المحاضرة الثالثة عشر
المسلمون في آسيا وأوربا
المسلمون في الفلبين :
الفلبين مجموعة من الجزر منتشرة في مياه المحيط الهادي في أقص شرقي آسيا بين الجزر الإندونيسية والجزر اليابانية ، بعضها معروف ، وبعضها صغير مجهول لا يكاد يعرفه إلا ساكنوه ، وأكبر هذه الجزر " لوزون " في المنطقة الشمالية ، وأغلب سكانها نصارى ووثنيون ، وفيها العاصمة " مانيلا " ، وتليها في المساحة جزيرة "مندناو " في المنطقة الجنوبية ، ويتركز فيها المسلمون بالإضافة إلى جزر "بالاوانش " و " صولو " ، ويطلق عليها اليوم اسم " مورو الإسلامية " .
أما السكان فيبلغ عددهم حوالي ستين مليوناً تقريباً ، وعدد المسلمين بينهم يصل إلى( 6,5 ) مليون مسلم ، أي بنسبة 11 % ، وهذه هي تقديرات الحكومة الرسمية في مانيلا ، التي قد تتعمد تقليل أعداد المسلمين ، ويتكلم السكان اللغة المحلية بالإضافة إلى الإسبانية والإنجليزية اللتين دخلتا البلاد أثناء الاستعمار الإسباني والأمريكي ، ويتكلم المسلمون لغتين من اللغات السائدة في البلاد وهما : لغة " ثاصو " ، وهي قريبة من الإندونيسية ، ولغة " مراتاو " ، وهي الغالبة في جزيرة " مندناو " ، وتضم ألفاظاً عربية كثيرة ، وتكتب بالحرف العربي .
وبالنسبة لمعتقدات السكان الدينية في الفلبين ، فهناك النصارى، والمسلمون 11 %، والبوذيون ,ويتألف السكان من عنصرين أساسيين هما :
1 – العنصر القديم وهم سكان البلاد القدماء ، ومنهم " النجريتو " ، وهم الأقزام الآسيويون ، لونهم أسود وقامتهم قصيرة ، وهم جماعات بدائية تعيش في الغابات ، والمناطق المنعزلة ، ولا دين لهم ..
2 – عنصر المورو ، والذين قدموا إلى البلاد عل موجتين ، حملت الثانية منها الإسلام ، وتوزعت في البلاد على موجتين ، وقد أطلق عليهم الإسبان اسم المورو إذ شبهوهم بمسلمي المغرب والأندلس .
وقد وصل الإسلام إلى تلك البقاع عن طريق الدعاة والتجار الذين وصلوا من جزيرة العرب ، ومن الهند ، وإندونيسيا ، والملايو ، وقد جاءها الإسلام ولا سيما إلى الجزر الجنوبية منذ القرن الثامن الهجري ، وما أن حل القرن التاسع الهجري حتى تأسست عدة إمارات إسلامية ، أهمها إمارة الشريف أبي بكر في " صولو "عام 854 هـ ، وإمارة الشريف محمد بن علي في " مندناو " عام 906 هـ ، ثم إمارة " مانيلا " التي تشمل اليوم عاصمة البلاد .
وازدهرت الحياة الإسلامية في تلك البلاد التي أطلق عليها العرب المسلمون اسم "عذراء ماليزيا " زهاء قرن كامل ، وكاد الإسلام يعم البلاد ويقضي على الوثنية التي كانت قائمة في تلك الجزر ، وكان عدد المسلمين يقدر آنذاك بخمسة ملايين ونصف ، أي أنهم كانوا يمثلون نسبة 55 % من تعداد السكان ، ولكن نسبتهم اليوم هبطت إلى 12 % من عدد السكان بسبب ما تعرضوا ل من إبادة عن طريق الحروب مع الإسبان ، ثم مع الاستعماريين الياباني والأمريكي ، وأخيراً مع الاستعمار الفلبيني النصراني الذي ما فتئ يحارب الإسلام والمسلمين ، إذ تولى النصارى المتعصبون حكم الفلبين بعد أن نالت استقلالها من أمريكا ، وتابعوا مهمة الإسبان والأمريكيين في التنصير ، ومحاولة إفساد المجتمع المسلم ، وإبادة المسلمين بشتى الأساليب البشعة ، وخاصة في عهد " ماركوس " المخلوع الذي كان يفتخر بأن " الفلبين " هي الدولة الوحيدة ذات الأغلبية النصرانية في آسيا .
