|
رد: مجلس استذكار مقررات المستوى الخامس
المحاضرة الثامنة
من أعلام الشعر العباسي بشار بن برد
بشار بن برد“.
• بشار بن برد( مولده ونشأته):
بشار بن برد: ولد بشار بن برد بن يرجوخ في البصرة سنة95هـ وقيل سنة96هـ ، وفيها نشأ.
فارسي الأب ، رومي الأم ، أخذ يتلون في انتسابه ، مرة ينتسب إلى قيس غيلان ، ومرة ينتسب إلى بني عامر.
كان أبوه طياناً يعيش من ضرب اللبن ، وله أخوان: بشر وبشير كانا قصابين، وكان أحدهما أعرج والآخر أبتر.
ولد بشار أعمى، فلم ينظر إلى الدنيا قط، وعبَّر عن عماه مبكراً قائلاً:
عمِيتُ جَنِينا والذكاءُ من العَمَى فجئتُ عجيبَ الظن للعِلم مَعْقِلا 
يعد بشار أشهر الشعراء المخضرمين للدولتين الأموية والعباسية ، ورأس الشعراء المحدثين وأحد البلغاء المكفوفين وإمام الشعراء المولدين.
لقد حددت آفة بشار حياته منذ نعومة أظفاره ، فاتجه إلى المساجد وإلى مربد البصرة ينهل من حلقات العلم والشعر ، وأعانته نشأته في بني عُقيل على أن يتمثل السليقة العربية .
ولم يكد يبلغ العاشرة حتى أخذ ينبوع الشعر يسيل على لسانه.
وكان الهجاء حينئذ يضطرم في موطنه اضطراماً لا بين جرير والفرزدق فقط ، بل بين جميع الشعراء ، فكان من الطبيعي أن الهجاء أول الموضوعات التي نظم فيها بشار شعره.
كما اشتد بـ ”بشار“ طموحه إلى إتقان اللغة العربية ، فاتجه نحو البادية ، فقام فيها فترة مكنت له من عربية لسانه وفقهه الدقيق في اللغة وشؤون البادية ، وعاد إلى البصرة يُكثر من الاختلاف إلى حلقات المتكلمين ومجالسهم .
وجعل بشار يتابع بنهم كتب الأدب القديمة ، حتى اشتهر بشعره ، وعد من مشاهير شعراء عصره ، وكان في مقدمة الذين نبغوا في أوائل العصر العباسي الأول ، وهو مقدم عليهم بإجماع الرواة ورئيسهم بلا خلاف .
ذكر“ الجاحظ ”: ” المطبعون من الشعراء : بشار،والسيد الحميري ، وأبو العتاهية، وابن عيينة، ولكن بشار أطبعهم“.
ويقال أيضاً: ”إن أكثر الناس شعراً في الجاهلية والإسلام ثلاثة: بشار وأبو العتاهية والسيد الحميري“.
العوامل المؤثرة في حياته وشاعريته:
1- أصله الفارسي:
فقد كان فارسي الأصل ، فورث عن الفرس حدة المزاج ، والتعصب لأصله.
2- عماه:
فكان يحس بالمرارة من عماه والحقد على المبصرين.
3- فقره وأسرته:
لقد ضاعف في نفسه وزاد من حقده فقر أسرته وتخلفها في المجتمع.
4- تربيته في بني عقيل وذهابه إلى البادية ؛ مما جعله يتقن العربية ويتمثل سليقتها بكل مقوماتها.
5- تردده على حلقات المتكلمين بالمساجد يستمع إلى محاورات لأصحاب الملل والنحل والأهواء المختلفة.
6- اطلاعه على ما نقله ابن المقفع إلى العربية من الآداب الفارسية وغير الفارسية ، ومن الآراء المختلفة ، وكان ذلك كله سبباً في أن يحدث تشويشاً في فكره وأن تمتلئ نفسه بالشك والحيرة ، فتحول شعوبياً يبغض العرب والعروبة.
7- بيئته:
كانت بيئة بشار تكتظ بالجواري والقيان ، فاختلط بهن وتغزل فيهن، وساعده على ذلك فقد بصره ؛ حيث مال إلى التجسيد والتشخيص.
هذه العوامل وغيرها أثرت في طبيعة بشار وفي شعره؛ فجاءت طبيعته شديدة التعقيد ، وجاء شعره لاذع الهجاء، حسي الغزل.
شاعريته :
لـ ”بشار“ شاعرية خصبة أصيلة أتيح لها أن تتجاوب مع روح العصر وتعبر عن خوالج النفس ، فالغزل والهجاء والمدح والوصف والرثاء والحكمة كلها فنون كان فيها بشار قوي الحس ، مرهف الشعور ، سريع الانفعال.
ولـ“ بشار“ قدرة فائقة على التوفيق بين اللفظ والمعنى وبين الصورة والموضوع ، فهو شاعر مطبوع ولم يكن متكلفاً .
وهذا الشاعر الأعمى وهبه الله طبعاً قاسياً وذكاءً حاداً، فقد قال في شعره : ” لي اثنا عشر ألف بيت عين ” .
أغراضه الشعرية
( الغزل والنسيب).
