المقاهي، وكأنهن وجدنَ بها ملاذاً للقاءات والنقاشات والأحاديث الجانبية وتناقل الحكايا والقصص، ونلاحظ أنها في هذه المرة عقدت مقارنتها على فئة نسوية فقط، فالصورة الجديدة لتلك النساء - في المقاهي- صورة أشبه ما تماثل صورة "المَعَلِّمة" المِصرية في حارات مصر الشعبية، فأوجه الشبه بين هاتين الصورتين، تتجلى في طريقة الجلسة، الحوارات، أساليب النقاش وإثارته فيما بينهن، بالإضافة إلى الصوت، الضحك بحيث يكون أشبه بالقهقهة، وربما طريقة الشرب والتناول، وما إلى ذلك...
ثم أشارت الكاتبة إلى أسلوب من أساليب التجديد، الذي أخذت تصطبغ به المقاهي ولكن من منظورٍ آخر مخالف لما سبق، فهذا الأسلوب يكمن في عنصر الصوت، وطريقة توظيفه... نعم إنها الأصوات الموسيقية تصدح في معظم المقاهي، ولكن سيتسائل البعض ما الجديد في ذلك؟ إنها الموسيقى الغربية، حيث رمزت لها الكاتبة بإحدى المعزوفات الأجنبية العالمية الشهيرة، لتختصر مراحل من التغيّر الذي ران على المجتمع، والانفتاح على العالم الذي جوبه بالكثير من المعارضات ثم تقبلَه المجتمع بإرادة أو بامتعاض. وحديثها هنا يبطن معانٍ كثيرة، أهمها الإشارة إلى انقسام المجتمع إلى فئة تعارض كل ما هو جديد فقط لأنها لم تعتد عليه، ثم لا تلبث أن تتقبله بعد أن شنّت عليه حمماً من الغضب والمعارضة. والفئة الأخرى التي نستنتجها هي التي تتقبل الجديد لأنها تريد الانفتاح الذي يقود إلى التعلم من الآخرين ومن ثم النهوض بالمجتمع، وهي الفئة المتّزنة. وبالطبع لا يخلو المجتمع من الفئة الثالثة المعاكسة تماماً للأولى ، وهي الفئة التي تندّد بالحرية والانفتاح من أجل الانفتاح لا لمبدأ تؤمن به سوى أنها تريد مجتمعاً يشبه المجتمعات الغربية، دون إدراك منها للعواقب الوخيمة التي ستعود من جراء ذلك.
ثم أعقبت مثالها بمثال آخر لأغنية عربية لمغنّية شهيرة تُسمع في الكثير من المقاهي لا سيما المصرية، حيث وظّفت المقطع المذكور من الأغنية العاطفية بطريقة ذكية ليكون مضمون رسالتها التي علّقت بها عليها حين قالت "كم نداري ونخبي ليس حبا فقط بل كرها وانحرافا وذلا وكذبا".
المداراة، الكذب، الذل.. هذه هي سِمات المجتمع الذي يكذب حتى على نفسه، ويتناقض إلى حد الانحراف، ويفسّر الأشياء بطريقة غير منطقية في كثير من الأحيان فقط ليثبت أنه على حقّ. هذه هي خبايا النفوس المستترة، وهذه حقيقتها. وهو وصف سوداوي لمجتمع يخبئ الشرور، لكن كما نعلم أنْ ليس في الحياة شخصيات شريرة كلّية أو خيّرة بالكامل كما في الأفلام الخيالية، بل الكل يحمل في جعبته الخير والشر، ولكن ربما طغى جانب على آخر، والكاتبة هنا أبرزت جوانب السلب في المجتمع لأنها تشخص وضعاً اجتماعياً غير سويّ وتصف حالة سلبية هي التناقض والنفاق وإبطان الشر في النفوس. وهو الأسلوب الذي ينسحب على معظم مقالات الكاتبة النقدية، ولكنه هنا أقل مباشرةً ولم يصرّح بالمغزى، وهو أكثر عمقاً في المعنى والمضمون.
"لا تغير معالمه أكواب الكابتشينو والتشيز كيك" حتى وإن تغيّر الشّكل، الناس هي هي بخباياها النفسية ورؤاها وفكرها لم تتغير.
ثم تأتي في المقطع التالي بحوار يومي متكرر بين نادل وزبونة للمقهى، لتثبت المفارقة الكبيرة التي سرعان ما تقبّلها الناس رغم أنها غير إيجابية وغير مرغوبة من الانفتاح والعولمة، فالذي حدث في مجتمعنا هو أنه حينما سمح لمقاهيه أن تُفتح سمح أيضاً لعاداته وأساليبه ونمط الأكل والشرب ومصطلحاتهما أيضاً بالوفود، فهناك من كان يعارض الفن لاعتبارات دينية وهو الآن لا يراعيه بل ولا يراعي لغته للاعتبار ذاته، ويتقبل بكل سهولة أن يبدل لغته وأسلوب مأكله ومشربه بالأساليب والاصطلاحات الوافدة. وتوظيف الألفاظ الأجنبية في المقالة قد عبّر غاية التعبير باختصار وواقعية شديدين عن مدى المفارقة في الأسلوب واللغة والحياة بعامة لدى المجتمع بعد أن استبدل "المقهى" بـ"الكوفي شوب".