الغزو الصليبي وجهاد المسلمين :
تعرضت الفلبين إلى الغزو الإسباني ، وذلك عندما وصل " ماجلان " الإسباني إلى تلك الجزر في عام 927 هـ / 1521 م ، وحاول فرض سيطرته ونشر عقيدته ، فتصدى له المسلمون في جزيرة " ماكتان " وقتلوه ، ونجا بعض جماعته ، ورجعوا إلى إسبانيا ، وسير ملك إسبانيا بعد ذلك جيشاً تمكن من الاستيلاء على المناطق الشمالية والوسطى ، وعجز عن السيطرة على المناطق الشمالية والوسطى ، وعجز عن السيطرة على المناطق الجنوبية ، حيث يكثر المسلمون ، وأخذ الإسبان يطاردون المسلمين ويحاولون نشر عقيدتهم في المناطق التي سيطروا عليها ، واستمرت الحرب بينهم وبين الفريقين حتى عام 1318 هـ / 1900 م ، حيث خلفت الولايات المتحدة إسبانيا في استعمار الفلبين .. واستمرت في سياستها الرامية إلى تنصير السكان عن طريق الإكراه ، فقاوم المسلمون هذه السياسة واستمر القتال حوالي أربعة عقود استشهد فيها الآلاف من المجاهدين ، ولكن الغزاة شنوا على المسلمين حرب الجراثيم فمات الألوف في جزيرة مندناو وارخبيل صولو بالكوليرا ، والجدري ، والطاعون ، وبلغ ضحايا الأوبئة أكثر من 200 ألف ، حسب التقارير الغربية نفسها ، فتكونت لهم دولة تحت الإدارة الأمريكية وازدهرت المدارس ، وهدأت الأحوال .
وفي عام 1362 هـ / 1943 م احتل اليابانيون المناطق الإسلامية من الفلبين ، وقاوم المسلمون الغزاة الجدد ، وقاوم معهم سكان البلاد حتى حصلوا على الاستقلال عام 1366 هـ / 1945 م ، حيث سلمت أمريكا زمام الأمور إلى حكومة نصرانية عل رأسها نصراني ، وضم الجنوب الإسلامي إلى هذه الحكومة ، ومرة أخرى كان على المسلمين الجهاد ، وهكذا ظل المسلمون ولمدة أربعة قرون يحملون السلاح دفاعاً عن عقيدتهم وكرامتهم ، ضد الأسبان ، ثم ضد الأمريكيين واليابانيين ، والآن ضد الفلبين النصرانية المعادية للإسلام والمسلمين .
ولكن محنة الإسلام في جزر الفلبين بدأت بعد استقلال البلاد ، وقيام حكومة وطنية على رأسها رئيس كاثوليكي ، إذ أن رجال الكنيسة اهتموا بإثارة الحكومة ضد المسلمين ، حيث مارست سياسية البطش والإرهاب ضدهم منتهجة عدة أساليب منها:
1 – تشجيع النصارى على الاستيطان في المناطق الإسلامية .
2 – تبني الحكومة عمليات التنصير المنظمة بين المسلمين وخاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية الفقيرة .
3 – العمل على دفع المسلمين لترك أراضيهم الزراعي.
4 – عدم فتح المدارس الإسلامية ، أو أي مؤسسات تعليمية أخرى حتى يبقى المسلمون جهلاء وأميين .
5 – إرهاب المسلمين بغرض احتلال أراضيهم ، وذلك بتأسيس منظمات إرهابية يقوم عليها بعض المتعصبين من النصارى ، مثل منظمة " أيلاجس " الإرهابية والتي تجد الدعم المادي من إسرائيل ومن اليهود ، حيث أخذت منذ عام 1391 هـ / 1971 م تقتل المسلمين ، وتحرق دورهم ، ومساجدهم ومدارسهم ، وتهدد زعمائهم ليقبلوا تنصير السكان .
