مرحبا عبقور ..
مشكورة على الدعوة و وعلى الموضوع الهام ، والذي نقاشه عادةً ما يكون مشوب بشيء من الحذر نظراً لحساسية هذا الموضوع في مجتمعنا بنفس قدر حساسية هذا الموضوع في عصر ديكارت والذي جعله يمارس نوع من التقيا -بزعم بعض الكتاب- الذين اتهموه بشيء من الجبن إزاء الكنيسة وتسلطها على التفكير الحر ، فديكارت كان حذراً وهو يتناول أمور تمس العقائد المسيحية ، إذ أنه لم يجري منهجه الشكي عليها (ولا اعرف و لا اظن ان هناك من يسطيع الجزم بانه كان مقتنعا بهذا الاستثناء أم هي تقيا املتها ظروف عصره الذي لا يُشجع على التفكير بحرية ، فما تعرض له جاليليو و جوردانو برونو ليس ببعيد عن ديكارت ولعله فضل السلامة على التعرض لنيران محاكم التفتيش)
مهما يكن من أمر .. لا يجادل أحد اليوم من علماء ومثقفين على أهمية الشك باعتباره الأداة الأولى للبحث و النظر ولعل في مقولة أبو حامد الغزالي الرائعة والتي وضعها الصديق العزيز فهد في مُشاركته الجميلة أعلاه ما يغني عن كُل ما يُقال بهذا الصدد ، فهي جملة ذكية ومُكثفة جداً وسبق بها أبو حامد ديكارت بقرون عدة ..
لست ممن يخشى إعمال النظر والعقل وأضع له الحدود و السدود، ولا أحب توشح رداء الوصاية التي أمجها وأمقتها ، وإن كان ثمة ما يستحق أن نخشاه فهو برأيي "التسليم الأعمى" دون نظر وبحث، الفكرة القوية و المُقنعة ستصمد أما التساؤلات ، والواثق بفكرته لا يخشى عليها من التفكير الحر ، فما ينفع الناس يمكث في الأرض أما الزبد فيذهب جفاء غير مأسوف عليه ..
يبدو لي أن من يخشون على أفكارهم من إعمال العقل والتفكير بحرية هم قوم لا يثقون بأفكارهم لأنهم ورثوها كما ورثوا آبائهم وسلمو بها تسليماً أعمى لم يكن للعقل دور في تزكيتها وتمحيصها لذلك هم غير واثقين بمدى قدرتها على الإقناع دون التلويح بسيف الوعيد والتهديد لمن أراد الخروج عن"القطيع"..
لا يمكنني تفهم موقف المُشنعين للشك كأداه باعتباره يقود للضلال ،ولا اعرف ما هو الضير في أن يُعمل الإنسان عقله في ما ورثه من أفكار وعقائد إجتماعية. فالكثير من الأمم نشأت على عقائد و أفكار باطلة وليت شعري كيف يمكن لهم كشف زيفها وبطلانها دون الشك فيها ابداء لاختبار مدى عقلانيتها وإقناعها وتمهيداً للحكم لها أو عليها ، الشك وحده هو الضمان لمراجعة الأفكار المغلوطة وهذا يتطلب منا أولا معرفة قصور تفكيرنا الإنساني وإمكانية وقعه في الخطأ أو قصور الفهم !
ومن المفارقات التي لا يفطن لها أصحاب الخطابات الدوغمائية أنهم يُطالبون جميع أمم الأرض باستخدام عقولهم و(الشك) في عقائدهم و ترك أعمالهم وحياتهم والتفرغ للبحث عن العقيدة الصحيحة التي سيعتنقوها فورا حالما يجدونها ( وهم يشيرون الى ما لديهم من أفكار) .. وحينما تسألهم وأنتم ، ألستم مُطالبين بنفس الشيء !؟ تجدهم ينظرون باستغراب لأنهم يرون أنفسهم إستثناء بحسبانهم يمتلكون الحق وليسوا بحاجة للبحث كحال البقية الذين يتوعدونهم بالويل والثبور وعظائم الأمور ! وهذا عائد لجهلهم بكيفية تشكل العقائد والأفكار وأن جميع الأمم تنظر لعقائدها بالمنظار نفسه باستثناء قلة قليلة مغضوب عليها من أصحاب الدوغمائيات يعتمدون على مانهج عقلية (سواء قبلية أو بعدية/علمية /تجريبية ) في ترشيح المزاعم باعتبارها أفضل الأدوات المُتاحة لمعرفة الأشياء وكشف حدود إمكان معرفتنا !
الشك المطلوب برأيي هو الشك كمنهج علمي ، أي هو مجرد وسيلة وطريق للحقيقة لا غاية بذاته ، فمن غير الحكمة أن نشك في كل شيء وفي كل وقت، فتلك حالة مرضية، الشك المنهجي هو أقرب ما يكون من موقف القاضي إزاء قضية ما وأمام أصحاب الدعاوي ، فهو لا يسلم باي ادعاء دون بينة ويطالب كل ادعاء بإثبات دعواه ، ولا يصدر حُكمه الا بعد التدقيق ملياً في القضية ومارجعتها . وبعد اصدار الحكم يعود للحياة بصورة طبيعية. فهو يستعين بالشك في موضوع البحث فقط حتى الى أن ينتهي الى حكم نهائي أو تعليق الحكم الى حين توفر ظروف أفضل.
أما إقحام الشك في الأمور اليومية أو الاجتماعية فهذا سيء فعندما أسأل أحد الأصدقاء : كم الساعة الآن ؟ فمن الصفاقة أن أطلب منه الدليل والإثبات واجري تحري في المسألة! الشك مطلوب فيما يهمنا بحثه بموضوعية، أي هو مجرد وسلة وليس غاية !
أطيب التحيا لك عبقور ولجميع لأخوة الكرام هنا..