تدور المقالة حول تجربة ذاتية للكاتبة أثناء مراقبتها لطالباتها في إحدى قاعات الامتحانات فلم تجد الكاتبة شيئاً تتأمله في قاعة لا ينطق فيها سوى الصمت وحفيف الأوراق غير بعض مكونات تلك القاعة وما خيم عليها من الإهمال من مقاعد تالفة ونوافذ لا تغلق وفتحات تكييف مخلوعة. وأول ما تنتقده الكاتبة هو مُرَادَفَةُ الصيانة للتنظيف، فالصيانة عندها هي: تتبع كل خلل ومعالجته قبل أن يتفاقم.
وبعد أن تخرج الطالبات إلا واحدة يكون التأمل قد وصل أقصاه وسيطر عليها فتتجه نحو نافذة تدلت شرائحها من جهة دون أُخرى لتقوم بإصلاحها لتنتهي مع انتهاء الطالبة من امتحانها لتتعجب الطالبة وإحدى زميلات الكاتبة من ذلك العمل الذي قامت به.
التحليل:
لا تخلو الحياة من أمور جالبة للسرور والبهجة إلى النفس، قد تستغرق من المتأمل فيها وقتا طويلاً كمظاهر الطبيعة بكل جوانبها من أشجار وأنهار وبحار، أمّا هذا المقال فوجدنا فيه تأمل من نوع آخر حتى وإن لم يجلب التفكر فيه بهجة وسعادة، إلا أن النفس خضعت قسرا لقانون التأمل عبر النظر في تلك النوافذ والمقاعد التالفة وفتحات التكييف المخلوعة التي تفتقد الصيانة بمفهومها الصحيح، و"الصيانة" كما نعلم مشتقّة لغوياً من: صان يصون صوناً وصيانة، أي حفظ الشيء مما يعيبه.
ولكننا وجدنا في هذا المقال ماهو نقيض ذلك؛ إذ أن الصيانة التي هي وقاية المكان من التلف وإصلاحه بصورة مستمرة أصبح عملها مقصورا على مجرد تنظيف هذا المكان بإزالة ما عليه من أوساخ عابرة فقط.
وتوقفاً على العبارة التي عنونت الكاتبة بها مقالتها نرى أنها استخدمت أسلوب التشويق ببراعة فالتأمل نابع من الإدراك والوعي وهو ليس مجرد مشاهدات تتبعها ملاحظات بل هو تفكر يحدث تغيرا في الأحوال وتبدلا في الأطوار الذهنية والوجدانية وقد أردفته بتوصيف فيه تخصيص "تأمل من نوع آخر" أي أن التأمل المقصود ليس التأمل المعتاد الذي تستدعيه هذه الكلمة في ذهن المتلقي لأول وهلة، وهكذا تكون وضعته في دائرة الاستفهام والتعجب: ما النوع الآخر للتأمل؟
وهي قد أعطت في مقدمتها انطباعا كئيبا أو متشاءما للقارئ تمهيدا لما ستسهب به من نقد تمخضت عنه تأملاتها والتي وجهتها نحو ما أسمته "الصيانة". الصيانة التي حملتها مسؤولية الهواء اللافح والشمس الحارقة مع النوافذ العاطبة والمقاعد غير الصالحة كل هذا الذي جلب لها كما أطلقت عليه تأملا لا يجلب السرور إلى النفس.
وقد تميز النص بتناغم دقيق حصل بين ثلاث حركات مختلفة: حركة الطالبة الوحيدة تنهي امتحانها، وحركة المراقبة (الراوية للموقف والكاتبة له) التي تصلح فتحة التكييف، وحركة زميلتها تقتحم عليها المكان لينشأ في ذهنها سؤال هو في جوهره تعجب نابع من مفارقة مصطنعه بين أفراد المجتمع تحظر على صاحبة القلم أن تستبدل قلمها بالمفك والغبار.
والعلاقة بين العنوان والمضمون علاقة منطقية لطيفة فالعنوان كان عنصر جذب لقراءة المقال، والمضمون كان مسلسلاً تسلسلاً منتظماً وواضحاً يدل على منطقية الكاتبة وتسلسل فكرها.
وفكرة المقالة سامية تهدف لزرع الإيجابية في النفوس وإن استهجنها المجتمع أحياناً، كما تشير إلى ضرورة معاملة المرافق معاملة حسنة.