنْتِهَاءً بالعصر العبَّاسِيِّ 0 منصرِفًا عن مُحاكاةِ ضعافِ الشُّعراءِ في العصرينِ المملوكيِّ والعثمانيِّ 0
- والخلاصةُ هنا : أنَّ البارودي يجاري الفحولَ من الشُّعراءِ القدماء بتلكَ المحاكاةِ ، لكنَّهُ في الوقتِ نفسهِ لا يُقَلِّدُهم ، وكأنَّهُ بتلكَ المحاكاةِ الجادَّةِ يتنافسُ معهم حول هذه المعاني وتلكَ الأخيلَةِ ؛ لِيَقِفَ معهم على عتبةٍ واحدةٍ معَ تفارُقِ الزَّمَنِ وتنوُّعِ البيئةِ 0
- أربعَةَ عشرَ : وسائلُ ومعطيات محاكاتِهِ :
- لقد حاكى ” البارودي ” ، بل عارضَ جمعًا من الشِّعراءِ القدامى ، على رأسهِم :
1 – اِمرؤ القيسِ 0 2 – النَّابغة الذُّبيانيُّ 0 3 – عنترة العبسيُّ 0 4– أبو تمَّامٍ 0 5 – البُحتُريُّ 0 6 – المتنبِّي 0
7 – الشِّريف الرَّضيُّ 0 8 – ابنُ زيدونَ 0 9 – ابنُ خفاجة 0 ( والأخيرانِ أندَلُسيَّان ) أمَّا عن أبرز وسائلِهِ ومعطياتِهِ ، فقد جاءت على النَّحو الآتي :
1 – نقاء ذهنِهِ 0 2 – فطرته السَّليمة 0 3 – قراءتُه المتفَحِّصة 0
4 – حفظه جيِّد الأشعارِ0 5– تتلمذه على يدي الشَّيخ المرصفيِّ0
- خمسةَ عشْرَ : التقاءُ البارودي مع الفحول شعريًّا
أ - يلتقي ” البَارودي ” مع ” أبي نُوَاسٍ ” ، حينما يقولُ :
- وَكَمْ لَيْلَةٍ أَفْنَيْتُ عُمْرَ ظَلامِهَا إِلَى أَنْ بَدَا لِلصُّبْحِ فيهِ قَتِيرُ
- يعارضُ بهذا البيتِ السَّابقِ بيتَ ” أبي نُوَاسٍ ” الَّذي يقولُ :
- وَمَا زِلْتَ تُولِيهِ النَّصِيحَةَ يَافِعَا إِلَى أَنْ بَدَا لِلْعَارِضِينَ فِيهَ قَتِيرُ
ب – يقولُ ” البارودي ” محاكيًا ” المتنبِّيَ ” :
- فَلا تَثِقْ بِوِدَادٍ قَبْلَ مَعْرِفَةٍ فَالْكُحْلُ أَشْبَهُ فِي الْعَيْنَينِ بِالْكَحَلِ
– يعارضُ ” البارودي ” هنا ” المتنبِّيَ ” في قولِهِ :
- لأنَّ حِلْمَكَ حِلْمٌ لاَ تَكَلَّفُهُ لَيسَ التَّكَحُّلُ فِي العَيْنَيْنِ بِالْكُحْلِ
- ستَّةَ عَشْرَ : أبرزُ تلاميذِ البارودي
- لقد سيطرت مدرسةُ الإحياءِ والبعثِ بريادة ” البارودي ” على الذَّوقِ الأدبيِّ قرابةَ قرنٍ من الزَّمانِ ، ولا يزال تلاميذُ البارودي ينهلونَ من معينِهَا آنذاك ، أبرزُ هؤلاء التَّلاميذ :
1 –أحمد شوقي 0 2 – حافظ إبراهيم 0 3 – إسماعيل صبري 0 4– عائشة التَّيموريَّة 0 5 – وليُّ الدِّين يَكَنْ
6 – محمَّد عبد المُطَّلِب0 7 – أحمد مُحَرَّم 0 8 – عليُّ الغَايَّاتيُّ 0
- وأعقبَ هؤلاءِ السَّابقينَ جيلُ آخر من تلاميذِ البارودي، من بينِهِم :
1 – علي الجارم 0 2 – محمَّد الأسمر 0 3 – عزيز أباظة0 4 – وصقرُ الشَّبيب، من الكويتِ 0 5 – وابنُ عُثَيمينَ ( الأب والابن ) من المملكَة العربيَّة السَّعوديَّة 0 وغيرهم كُثْرٌ من محبِّي البارودي ومدرسَتِهِ الإحيائيَّةِ 0
[/align]