مرحبا بك مشعلي وبالأخوة الأكارم هنا ..
طبيعة هذا النوع من المقالات الصحفية يكون خفيف ويهتم بالفكرة العامة دون تحليلها تحليل دقيق وقد يتساهل في استعمال المصطلحات والمفاهيم بدلا من محاولة ضبطها أو تحديد مقصده بها على أقل تقدير .. فماذا يقصد الإسترالي مثلاً بالحضارة ؟ وهل هي مغايرة للتمدن ؟ ثم هل نحن إزاء مفهوم أوحد للحضارة ؟ أم أننا إزاء حضارات ؟
بمعنى أن مفهوم الحضارة –برأيي- هو مفهوم تاريخي مُتأثر بالمكان و الزمان وليس ثمة مفهوم جوهري ثابت يتعالى على الزمان والمكان يشكل مضمون الحضارة ، فوجود ممارسات للتجارة بالرقيق (العبيد) في العصور الماضية لا ينفي صفة الحضارة عن تلك المُجتمعات .. هذا فيما يخص مفهوم الحضارة والذي هو برأيي يعادل "الثقافة" (وشخصياً أميل لاستعمال مفهوم الثقافة أكثر من الحضارة ، واتقبلها في حدود ضيقة كمقابل للهمجية رغم ان المسألة لا تخلو من نسبية ايضا)
الفكرة التي أظن الكاتب يريد التلميح اليها -ولعله أتخذ من الإسترالي كبش فداء يتقي به غائلة بعض الأعتراضات الأقرب للبربرية

-أن ثمة صراع يعيشه المُجتمع حالياً بين ثقافتين إحداها بدوية وأخرى مُتمدنة/حداثية لكُلٍ منهما منظومة قيم وعادات وأسلوب في العيش يختلف عن الآخر. وفي هذا الأمر نتفق .
لعل أول من أنتبه الى هذا الصراع وتولاه بالتحليل العلمي هو العلامة العراقي علي الوردي الذي أنتبه الى هذه الإزدواجية في الشخصية العربية بوجه عام والعراقية على وجه الخصوص ، فهي وإن كانت في الظاهر والسطح توحي بالتمدن الا انها في بنيتها العميقة بدوية أو ريفية ، إي أنها تحمل في أعماقها قيم ورثتها من بداوتها وعلى رأسها الولاء للقبيلة والتعصب لها (والتي كانت ضرورية للبقاء في حياة البادية) واخذتها معها الى حياة المدينة والتي تستلزم قيماً أخرى فأنتجت ظاهرة فريدة لها تجلياتها التي قد يكون منها ماجاء في تضاعيف المقالة وغيرها مما لم يذكر .
فالعصبية ماتزال فاعلة في أعماق البنى الإجتماعية وان تبدل مضمونها، لذلك لو القينا نظرة عجلى على المؤسسات التي حولنا سنجد ان المحسوبية تنخرها حتى مع أولئك الذين تعرضو لموجات حداثية في أعتى المؤسسات الحداثية في الغرب الا ان ممارساتهم لا تسلم من سطوة النسق الاجتماعي.
ومها كان الأمر قبيحاً قي الأوساط البيروقراطية الا انها تظل أهون منها في الأوساط الثقافية ، فحسبك ان تلقي نظره سريعة في تويتر على نقاشات بعض النخب .. ستجدها تتعصب لتحزباتها وتياراتها كما يتعصب البدوي لقبيلته التي تجد وصفا دقيقاً في قول الشاعر القديم : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ،في النائبات على ما قال برهانا!
نعم أوافق الأسترالي في كثير من ملاحظاته .. وأعتقد أن مالدينا هو حداثة المباني والآلات والتقنية وبعض الأنظمة التي يتعامل معها إنسان لم يصل لمستواها بعد.. فالفلسفة التي أنتجتها لم تتغلل في رؤوس من يستهلكونها ، فهم يعتقدون بأن مُجرد تكديس مُنتجات الحداثة من تقنية ومباني وناطحات سحاب كاف لنقلهم من التخلف الى طليعة الدول المُتقدمة، ونسوا ان الحضارة تقوم على الإنسان أولا .. فتنمية الإنسان تسبق إي تنمية أخرى ، ولا يغني عنها تنمية المباني والجسور والطيارات والسيارات .. فهي رهن بالعقول التي انتجتها لا بالاجساد التي استهلكتها !
اطيب التحايا لك .