المحاضرة الخامسة
الجوانب الأنسانية عند الرصافي
قد يدل مصطلح الأنساية على كل ما يقترن في اذهاننا من السمو بالحياة البشرية بحيث تعم في العالم وحدة انسانية لا تحدها حواجز من وطن او جنس ولا يحدها دين أو عصبيات وبذلك تصبح الأنسانية نزعة عالمية وينساق اصحاب هذه النزعة في الدعوة الى الخير فهم يكثرون من بكاء الانسانية لان قوافلها ظلت عن الطريق وهي تدفع ثمن هذا الظلال بما تنحره من ابنائها على مذابح الحروب فهذه الدعوة تحلق في خيال بعيد لعالم لا يمكن ان يتحقق على الارض وما أشبه هذه النزعة بنزعة التصوف فكلاهما حلم وخيال يحلم المتصوف بربه ويحلم الإنساني بعالم لا يمكن ان يراه فالإنسانية حلم صوفي جميل وقد تدل الانسانية على فكرة الرحمة بالضعيف ومواساة العاجز الفقير وهي فكرة انما اراد اصحابها الرقي بالحياة البشرية فيتعاطف البشر بعضهم مع بعض فلا يكون هناك بائس ولا حاقد انما يكون التازر والتراحم بين الناس جميعا في فيصبحوا كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضوا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
وقد يقصد بالأنسانية الدلالة على صاحبها الأنسان بكل ما فيه من نقائص وعيوب فهو انساني النزعة أي ان مساؤ الانسانية ومحاسنها تتضح فيه وفي ادبه وهناك دلالة اخرى حين تدل الكلمة على الايمان بالانسان وعقله ايمانا بلا حدود واصحاب هذا المفهوم لا يعتقدون بوجود قوى خارقة وراء ذلك العالم الانساني الذي نعيشه وكذا تتعدد مفاهيم الأنسانية..
ولم يعرف شعرنا العربي القديم شي من تلك المفاهيم الا في الندرة من مثل ما عرف عند ابي علاء المعري في لزومياته حتى اتى العصر الحديث واعتدنا التفكير في امور السياسة والمشكلات الاجتماعية واخذ الشعراء يفكرون في جوانب النقص الشائعة في حياتنا وانفك الشعر العربي من قيود الذاتية واخذ يسبح في أجواء جديدة بعضها سياسي وبعضها اجتماعي.
وطانت قضية الاحتلال والمناداة بالحرية وحق الانسان ان يعيش حر كريم في وطنه من اهم القضايا التي شغلت شعراء تلك المرحلة سواء كانوا انسانيون او غير ذلك.
ونادى معروف الرصافي بالحرية مع بقية شعراء زمنه يقول:
اذا لم يعش حرا بموطنه الفتى فسمي الفتى ميتا وموطنه قبرا
أحريتي اني اتخذتك قبلة أوجه وجهي كل يوم لها عشرا
فهو يرى ان الحياة لا تسوى شيء بدون الحرية.
