وربما تتجلى لنا الصلة بين هذه الأصناف في أن كل منهم يريد الهروب إلى مكان يجد فيه الهدوء، أو الانفتاح، أو الابتعاد عن أعين الناس. فالكاتب يجد في المقهى مادة يستمد منها مداد قلمه، أو إلهاماً معيّناً، كما كاتبة هذه المقالة. كما أن الكاتب وقارئ الصحف يبحثان عن المكان المفتوح وبعض النقاهة. والصديقات والشخصان الذين يتبادلن أموراً خاصة يبحثون عن مكان طلق وبعيد، يتحدثون فيه كما يرغبون بعيداً عن أعين الرقباء.
وبِبراعةٍ في الصياغة، وروعةٍ في الصورة، انتقلت الكاتبة إلى ظاهرة أُخرى في موقع آخر هو "المصلّى"، ذلك اللفظ الذي يدلّنا على مكان التعبّد والسكينة، ولكن الدلالة هنا مختلفة تماما! فتصرفات الناس قد أدت إلى استخدام المكان لغير ما هو له. فشخصية المقالة بعد أن فرغت من أداء عبادتها نجدها تنقلنا بنظرها إلى مجموعة من الفتيات يبدلن سواد بسواد - وهي هنا تصوّر شريحة أخرى من شرائح المجتمع - ونلاحظ أن هذا التبديل شد انتباهها وشبهته بتبديل الممثلات لأدوارهن في التمثيل؛ فكأن الفتاة كانت في منظر ودور مغاير تماماً لهذا الدور الذي تقوم به هذه المرة. هنا طرحت الكاتبة قضية مهمة وهي استخدام المصلى مكاناً لاستبدال عباءاتهن بعباءات أُخرى، يخلعن ويرتدين، وهنا تورية لمعنى أرادته يُفهم من سياق الكلام.وقد يتساءل القارئ، لماذا حدّدت ما تصفه بالسَّواد؟ ونُجيب: ربما تكون إشارة إلى العباءة السوداء التي يتّسم بها المجتمع الخليجي والسعودي تحديداً، وربما ترمز إلى الفئة الدينية المتناقضة، فهي دينية في ظاهرها ومتقلّبة في باطنها، شكلها لا يعبّر بأي حال من الأحوال عن داخلها، وتعيش حالة من الانفصام بينهما، وتظهر بأكثر من شكل بحسب المكان الذي تذهب إليه، أي بحسب العادة لا العبادة. ويجدر بنا هنا أن نوضّح المقصود بهذه الفئة، فهي ليست ترمز إلى الجماعة المتديّنة، بل إلى الجماعة التي تظهر بمظهر التديّن ثم تبدّله بشكل آخر "كالممثلات" اللاتي يظهرن للناس بأكثر من دور. وهي صورة واضحة من صور التناقض المجتمعي سببه عادات اجتماعية تُمارس باعتقاد أنها من الإسلام وهي ليست منه في شيء.
ونلاحظ أنّها سمّت ما يرتدينه "أشياء" إمعاناً في احتقار هذه التصرفات التي قد تسيء إلى ديننا أحياناً باعتبارها تمثّله وهي في الحقيقة لا تمثّله إنما تعبّر عن المشكلات الاجتماعية التي تسيء فهم الدين.
ثم انتقال سريع من خلال الفعل "دلفت" والدالف في اللغة الماشي بالحمل الثقيل، وكأنها قد أثقلت بالهموم والضيق ممّا رأته وسمعته. دلفت ولكن إلى أين؟..إلى المقهى "العائلي"، ولفظة "العائلي" تحيلنا مباشرةً إلى مقاهي المملكة العربية السعودية، لأنّها الدولة الوحيدة تقريباً التي تفصل أماكن جلوس الرجال أو "الأفراد" عن أماكن "العائلات". فهنا مقارنة بين المقاهي في مصر (المقهى السابق) ومقاهي المملكة، ومن الممكن أن تكون المقالة ككل تتحدث عن المفارقة الكبيرة بين السعوديين أنفسهم – والإناث بشكل خاص – حال السفر والعودة. فهي أولاً وصفت تنوّع أصناف الناس في المقهى المصري، ثم تحدثت عن اللاتي يبدلن عباءاتهن في المصلى وعلّقت بقولها "اختيار بدلاً من إجبار" وقد تقصد أن الاختيار هو ما يرتدينه في السفر أما الإجبار فهو التزامهن بالعباءة السعودية داخل بلدهن، وهي عبارة قائمة على الإيجاز الذي يختصر التضاد بين المعنيين بتركيب قليل اللفظ عميق المعنى رائع الأسلوب.
وأخيراً وصفت المقهى العائلي بعد أن انتقلت شخصيتنا في المقالة إليه لتصف ما تجد به من مفارقات واختلافات عن المقهى الأول.
فهي أولاً اختارت لها "ركنا قصياً" كنايةً عن العزلة والابتعاد قدر الإمكان، وهي سمة واضحة جداً لمن يرتاد المقهى وتحديداً لدى النساء في المملكة العربية السعودية، فيُفضَّل دائماً للمرأة أن تعتزل قدر الإمكان حينما تجلس في مكان عام لأسباب غالباً اجتماعية درج عليها الناس.
وفي ذلك تشير الكاتبة إلى تبدل أحوال المجتمع ومجاراته لروح العصر، فبعد أن كانت المقاهي في السابق حكراً على الرجال فقط، أصبحت اليوم لا تقتصر على جنس دون آخر، فالنساء اليوم أصبحن من أكثر فئات المجتمع إقبالاً على