من يقرأ هذه المقالة أول ما يشده إليها هو العنوان فلقد وفقت الكاتبة في اختيار عنوان يجذب الانتباه إليه لعدة أسباب:
1ـ لأن فيه شيء من الغموض، يستثير القارئ للسؤال: ما هي القصة؟ وما المقصود بالغصة؟
2ـ لأنهما نكرتين؛ فلم تقل "القصة والغصة" (معرفتين) وذلك حتى لا تقيدنا بقصة معينة أو سبب مؤلم بعينه.
3ـ لأن في هذا العنوان "قصة وغصة" جناس ناقص بسيط غير مكلف. فهذا العمل هو في الحقيقة مقارنة بين حال الأطفال وحال الكبار في هذه الدنيا أو مقارنة بين القصة والغصة، القصة البسيطة السعيدة التي تحكى للأطفال قبل النوم.. والغصة التي لا يعرف طعمها إلا الكبار. وكأن الكاتبة باستخدامها لفظة "غصة" تفصح عن التحول الكبير في المفاهيم من فترة الطفولة لفترة الرشد، من فترة كانت المفاهيم والأفكار فيها سطحية وبريئة، إلى فترة أصبحت المفاهيم فيها أكثر عمقاً وتعقيداً. استطاعت الكاتبة إيصال المعنى المراد من خلال (إبدال) مثير للشفقة إذ كانت (قصة) فغدت بعد زمن (غصة).
ويشعرنا عنوان المقال بأننا أمام حالة اجتماعية من نوع جديد، وقد نجحت الكاتبة خلال العنوان من لفت انتباه القارئ ودفعه إلى قراءة المقالة، فمن خلالها نجد أن الكاتبة من المهتمين بمعالجة الجانب الاجتماعي والذي يعبر عن قضايا المجتمع المختلفة، وتتضح لنا شخصية الكاتبة من خلال المقالة وكأنها محلل نفسي يعالج كثير من الحالات الإنسانية والاجتماعية المحيطة.
التحليل النقدي:
لقد بدأت الكاتبة المقالة بشبه جملة "في الطفولة" لنبحث عن متعلّقه ثمّ لا نلبث أن نجده بعدها وهو الفعل "تُحكى" وقد قدّمت شبه الجملة لتبتعد عن التقريرية في طرح المقالة، وليكون أكثر تشويقاُ للقراءة، وكأن القارئ يتأهّب للاستماع إلى حكاية طفولية جميلة.
وهي بذلك تقرّ أن مرحلة الطفولة متعلقة بحكاية القصص للأطفال؛ فلا يمكن تصور طفل دون حكاية يستمع إليها، فهي شيء طبيعي وضروري لا بد منه قبل خلوده للنوم. وهذا دليل على أن القصة من أكثر الأجناس الأدبية شيوعاً بين الأطفال وأشدها جاذبية لهم، وهي حقيقة علمية وُفّقت في توظيفها في بداية المقالة لتستحوذ على انتباه القرّاء وإعجابهم بما يقرؤون.
واستخدمت الكاتبة الجملة الفعلية "تحكى" للدلالة على استمرارية حكاية القصص للأطفال، ولو أمعنا النظر في الفعل "تُحكى" لوجدنا أنه مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعله، فبتغير الحركة تغيرت الدلالة ولم نعرف الفاعل مما يدلل على أنّ التركيز منصبّ على الحدث نفسه وهو الحكاية وما يدور فيها وليس على من يحكيها سواء الأم أو الأب أو الأخت، كما أنه يحمل معنًى آخر خفياً وهو أن هذه الحكايات مستمرّة ما استمرّت حياة الإنسان بصرف النظر عن اللغة أو الثقافة أو مستوى التحضّر أو الزمان والمكان.
ثم بعد ذلك علّلت لنا الكاتبة بلام التعليل سبب حكاية القصص للأطفال "لينعموا بنوم هانئ". واختيار الكاتبه لكلمة "هانئ" فيها دلالة على براءة هذه المرحلة (مرحلة الطفولة)وعفويتها وخلوها مما يكدر صفو معيشتها وجميع المشاعر السلبية من حقد وكره وانتقام، فليس هناك مايزعج الأطفال أو يثير قلقهم، لذلك فهم ينعمون بنوم هانئ. وقد جاءت هذه الصفة (هانئ) انعكاساً لأحداث حياتهم الصافية الهانئة. وأكدت لنا الكاتبة هذا المعنى مرة أخرى بقولها "بعد أن انتصر الخير على الشر" فهي مرحلة لا تحمل في ثناياها أي معنى من معاني الشر فالخير ينتصر عليه دائماً ويعلو عليه علواً معنوياً، ثم ذكرت لنا الكاتبة دلالات وعلامات لهذا الخير: كالزواج، والقبض على اللص، وتوفر الطعام، والعدالة، وكأنها بذلك تشير إلى أن النهايات دائماً تكون سعيدة في قصص الأطفال، وربما تعني الكاتبة بتلك النهايات السعيدة حياة الأطفال فهي حياة تتسم بالسعادة والهناء والخير فهذه النهايات تعكس لنا حياتهم البريئة العفوية؛ فبما أن حياتهم يملؤها الخير والسعادة فكذلك قصصهم. أو ربما تعني بتلك النهايات السعيدة أنها مرحلة فيها من البراءة والخير الشيء الكثير مما لا يمكنها من تحمل سماع أيّة دلالة تدل على الشر بمختلف أنواعه، وهي كذلك لا تدرك الشر بمختلف صوره وأشكاله.