حركة النضال :
وبالمقابل اشتد وعي المسلمين ، وشعورهم بالانتماء إلى الأمة الإسلامية الكبيرة ، ونتيجة تعرضهم للقهر ، والاعتداء والتنصير أنشأوا عدداً من الجمعيات الإسلامية ، مثل " جمعية المسلمين الفلبينية " في مانيلا في عام 1315 م ، وجمعية " هداية الإسلام " ، و" مؤتمر الإسلام " ، و " النهضة الإسلامية " ، وغيرها وغيرها ، وأخيراً اضطر المسلمون إلى إعلان ثورتهم الإسلامية الحديثة في منطقتهم المعروفة" مورو " في جنوب الفلبين ، وكان ذلك في عام 1392 هـ / 1972 م على أثر إعلان حكومة " ماركوس " الأحكام العرفية في البلاد ، وإصدارها الأوامر إلى الجيش بشن الحملات العسكرية على المناطق الإسلامية ، وجمع أسلحة المسلمين ، فتدفق الجيش الذي بلغ تعداده حوالي ربع مليون جندي إلى الجنوب " مناطق المسلمين " ، وارتكب النصارى أفظع الجرائم من قتل جماعي ، وإحراق للأحياء ، وانتهاك الأعراض والحرمات ، ولكن المسلمين صمدوا في وجه تلك الفظائع تحت قيادة جبهتهم " جبهة تحرير بنجاسا مورو الوطنية " برئاسة نور ميسوارى ، التي كانت تعمل عل إقامة دولة إسلامية مستقلة عن باقي الجزر الفلبينية ، وكانت نواتها الأولى قد تكونت عام 1962 م باسم "لجنة تحرير مورو " وضمت مجموعة من الطلاب الذين كانوا يدرسون في الجامعات والمعاهد الإسلامية في الشرق الأوسط .
وتوالت المعارك بين الجانبين ، وتفاهمت ، وازداد تعرض المسلمين للقتل والإبادة إلى الحد الذي جعل القضية تعرض على مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية الأول في عام 1392هـ / 1972 م في جدة ، وقد كشف الملك فيصل للمؤتمر ما يتعرض له المسلمون في الفلبين من إرهاب وقمع وتقتيل ، الأمر الذي جعل المؤتمر يرسل لجنة رباعية لتقصي الحقائق
وبعد مفاوضات واتصالات وافق " ماركوس " رئيس جمهورية الفلبين على لسان وزير دفاعه الذي حضر مؤتمر طرابلس الحكم الذاتي في ثلاثة عشر ولاية ، وقد جرى التصديق على هذا الاتفاقية من قبل اللجنة الرباعية التي شكلها المؤتمر الإسلامي .
وقد تطور صراع المجاهدين مع الحكومة ، ودخل طوراً جديداً خطيراً ، وذلك عندما بدأت عناصر حكومية متعصبة تتعاون مع بعض الخبراء الصهيونيين والقوى الاستعمارية من أجل القضاء على الحركة الإسلامية في الفلبين ، فقام بعض الزعماء الصهيونيين بزيارات متعددة للفلبين لمساعدة الحكومة في حربها ضد المسلمين ، بل أن وزيرة خارجية دولة الكيان الصهيوني آنذاك " غولدا مائير "قامت بزيارة الفلبين وتعهدت في تلك الزيارة بتقديم المعونات المادية للإسلام والمسلمين تتدخل في قضية مسلمي الفلبين ، والذين مازالوا يقدمون الشهداء والضحايا من أجل تحقيق مطالبهم العادلة .
وقد أدت تلك العمليات الإرهابية المستمرة للقضاء على المسلمين إلى انتشار الفقر والجهل والمرض بين المسلمين ، وإلى تأخرهم ، مما جعلهم فريسة لحملات التنصير والشيويعية ، ورغم ذلك فلا زال الجهاد الإسلامي مستمراً ، فالمجاهدون يسيطرون على جميع المناطق الإسلامية ، ما عدا بعض المدن ، ولقد سارعت بعض الدول مثل المملكة العربي السعودية وغيرها ، والمؤسسات الإسلامية كرابطة العالم الإسلامي ، ومنظمة المؤتمر الإسلامي ، وكالأزهر الشريف إلى تقديم المساعدات التعليمية لمسلمي الفلبين ، فهناك الآن عدة مدارس ومعاهد إسلامية ، مثل مركز الملك فيصل للدراسات العربية والإسلامية الموجودة ضمن جامعة "مندناو " ، كما أن عدد المساجد في الفلبين يقدر بحوالي 2500 مسجد ، وهذا دليل آخر على وجود الإسلامي هناك .