باب الغزل عند بشار من الأبواب الشعرية التي احتلت جانباً مهماً في ديوانه ؛ فهو يصف مجالس حبه ، ويتحدث عن حبيباته إلى غير ذلك.
يقول عنه الجاحظ:“ إنه هو والأعشى وهما أعميان قد اهتديا من حقائق هذا الأمر ما لا يبلغه البصير ولـ ”بشار“ خاصة في هذا الباب ما ليس لأحد“.
وقال الأصفهاني: ” عهدي بالبصرة وليس فيها غزل ولا غزلة إلا ويروى من شعر بشار ”.
ويتضح في غزل بشار أنه يتمثل لكل ما نظم في هذا الفن قديماً من التشبيب والنسيب وبكاء الديار ، ومن الغزل المادي عند عمر بن أبي ربيعة وأقرانه ، ومن الغزل العذري عند جميل وأمثاله . وقد مضى في كل ذلك يستلهم الرقي العقلي الحديث والحضارة العباسية.
ومن شعره في محبوبته ” عبده ”:
أَبِيتُ أَرمَدَ مَا لمْ أَكْتحِلْ بِكُمُ وَفِي اكْتِحالٍ بِكُمْ شافٍ مْن الرَّمَدِ
وَكُلُّ حِبٍّ سَيَسْتشْفِي بِحِبَّتِهِ سَاقتْ إلى الغيِّ أَوْ سَاقتْ إِلى الرَّشدِ
وكثيراً ما كان يردد في أشعاره أن السمع يحل محل العين في تقدير الجمال، قائلاً:
يا قوْمِ أذْنِي لِبعْضِ الحيِّ عاشِقةٌ
والأُذن تَعْشَقُ قبْل العَيْن أحْيانَا
قالوا بِمَن لا تَرى تَهْذِي فقُلْتُ لَهُمْ
الأُذنُ كالعَيْن تُؤْتِي القَلْبَ ما كَانَا يالجمالها
فقد أثبت بشار براعته في صياغة الشعر الغزلي الرفيع وأجاد فيه.
المديح:
يعد المديح أهم غرض وصلَّ بشاراً بالتراث، فقد حافظ فيه على نهج القدماء ، سواء من حيث جزالة الألفاظ ورصانتها ومتانتها، أو من حيث المنهج الذي سار عليه القدماء حيث كانوا يبداؤن قصائد المديح بالغزل والنسيب ثم الوصف ثم المدح ثم الحكمة، وكل ذلك احتذاه بشار في كثير من مدائحه ، بل احتذى نفس المعاني والأخيلة.
وأخذ يخلع على ممدوحيه من الخلفاء والولاة نفس الشيم الرفيعة التي طالما خلعها الجاهليون والإسلاميون من الكرم والمروءة والشجاعة ، ... والصفات الدينية التي خلعها الإسلاميون
على ممدوحيهم من الخلفاء والوزراء. يمدح أحد الوزراء، قائلاً:
إِذَا جِئتَهُ للْحَمْدِ أشْرَقَ وَجْهُهُ إِلَيْكَ وأعْطَاكَ الكرَامةَ بالحَمد
ويلاحظ أنه يُدخل في خيوط قصيدته خيوطاً جديدة ويمكن تبين ذلك في استلهامه كلام ابن المقفع في الأدب الكبير،من ذلك قوله:
إذا كنت في كل الأمور معاتباً
صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى
ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
الرثاء:
عرفنا أن بشاراً كان منغمساً في اللهو ، ولم تكن نفسه مفطورة على الأسى والحزن ، لذا لم نجد له مراثي كثيرة ، ومع ذلك رثي ابنه محمداً في قصيدة تصور لنا عاطفة الأب المفجوع، قائلاً:
أُصيبَ بُنَيَّ حينَ أورقَ غصنُهُ وألقى عليَّ الـهمَّ كلُّ قريبِ
الهجاء والفخر:
توجد عدة عوامل جعلت بشاراً يسرف في الهجاء والفخر، منها:
1- كان يريد أن يشتهر كما اشتهر جرير والفرزدق في هذين الفنين.
2- فقد بصره ولَّد عنده مرارة وحقداً
3- كان مولى والموالي كان يُنظر إليهم نظرة احتقار، فولَّد ذلك عنده كره للمجتمع.
4- فقره وبؤسه وبؤس عائلته، جعله ناقماً على من حوله.
أما فخره فكان يفتخر بأنه قيسي حيث كان والي العراق يزيد بن عمر بن هبيرة كان يتعصب لأصوله من قيس ، وكان بشار يعيش في كنفه ، هذا في العصر الأموي.
أما في العصر العباسي لما كثر العنصر الفارسي وحقق انتصارات عديدة تحول بشار شعوبياً متعصباً لأصله الفارسي، يقول:
إِذَا ما غَضِبْنَا غَضْبَةً مُضَرِيّةً هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أوْ تُمطِر الدِّمَا
إِذَا ما أَعَرْنا سَيِّداً من قَبِيلَةٍ ذُرَى مِنْبَرٍ صَلَّى علَينا وسَلَّما
مما سبق يتبين أن بشاراً تمسك بالتراث وواءم بينه وبين عصره
|