وتشغله مسألة العصبية الدينية أو الصراع بين المسلمين والمسيحيين من ابناء الوطن الواحد فيدعو الجميع الى توطيد الصلة الوطنية والتكاتف للدفاع عن اوطانهم فالانسانية لا تعرف العصبيات ولا الاختلافات يقول:
أما ان تنسى من القوم اضغان فيبني على أس المؤاخاة بنيان
أما ان يرمى التخاذل جانبا فتكسب عزل بالتناصر أوطان
علام التعادي لأختلاف ديانة ان التعادي في الديانة عدوان
وما ضر لو كان التعاون ديننا فتعمر بلدان وتأمن قطان
وعلى هذا النحو بعثت حياتنا السياسية في العصر الحديث و وجود الاستعمار مشاعر جديدة في نفوس شعرائنا وتخطى اهتمام شاعرنا مشكلة الوطن واستقلاله الى مشاكل المواطنين فعاش يفكر في الامهم ويتألم لها ويعبر عنها راح يتعرض لكل المشاكل الاجتماعية والتي كان لها اثر كبير على المجتمع والناس ولعل أهم القضايا التي شغل بها الرصافي كانت قضية الطلاق حيث يعبر عن أحساس المرأة وظلم المجتمع لها, وينادي بأن تنال المرأة جميع حقوقها وقصيدة المطلقة من خير القصائد التي تصور عيوب تلك المشكلات يقول فيها:(حفظ كامله)
بدت كالشمس يحظنها الغروب فتاة راعنظرتها الشحوب
حليلة طيب الاعراق زالت به عنها وعنه بها الكروب
فغاضب زوجها الخلطاء يوما بأمر للخلاف به نشوب
فأقسم بالطلاق لها يمينا وتلك الية خطأ وحوب
وطلقها على جهل ثلاث كذلك يجهل الرجل الغضوب
فظلت وهي باكية تنادي بصوت ترتجف منه القلوب
لماذا يا لبيب صرمت حبلي وهل اذنبت عندك يا لبيب؟
فأطرق وجهه خجلا وأغضى وقال ودمع عينه سكوب
لبيبة أقصري عني فأني كفاني من لظى الندم لهيب
وما والله هجرك بأختياري ولكن هكذا جرت الخطوب
والرصافي يطيل في المحاورة بين الزوجين ليرينا افة هذا الطلاق.
وكان الرصافي شديد الحساسية رقيق الشعور لا يكاد يترك منظرا مؤثرا لمنكوب الا رسمه وكان يعرف كيف يصف ما انطوى عليه قلب المكروب من افكار والام يقول في قصيدة الأرملة المرضعة:
لقيتها ليتني ما كنت ألقاها تمشي وقد أثقل الأملاق ممشاها
أثوابها رثة والرجل حافية والدمع تذرفه في الخد عيناها
والقصدية لوحة رائة لأرملة فقيرة ممزقة الثياب.
ويظهر أن نفس الرصافي كانت تنطوي على كثير من المروءة والحنان والشفقة والتفكير في هذه الطبقة المحرومة التي نبذها المجتمع فيتحول شعره الانساني الى ما يشبه البوق الذي ينفخ فيه فيستيقضون الناس ويشعرون بهذه الطبقة.
ولم يقف تصويرة على الارامل والفقراء عند المسلمين فحسب فراح يشارك يتامى الأرمن يشارك بؤسهم يقول في قصيدة أم اليتيم:
رمت مسمعي بأنه مؤلم فألقت فؤادي بين أنياب ضيغم
وباتت توالي في الظلام انينها وبت لها مرمي بنهشة أرقم
وهذه القصيدة تصور لنا أتساع العنصر الأنساني في شعر الرصافي الذي يتنازل عن حواجز الدين واللغة ويؤمن بوجوب تحرير الروح وأطلاق سراحها من قيود التعصب الديني وما كان شيء يؤذي نفسه مثل الفقر والعوز وان يشيع الغنى ويجوع الفقير ويرى ان شبع الغنى ما جاء الا من عرق الفقير وكفاحه يقول:
أرى كل ذي فقر لدى كل ذي غنى أجيرا له مستخدما في عقاره
ولم يعطه الا اليسير وانما على كده قامت صروح يساره
من كل ما مضى يتضح لنا ان الرصافي شغل نفسه بالتفكير في الانسانية وسبل الخير والشر التي يسلكا بنو الاسلام. وكذلك يعيش البعض في خير ونعمة والبعض في شقاء وتعاسة فنحس كأن الرصافي كان هو نفسه الشقي المحروم الذي اظلمت الحياة من حوله فنراه يحلم للناس عامة ولمواطنيه خاصة بعالم سعيد بعد أن عاش يتغنى بالام التعساء المظلومين والاشقياء المحرومين...