قضية كشمير
الأرض والسكان :
تقع ولاية كشمير في الطرف الشمالي من شبه القارة الهندية ( في الطرف الغربي من جبال الهملايا ) , وتحيط بها الصين من الناحيتين الشرقية والشمالية , وباكستان من الغرب والشمال, والهند من الجنوب , فهي متاخمة لخمس دول هي : باكستان ,وأفغانستان , وروسيا , والصين, والهند وتمتد حدودها مع باكستان إلى أكثر من سبعمائة كيلومتر , بينما تصل حدودها مع الهند إلى ثلاثمائة كيلومتر فقط , وهي ذات مناخ بارد لدرجة أن الثلوج تغمر بعض أماكنها شهوراً طويلة من السنة , كما أنها بلاد كثيرة الأنهار,, وبلاد كشمير من أجمل البلاد العربية , وكثيراً ما توصف بأنها جنة الله في الأرض.
وقد كانت كشمير مقسمة في زمن الاحتلال البريطاني إلى ثلاثة أقسام هي جامو ,وكشمير ومنطقة الحدود , أما اليوم فهي قسمين فقط هما : كشمير الحرة , وهو القسم الذي أعلن استقلاله
وانضمامه إلى باكستان , أما القسم الثاني فهو كشمير المحتلة الذي استولت عليه الهند واستعمرته ، وهو القسم الأكبر.
ويبلغ عدد السكان في كشمير – بشقيها – حوالي 12 مليون نسمة منهم ما يقرب من 85 % من المسلمين ، والباقي من الهندوس ، والسيخ والبوذيين ، ويبلغ عدد سكان الجزء التي تحتله الهند حوالي عشرة ملايين نسمة ، والجزء الحر التابع لباكستان نصف مليون نسمة ، وهناك أكثر من مليون لاجئ ، وربع مليون مغترب.. والمسلمون في كشمير سنة أحناف ، وبينهم أقلية شيعية . وإلى جانب طبيعتها الخلابة ، وأنهارها الكثيرة ، ومراعيها الخصبة ، وثروتها الحيوانية الكبيرة ، تتمتع كشمير بموقع استراتيجي متميز ، لكونها أحد الأبواب التي تصل بين الهند والصين وما جاورها من أرض التبت .
كشمير والإسلام :
أهل كشمير مسلمون منذ سبعة قرون ، ففي عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك مد المسلمون نفوذهم ، ونشروا الإسلام في إقليم كشمير ، وأتم فتحها والي الخليفة العباسي المنصور ، ثم زاد الإســـــــلام انتشاراً في عـــهد الخليفة العـــــــبـــاسي المعتصم بالله (218 هـ -227 هـ) وفي القرن الثامن الهجري / أوائل القرن الرابع عشر الميلادي استطاع أحد الدعاة إقناع حاكم كشمير باعتناق الإسلام ، فكان أول حاكم مسلم لكشمير ، واستمر العهد الإسلامي في كشمير حتى القرن الثالث عشر الهجري / بداية القرن التاسع عشر الميلادي عندما بدأ نجم المسلمين في الهند في الأفول ، ففي عام 1819 م دخل المسلمون في حرب طاحنة مع طائفة السيخ استولى على أثرها السيخ على ولاية كشمير ، واستمرت سيطرة السيخ عليها حتى عام 1263 هـ / 1846 م ، وقد ارتكب السيخ أيام حكمهم للمسلمين في كشمير أنواعاً من الظلم ، والاستبداد والوحشية تتحدث عنها كتب التاريخ في كثير من التفصيل المحزن .
السياق التاريخي والسياسي لقضية كشمير :
في خلال سيطرة السيخ على كشمير احتلت بريطانيا الهند ومعها كشمير ، فطردوا الحكام السيخ من ولاية كشمير ثم باعوها بموجب اتفاقية عام 1262 هـ / 1847م ، بأرضها وشعبها إلى أحد الإقطاعيين الهندوس ، واسمه " غولاب سنغ " من عائلة اسمها " دوجرا " بمبلغ 7,5 مليون " تانك شاهي " " العملة الرائجة آنذاك "، وهو ما يعادل مليون دولار ، وكأن قيمة كل فرد من أفراد الشعب الكشميري لم تتجاوز سبع روبيات ، ومن هذا التاريخ بدأ حكم " دوجرا " الهندوسي لولاية كشمير المسلمة وبدأت مأساة كشمير تظهر على مسرح التاريخ نتيجة للسياسة الجائرة التي حكم بها الهندوس أهل كشمير ، سياسة ضرائبية ظالمة ، وحكم غاشم ، قاسى فيه المسلمون أقسى أنواع الظلم والاستبداد على أيدي الهندوس .
