نبدآ با المحاضرة السادسة
انقسم الفلاسفة والباحثون في مسألة طبيعة المعرفة إلى ثلاثة أقسام، هي:
((المذهب المثالي _ المذهب الواقعي _ المذهب العملي(البراغماتي))
ترجع أصول المثالية الى أفلاطون، الذي (اعتقد بوجود عالمين: العالم الحقيقي الذي توجد فيه الافكار الحقيقية المستقلة والثابتة، والعالم الواقعي الذي هو ظل للعالم الحقيقي).
ويتفق المثاليون في تصورهم لطبيعة المعرفة، وفي اتجاههم العام نحو النظر إلى الأشياء الطبيعية باعتبارها غير مستقلة .
المذهب المثالي : المعرفة على أساس أننا (إذا أردنا أن نعرف الواقع أكثر، ونفهم طبيعته ونتبصر حقيقته بشكل أعمق فلن يكون ذلك بالبحث في العلوم الطبيعية بما فيها من اهتمام بالمادة والحركة والقوة، وإنما يكون بالاتجاه نحو الفكر والعقل، والالتزام بالقوى المثالية والقيم الروحية لدى الانسان).
وقد ظهر المذهب المثالي في صور شتى من أهمها:
] المثالية التقليدية (المفارقة) + المثالية الذاتية + المثالية النقدية + المثالية الموضوعية (المطلقة) [
أولاً: المثالية التقليدية (المفارقة).مرتبطة بأفلاطون، وتعني: ان هناك وجودا مثاليا للأشياء، وأن وجود هذه المثل هو وجود مفارق للأشياء الواقعية.
ويميز أفلاطون بين نوعين من المعرفة، المعرفة الظنية: وهي المعرفة بعالم الأشياء المادية التي تأتي إلينا عن طريق الحواس، وتتصف بالتغير وتتعلق بالمظهر،
والمعرفة اليقينية: وهي المعرفة بعالم المثل المفارق للمادة، وتأتي إلينا عن طريق العقل، وتتميز بالثبات وترتبط بالحقيقة.
ثانياً: المثالية الذاتية. جاءت في العصور الحديثة، وبالتحديد في أواخر القرن 17 م،
على يد (باركلي) الذي يلخص نظرته لطبيعة المعرفة في عبارته المشهورة: (أن يوجد هو: يعني أن يُدرِك أو أن يُدرَك).
ثالثاً: المثالية النقدية.ارتبطت تسميتها في العصر الحديث
بـ كانت. والمثالية النقدية نوع خاص من المثالية ترى ضرورة البدء بفحص العقل، ومعرفة حدوده، ومعرفة قدراته قبل الوثوق به والاعتماد عليه واستخدامه في تحصيل المعرفة.
ويرى كانت أن (التصورات العقلية تكون فارغة إذا لم ترتبط بالإدراكات الحسية،
رابعاً: المثالية الموضوعية (المطلقة): ترتبط بالفيلسوف هيجل، الذي أكد ان استخدامنا لنظام المنطق بصورة دقيقة هو الذي سيوصلنا على الفكرة المطلقة
المثالية المطلقة هي الاتجاه الفلسفي المثالي الذي يذهب إلى أولوية الروح على المادة، ويرى أن المصدر الأول للوجود ليس هو العقل الإنساني الشخصي، وإنما هو العقل الكلي أو الروح المطلقة .
يتفق هيجل مع المثاليين جميعاً في نظرتهم إلى طبيعة المعرفة باعتبارها في النهاية معرفة عقلية أو روحية، وفي نظرتهم إلى الواقع باعتباره في النهاية تجسيدا للعقل أو الروح.
المذهب الواقعي تقوم فكرة المذهب الواقعي على أن مصدر كل الحقائق هو هذا العالم الذي نعيش فيه (عالم الواقع)، أي عالم التجربة والخبرة اليومية
ويعتبر أرسطو ابا للواقعية .و يعود الأصل في تسمية المذهب بالواقعي إلى الأساس الذي قام عليه هذا المذهب
يقوم على ثلاثة أسس رئيسية وهي:
v أن هناك عالم له وجود لم يصنعه أو يخلقه الإنسان، ولم يسبقه وجود وأفكار مسبقة
v أن هذا العالم الحقيقي يمكن معرفته بالعقل الحقيقي، سواء بالعقل الإنساني أو الحدس أو التجربة.
v أن هذه المعرفة يمكن أن ترشد وتوجه السلوك الفردي والاجتماعي الضروري للإنسان .
و يرى المذهب الواقعي أن (ماهية المعرفة ليست من جنس الفكر او الذات العارفة، بل هي من جنس الوجود الخارجي، إذ أن للأعيان الخارجية وجوداً واقعياً مستقلاً عن أي عقل يدركها، وأن العقل إنما يدركها على ما هي عليه بقدر طاقته).
المذهب العملي (Practicalism)إن المعرفة على مذهب المثاليين أو الواقعيين لا تؤدي بك الى عمل تعمله، أي لا تتضمن سلوكا معينا يقوم به الشخص العارف
أما المذهب العملي أو البراغماتي فقد (غيّر النظرة على طبيعة المعرفة، حيث جعل المعرفة أداة للسلوك العملي، أي أن الفكرة من افكارنا هي بمثابة خطة يمكن الاهتداء بها للقيام بعمل معين، والفكرة التي لا تهدي إلى عمل يمكن أداؤه ليست فكرة، بل ليست شيئا على الاطلاق، غلا أن تكون وهماً في رأس صاحبها)
والمذهب البراغماتي يمثل إحدى المدارس الفلسفية والفكرية التي نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية بداية القرن 19م، وتتميز البراغماتية بالإصرار على النتائج والمنفعة والعملية كمكونات أساسية للحقيقة.
ويعتبر(تشارلز بيرس: 1839-1914) أول من ادخل لفظة براغماتية للفلسفة
وذهب وليم جيمس إلى أن المعرفة العملية هي المقياس لصحة الأشياء، وأن البراغماتية تعني إمكانية البحث المتاحة ضد الوثوقية التعسفية واليقينية الجازمة وادعاء النهائية في الحقيقة
أما جون ديوي، وهو المنظر الحقيقي للبراغماتية فيرى أن العقل أو التجربة الحسية ليسا أداة للمعرفة
وقفة نقدية نلاحظ أن المذاهب الثلاثة السابقة ركزت على جانب وأهملت جانبا آخر أو جوانب أخرى تتعلق بطبيعة المعرفة
ولو تأملنا القرآن الكريم لوجدناه يقرر أن للأشياء وجودا واقعيا مستقلا عما في الذهن البشري
ولهذا فإن طبيعة المعرفة عندما نتأمل القرآن نجد أن المعارف ثلاثة أنواع:
هناك ما هو فطري: وهو العلم الضروري الذي خلقه الله تعالى مركوزا في فطرة الإنسان ومنه العلم بالبديهيات العقلية وبالله وبالأسماء يقول تعالى: َ{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِين}31 البقرة.
علم النبوة: وهو العلم الرباني الذي وصل إلى الإنسان من طريق الوحي: ُ{ كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} 3 الشورى
المعارف الإكتسابية : وهي المعارف التي يكتسبها الإنسان من الوحي أو الكون أو كليهما بالحس والتجربة والعقل والحدس، { وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} 78 النحل.ثم أن طبيعة المعرفة تقتضي ميداناً لدراستها وهذا الميدان
وبحسب نصوص القرآن الكريم 1-اما أن يكون في عالم الغيب
2- واما أن يكون في عالم الشهادةوطبيعي أن البحث في عالم الغيب محدود