|
رد: أيهما أقدر على ضبط المجتمع: القوانين أم الأخلاق؟
شكراً على الموضوع الجميل والهام ..
فهو يطرح مسألة نحتاج الى تكثف النقاش وطرح الأسئلة حولها بُغية تطوريها وبلورتها.
من نافلة القول إن الأخلاق والقوانين تلتقيان أمور وتفترقان عند مستويات أخرى من حيث المهام والمجال المناط بها. فمجال الأخلاق أوسع من القانون الذي يهتم بما هو ملموس ومُشاهد، بعكس الأخلاق التي قد تذهب لأبعد من الفعل الظاهر لتدخل الى أغوار النفس البشرية، وقد تستمد قيمها من وحي مصادر ماورائية – الهية عند المتدينين-أو عن طريق الإنسان نفسه الذي يصوغ لنفسه فلسفة حياة يرتضيها.
برأيي الاختلاف بيننا وبين المُجتمعات الغربية في العصر الحالي حول هذه المسألة يكمن في مصدرية الأخلاق والقوانين، فإن ظلت الأخلاق هناك عند قطاعات مُعينة تستمد شرعيتها من الدين، الا ان القوانين هناك خاضعة لنظام الدولة العلمانية التي يمكن وصفها بانها دولة لا دينية؛ فالقوانين هناك من صنع الإنسان نفسه، هو الذي يصوغ لنفسه الأنظمة والقوانين التي تنظم شؤونه العامة. ثمة فصل واضح هناك بين المجالين الخاص والعام، فالمجال الخاص متروك لك لتنظمه وفق ما تشاء بشرط أن تبقى في حدود مجالك الخاص، أما المجال العام فإنه يصاغ وفق نظرية العقد اجتماعي لتنظيم شؤون الناس والذي يهدف في المقام الأول الى حفظ حقوق الأفراد وحرياتهم من ان تتجاوز حدودها فيحدث التعدي على حريات الآخرين وحقوقهم الطبيعية وفق نظرية (الحق الطبيعي) التي هو جوهر النظرية الليبرالية.
هذا فيما يخص المجتمعات الغربية في نظرتها للقوانين، في مجتمعاتنا –المسلمة-نخضع كذلك لقوانين الا ان الفرق هو في مصدرها؛ فإذا كانت القوانين التي تُسير شؤون الناس هناك قوانين وضعية من صنع الإنسان، فإن القوانين عندنا –والأخلاق كذلك- من زاوية نظر إسلامية تأخذ مصدريتها من الدين الذي هو وحي الهي ، بمعنى أن الأخلاق والقوانين عندنا تأتي من خارج الإنسان، فليس هو من يُشرع لنفسه بل الله الذي نجد شرعه ( الشرع هو المرادف لكلمة قانون بس ربعنا يتحسسون من هذي المفردة ) منصوص في القرآن وفي سنة النبي الأكرم.
بعد هذه الثرثرة التي لا اعرف أن كان فيها ما يفيد أعود لتساؤلك حول: أيهما أقدر على ضبط المُجتمع، القانون أم الاخلاق؟
برأيي أن القانون ضروري ولا يمكن قيام مدنية بدونه، لأننا سنعود عندها لحالة الطبيعة الأولى، حالة البدائية وحرب الكل مع الكل كما يقول هوبز، لكن هل يمكن إيجاد قانون بدون أخلاق تُبرره وتمنحه الشرعية القانونية !؟ لا أعتقد ذلك فالقانون هو الابن الشرعي للأخلاق التي قد تستمد محدداتها من عالم ما ورائي أو عالم الطبيعة، وان كان نطاق القانون اضيق من الأخلاق، فلا يمكن تحويل الأخلاق كلها الى قوانين، فالغيبة مثلاً فعل يتنافى مع الأخلاق وفق بعض المرجعيات فهل هذا يعني أننا سنصك قانون يُجرم الغيبة ويُعاقب عليها؟ والكذب كذلك وغيرها من أمور يكون من الأجدى لها ان تكون خاضعة للضغط الاجتماعي (الذي يعاقب من يقترفها بالنبذ والتجاهل ..الخ ) أفضل من تكون خاضعة لسلطة الدولة/القانون. ولعلي شخصيا من الذين يفضلون نظام الاقتصاد في التشريع وتقليل القوانين/التشريعات الى الحد الأدنى الضروري لحفظ حقوق الأفراد من التنازع والاعتداءات.
الحديث في موضوع الأخلاق والقانون يطول ويتشعب وأعتذر عن الإطالة ..
أطيب الأمنيات لك عزيزي P e a c e.
|