وتوالت المؤامرات ضد كشمير ، فبعد مرور قرن على بيع كشمير ، وفي عام1367 هـ / 1947 م أصدر البرلمان البريطاني قانون استقلال الهند ، والقاضي بإقامة دولتين مستقلتين هما : الهند ، وباكستان ، وكان القرار ينص على أن المناطق التي يشكل فيها المسلمون أغلبية
السكان تذهب لباكستان ، ومناطق الأغلبية الهندوسية تذهب للهند ، وعليه كان يتعين على كشمير أن تنضم إلى باكستان نظراً للروابط العرقية ، والدينية والمصالح المشتركة بين البلدين ولكن مهراجا " حاكم " كشمير الهندوسي كان يحيك مؤامرة لضم كشمير إلى الهند ، وذلك بالتنسيق مع الهند ، واللورد الحاكم العام للهند ، ونفذت المؤامرة بطريقة كانت معدة سلفاً ،
قصة الانضمام :
حاول المهراجا مقاومة الثوار بكل الوسائل ، ولكنه اضطر إلى الفرار إلى الهند أمام انتصارات الثورة ، حيث طلب المعونة من حكومة الهند ، ووقع معها اتفاقية تقضي بضم كشمير إلى الهند ، وذلك في أكتوبر 1947 م ، فسارعت الهند إلى إعلان الموافقة على الاتفاقية " بصورة مؤقتة " ، وأرسلت جيشها لاحتلال تلك الولاية المسلمة ، أما باكستان فقد رفضت هذه الوثيقة .
مارست القوات الهندية عند دخولها كشمير أبشع وأفظع الجرائم، ولكنهم كانوا يقاومون الجيش الهندي مقاومة باسلة ، ولكن القوات الهندية تمكنت في النهاية من تثبيت حكم المهراجا ، وفي غصون ذلك كانت المعارك قد امتدت إلى حدود باكستان مما اضطرها إلى دخول المعركة علماً بأن جيشهم لم يكن منظماً بعد ، ولكنها أرسلت قوة من رجال قبائل " الباتان " القوية إلى كشمير حيث شبت بينهم وبين الجيش الهندي حرباً طاحنة تمكنت الهند خلالها من السيطرة على الجزء الأكبر من كشمير ، وأعلنت ان ذلك الجزء أصبح جزءاً لا يتجزأ من بلادها ، ثم تقدمت بشكوى إلى مجلس الأمن تشكو فيها من تدخل رجال القبائل الباكستانية في كشمير ، وأرسل مجلس الأمن لجنة للنظر في الأمر ، وبعد اجتماعات مطولة أصدرت اللجنة قرارين في عام 1368 هـ / 1948 م وعام 1369 هـ / 1949 م ينصان على ثلاثة مواد :
1 – وقف القتال . 2 – تجريد الإمارة من السلاح . 3– إجراء استفتاء حر محايد تحت إشراف هيئة الأمم لتقرير مصير إمارة كشمير ، وأمر انضمامها إلى الهند أو باكستان.
وعلى هذا الأساس توقف القتال في/1949 م ، ولكن المشكلة لم تحل ، وذلك لأن الهند لا تريد التخلي عن كشمير ، ولا تريد إجراء استفتاء حر محايد فيها ، بل أن نهروا أعلن في 1376 هـ / 1956 م إلغاء اتفاقية الاستفتاء ، وأعلن بالنيابة عن أهل كشمير ، انضمام الولاية إلى الهند على أساس سياسة الأمر الواقع ، وهي السياسة التي يتبعها الصهيونيون في فلسطين.
