وهو موضوع ذو شجون يثير في أذهاننا تساؤلات لا تنتهي، فلو كان الكاتب في المقهى المصريّ الأوّل حاضراً في المقهى ذي المسمّى الحديث "الكوفي شوب" وسط هذا المجتمع المختلف، ممّ يا ترى سيستمدّ إلهامه؟ ومن أين يجد مادته؟ هل سيجدها في عادات مستوردة، وأساليب ممعنة في التكلف، وحوارات سطحية بالكاد توصل المعلومة بالمعنى الذي تريد؟! وهل للكتابات الحالية الهابطة المستوى علاقة بهذا الهبوط الملحوظ في أذواق الناس وأخلاقياتهم وانفصالهم عن مبادئهم؟ وترى لو كان نجيب محفوظ يكتب في محيط "تركش كوفي بليز.. نو شوقر" هل كان سيقدّم لنا مثلما قدّم؟
فالكاتبة تعقد مقارنة تبرز خلالها الكثير من المفارقات بين المقهى الأول حيث النادل البلدي ذي الروح المصرية صاحبة الدعابة والنظرات الفضولية التي غالباً ما تواجه بالقبول لظرافة أسلوبها، وهو أسلوب متوارث تميزت به المقاهي المصرية مذ عرفت. ثم المقهى في بلدنا المستورد كلّية بدءاً بمسمّاه ومسمّيات مأكولاته ومشروباته وانتهاءً بالعاملين فيه ولغة التخاطب معهم، حيث فقدَ المكان روحه الأصيلة وأبسط تفاصيل انتماءه للوطن.. وللشعب.
وهناك مفارقة أخرى أجادت الكاتبة في توريتها رغم وضوحها لمن يمعن قليلاً في تأمّل ما استتر من المقالة، فالجالسة في المقهى المصري أغلقت كتابها حيث انجذب نظرها إلى قراءة الحياة والمجتمع من حولها، بينما الجالسة في المقهى الآخر هي أولاً لم تكن تقرأ، وهذه إشارة إلى أننا لا نجد في مقاهي بلدنا من يكترث بالقراءة، بل إن الناس يكادون يفعلون الشيء ذاته، إما أن يكون الحديث أو شرب القهوة أو أشياء أخرى. وثانياً هي لم تجد ما تشاهده، لأن المجتمع منغلق على نفسه كأنه يخشى من نظرات الآخرين الفضولية.
"جافاها النوم لإفراطها في الكافيين" هنا نجد حقيقةً علمية وهي أنّ الإفراط في شرب "الكافيين" يؤدي إلى مجافاة النوم والحثّ على تناوله من جديد، كما يؤدي إلى كثيرٍ من الأخطار المحتملة وأولها مشاكل خفقان القلب، وهنا استثارة لمشكلة صحية يعاني منها الكثيرون من الناس ولكنهم أدمنوها للأسف بسبب الهموم والمشاكل النفسية.
فمادة الكافيين مادة شبه قلوية منشطة تجعل الإنسان يقظاً ومتنبهاً لا يغفى إلا ساعات قليلة (7)، وهذا بالضبطِ ما حصللشخصية المقالة فقد جافاها النوم، ولكي تعوض نشاطها بدل النوم "نهضت متوجهة إلى دلة الصباح" وهذه العادة يقوم بها أغلب الأشخاص حتى يستطيعون التركيز في أعمالهم لا سيما في فترة الصباح، ومن ثم ارتشفت لها فنجالاً من تلك الدلة، وهي لم تقل شربته أو حتى احتسته بل "ارتشفته"، وارتشفت "بشعور معتّق المرارة". والرَّشْف في اللغة: استِقْصاء الشُّرب حتَّى لا يَدَع في الإِناء شيئاً. والمُعَتَّقَةُ: الخمر التي عَتِّقَتْ زماناً حتى عَتُقَتْ. فكأن هذا الألم لم يكن لعهد قريب، بل كان ألما متأصلا يقبع بذاتها، حتى تعودت على ارتشافه كل صباح بكل تروٍّ حتى تستطعمه بعمق أكثر، وبوجع أكبر.
والارتشاف حركة تتميز ببطئها، غالبا تكون مشوّبة بالحذر والتأمل والاستغراق في الفكر، فهذه العبارة تحمل معنى عميقاً لم تصرح به الكاتبة، فكأنها انتقلت من مرارة إلى اخرى. لذا حرصت الكاتبة على ختم المقالة بهذا المعنى، لتؤكد على نفس الشعور في بداية المقالة حينما رمزت إليه بكلمة (متراخية). وكلمة (مُر) توحي لنا بالمرارة التي اكتنفت نفس الكاتبة، وهذا مانسميه "صدق التجربة" حيث نقصد بالتجربة: الصورة الكاملة النفسية التي يصورها الكاتب حين يفكر في أمر من الأمور تفكيراً ينم عن عميق شعوره وإحساسه، وفيها يرجع الكاتب إلى اقتناع ذاتي وإخلاص فني، لا إلى مجرد مهاراته في صياغة القول (8).
وقد وفقّت الكاتبة في ختم المقال بجملةٍ واحدة موجزة، تفسح لنا مجال الإبحار بها، اختصرت كل المرارة التي ارتشفناها معها من خلال هذا الفنجال الكبير الذي اتسع رؤانا وتأمّلاتنا وافتراضاتنا.
التعليق العام :