السياسة الهندية في كشمير :
هي سياسة ترمي في مجملها إلى طمس هوية كشمير الإسلامية ، وذلك عن طريق عدة سبل ترمي كلها للقضاء على الإسلام وحضارته في كشمير ، فبدأت الحكومة الهندية باتخاذ إجراءات مشددة وقاسية لإنهاء جهاد الشعب الكشميري ، واستخدمت في ذلك كل أنواع الأسلحة الفتاكة ، ثم قامت بوضع خطة للقضاء على الإسلام والمسلمين هناك ، تمثلت في تبديل المنهج التعليمي بمنهج هندوسي يشتمل على المعتقدات الهندوسية ، ويتجاهل تماماً المعتقدات
والمبادئ الإسلامية ، وكذلك تشجيع بين المسلمين والهندوس لإيجاد جيل مسلم بالاسم ، هندوسي العقيدة والفكر ، وتجريد لغة كشمير من الألفاظ العربية لقطع صلة المسلمين بتراثهم الإسلامي , وترويج حركة تحديد النسل بين المسلمين لتكون الأغلبية السكانية للهندوس , وطمس تاريخ الولاية الإسلامي , وغيرها من الأساليب الرامية إلى إضعاف الإسلام في نفوس المسلمين , والتضييق على المسلمين بكل الوسائل , وقد نتج عن تلك السياسة أن اضطر بعض المسلمين لاتخاذ أسماء هندوسية ليتسنى لهم كسب قوتهم .
وقد تفشى الجهل الديني عندما عطلت المؤسسات التعليمية الإسلامية , وتم الاستيلاء على أحسن أراضي المسلمين , وفرضت عليهم القوانين الجائرة , والضرائب التعسفية , وأصبحت المعاملة الوحشية سمة الحكم الهندي في الولاية – كل ذلك بغرض إزالة الإسلام , والمسلمين عن الولاية. فهناك مثلاً ضريبة الأضحية على المسلمين , ومنع ذبح البقر في كشمير , ومنع المسلمين من حمل السلاح ولو بترخيص , وإصدار القوانين القائلة : بأن الهندوسي إذا ارتد عن دينه فقد كل حقوقه في الميراث , في حين إذا ارتد المسلم عن دينه تركت له كل أملاكه , إضافة إلى ذلك فإن الحكومة أبعدت المسلمين عن كل وظائف الدولة....
الموقف الدولي من القضية :
هناك تجاهل دولي واضح لمسألة كشمير , وللانتهاكات التي تمارسها الهند في تلك الولاية , وهناك تواطؤ دولي واضح يسند المؤامرة الهندوسية في كشمير , ويتجاهل حق أهلها في تقرير مصيرهم , ولا تعليل لهذا التجاهل وذاك التواطؤ إلا أن الكشميريين مسلمون , وإن السياسة الغربية والأمريكية في ظل النظام العالمي الجديد تكيل بمكيالين , خاصة إذا كان الأمر يتعلق بالمسلمين , وليس بمصالحها الذاتية , من ذلك أن معارضة الهند , وعدم تنفيذها , وتجاهلها لقرارات الأمم المتحدة الخاصة بكشمير , مع تزويدها بالقوة الكافية والرادعة من قبل الدول الغربية – تماماً كما هو الحال مع إسرائيل الآن .
اندلاع الحرب في عام 1965 م :
كانت نتيجة فشل كافة المساعي الدولية لحل مسألة كشمير إزدياد التوتر بين الهند وباكستان , وزاد من هذا التوتر الإعلانات الصادرة من وزير الداخلية الهندي وغيره من المسؤلين في يناير عام 1965 م بأن كشمير جزء لا يتجزأ من الهند ، وعلى أثر ذلك اندلعت الحرب واستمرت سبعة عشر يوماً ، توقف القتال بعدها بموجب قرار من مجلس الأمن في 22 سبتمبر عام 1965 م
وقد جرت محاولة أخرى لحل المسألة الكشميرية في اتفاقية " شملا " في عام1972 م الموقعة بين الرئيس الباكستاني ذو الفقار علي بوتو ، ورئيسة وزراء الهند أنديرا غاندي ، ولكن مصيرها كان الفشل ، حيث بقيت المسألة دون حل حتى الآن .
الجهاد الكشميري :
استمر المسلمون في كشمير يقاومون إجراءات القمع الهندية منذ عام 1947 م ، بعد أن تأكد لأهل كشمير أن الحل السلمي لن يجدي شيئاً ، وإن الاعتماد على الأمم المتحدة لن يعطيهم حريتهم ، ولذا تشكلت حركة تحرير كشمير المتمثلة في " مؤتمر الحرية " .
وكان الاهتمام الإسلامي والعالمي , بالجهاد المسلح في كشمير أولاً بسبب الوحشية والعنف التي التي تتعامل بهما القوات الهندية مع ذلك الجهاد , وكذلك لأن الكفاح المسلح في الداخل كان يوازيه كفاح سياسي وإعلامي في الخارج , ومن ثم لم يكن غريباً أن اهتمت منظمة المؤتمر الإسلامي بالقضية الكشميرية , وأصدر وزراء خارجيتها عدة قرارات حول وجوب حلها سلمياً ووفقاً للقرارات الدولية , ولكن مواقف الهند المتشددة كانت دائماً العقبة أمام مثل تلك الجهود , ذلك أن الهند كانت ترى أن أي حل لقضية كشمير تحت رعاية العالم الإسلامي سيكون لصالح باكستان, وأن أي جهد في هذا الاتجاه سيؤدي إلى تدويل القضية , وذلك مالا تريده الهند .
المسلمون في الدول الشيوعية
المسلمون في الاتحاد السوفيتي ( سابقاً ) :
تكون الاتحاد السوفيتي قبل انهياره من خمس عشر جمهورية ، فيها ست جمهوريات يشكل المسلمون أغلب سكانها ، وهي مناطق المسلمين في هذا الاتحاد ، وهي :
1 – تركستان الغربية :
2 – منطقة حوض الفولجا :
3 – سيبيريا :
4 – بلاد القفقاس – قفقاسية :
5 – شبه جزيرة القرم :
هذه هي مناطق المسلمين في الاتحاد السوفيتي المنهار , وهذا الوجود الإسلامي يوضح حقيقة هامة قد يجهلها كثير من الناس , وهي أن العنصر الإسلامي في بلاد الاتحاد السوفيتي ليس عنصر غريباً دخل البلاد فاتحاً ثم استقر فيها , بل المسلمون هم أهل البلاد وسادتها , وهم يمتلكون أهم الثروات في الاتحاد السوفيتي , وبدونهم يصبح في عداد الدول التي تعتبر من الدرجة الثالثة .
الروس وموقفهم من المسلمين :
كانت سياسة روسيا تجاه المسلمين منذ عهد القياصرة سياسة قائمة على محاربة الإسلام والمسلمين , تلك السياسة التي بدأها القيصر إيفان الرهيب واستمرت حتى بعد قيام الثورة الشيوعية عام 1336هـ / 1917م وهي تتلخص فيما يلي :
1 – سياسة التنصير الإجباري :
وخاصة في روسيا الأوروبية , فكان على المسلمين الارتداد إلى النصرانية , أو الطرد , أو التصفية الجسدية لمن سيبدي أقل مقاومة , إضافة على إغلاق مدارس القرآن , وهدم المساجد والاستيلاء على أوقاف المسلمين ,وكانت العقيدة الإسلامية جريمة يعاقب عليها بالإعدام .
2 – التهجير والإبادة :
بالتضييق على المسلمين بمختلف الوسائل , كطرد علماء الدين من المدن ,ومصادرة الأوقاف , وفرض الضرائب الباهضة على المسلمين , والتصفية الجسدية للقادة المسلمين , ثم بإحلال الروس في أراضي المسلمين .
روسيا الشيوعية وموقفها من الإسلام :
وحين قامت الثورة الشيوعية عام 1336هـ / 1917م لم ينتبه المسلمون إلى أهميتها , فوقفوا منها موقف المتفرج , وظن قلة منهم أن فيها خلاصاً لهم من الظلم القيصري
وقد حاول رجال الثورة كسب المسلمين إلى جانبهم بتذكيرهم بظلم القياصرة لهم ,وبوعدهم منحهم السيادة القومية , واحترام معتقداتهم , فوجهوا نداء للمسلمين في نوفمبر1917م , وقعه كل من لينين وستالين جاء فيه دعوتهم إلى الثورة , وفيه :
"يا مسلمي روسيا من تتار الفولجا , والقرم , وقرغيز سيبيريا , وتركستان ,وشاشان .. إلخ الذين هدم قياصرة روسيا المستبدين مساجدهم , وبيوت عبادتهم ,والذين أهينت معتقداتهم .. أعلموا أن معتقداتكم , وعاداتكم , ومعاهدكم القومية والثقافية ستكون بعد الآن حرة ومحترمة , نظموا حياتكم القومية بحرية تامة , وبلا معارضة من قبل أحد , فهذا حقكم ... ثوروا من أجل دينكم , وقرآنكم وحريتكم في العبادة .. إننا نحن نعلن احترامنا لدينكم ومساجدكم , وأن عاداتكم وتقاليدكم حرة لا يمكن المساس بها ...
وأعلموا أن جميع حقوقكم الدينية والمدنية مصونة بقوة الثورة .
ولكن حين استتب الأمر للشيوعيين حاولوا أول الأمر عن طريق الجاليات الروسية التي كانت تعيش في بلاد المسلمين نشر الشيوعية , وأخذوا يخدعون المسلمين ويحدثونهم عن مجتمع
الحرية والرفاهية , فاستجاب لهم بعض أبناء البلاد , ثم بدأت موسكو تتدخل في بلاد المسلمين , وحين رفضت الحكومات المسلمة ذلك عزمت حكومة موسكو على احتلال البلاد بالقوة , وفي إبريل عام 1918م أصدر لينين أمراً بالزحف على البلاد الإسلامية دون سابق إنذار , وتمكنت قواته من الاستيلاء على معظم البلاد وذلك لعدم تكافؤ القوى بينها وبين جيوش الحكومات الإسلامية الوليدة , فأزالوا عنها الصفة الدينية واستبدلوا بها جمهوريات اتحادية شعبية كل منها جزء من الاتحاد السوفيتي , وبدأ الشيوعيون يمارسون سياسة إلغاء كل ماله صلة بالإسلام .
لذا انصرف السوفيت إلى حرب الإسلام بطرق مختلفة ومتنوعة ، وأيضاً مرنة ولبقة ، ففي السنوات الأولى للثورة كانت سياسة الحزب الشيوعي تجاه المسلمين سياسة مذبذبة ومترددة ، وكانت تقوم على ثلاثة أسس هي :
1 – إلغاء الوقف الإسلامي
2 – إلغاء المحاكم الشرعية لأنها تعطي المسلمين سلطة على حياتهم اليومية ، وتقوي كيانهم
3 – إلغاء المدارس الإسلامية لأن التربية الإسلامية هي أساس حياة المسلمين .
وتابع الشيوعيون سياسة القياصرة المعادية للإسلام ، فطبقوا سياسة فرق تسد ، حيث عمدوا إلى تجزئة المناطق الإسلامية إلى وحدات قومية لغوية صغيرة متنافسة ، وقاموا بتفتيت المسلمين ، منعاً للوحدة الإسلامية ، كما أنهم اتبعوا سياسة تهجير المسلمين من مناطقهم حتى يصبحوا أقليات في عقر دارهم ، إضافة إلى أساليب الإبادة حيث أباد الشيوعيون خلال خمسين عاماً حوالي 20 مليون مسلم ، ويقال إن ستالين وحده قتل 11 مليوناً ، فمثلاً أصدر أوامره في عام 1362 هـ / 1944 م بسبي جميع الشاشان ونفيهم إلى سيبيريا ، وألغى جمهوريتهم ووزع أراضيها على جمهورية جورجيا ، كما نفى آلاف المسلمين من منطقة القرم ، والداغستان وغيرها .
وبعد موت ستالين أشرف الأمين العام السابق للحزب الشيوعي خروتشوف بنفسه على تنفيذ مخطط يرمي إلى تصفية المسلمين في التركستان ، عن طريق تهجيرهم ، ودمجهم في المجتمعات الشيوعية الإلحادية ، كما فرض الشيوعيون سياسة عزل المناطق الإسلامية بعضها عن بعض من ناحية ، وكلها عن العالم الإسلامي من ناحية أخرى ، فقد عاش المسلمون فترة طويلة تحت الستار الحديدي بعيدين عن كل ما يجري في العالم الإسلامي ، الأمر الذي مكن للحكومات الشيوعية من الانفراد بهم ، والعمل بكل الوسائل على إبعادهم عن الإسلام ، ومحوه من نفوسهم .ورغم كل ما قامت به الشيوعية من حرب ضد المسلمين ، إلا أنها لم تنجح في إن تذيب المسلمين في مجتمعها الجديد ، فلا تزال تركستان وأوزبكستان ، وبخاري ، وطشقند ، وسمرقند مناطق إسلامية ، وهم وإن جهل أبناءهم الكثير من مبادئ الإسلام إلا أنهم ما زالوا مسلمين في جوهرهم ، ولا زالوا متمسكين بهويتهم الإسلامية ، ولا زالت أعدادهم في تزايد.