|
رد: مجلس استذكار مقررات المستوى الخامس
المحاضرة التاسعة
من أعلام الشعر العباسي أبو نواس
• :مولده ونشأته ووفاته وأصله
أبو نواس:هو الحسن بن هانئ، ويعد أهم شاعر يصور الفساد الخلقي من جميع نواحيه.
ولد في الأهواز - من بلاد خوزستان – سنة145هـ على التقريب.
نشأ بالبصرة، ورحل إلى بغداد واتصل فيها بخلفاء بني العباس، وخرج إلى دمشق، ومنها إلى مصر، وعاد إلى بغداد فأقام بها إلى أن توفي سنة198ه.
أصله: فارسي الأم والأب ، وكني بكنية يمنية هي: أبو نواس، وكان يسعى إلى إلحاق نسبه بالعرب.
حياته:
نشأ أبو نواس يتيماً، حيث قدمت به أمه إلى البصرة بعد سنتين من مولده، وترعرع في بيئة سادها التهافت على اللهو، فلم تعبأ أمه بحاله، فأسلمته إلى عطار بالبصرة ، فمكث عنده ؛ ليتعلم العربية والشعر، إلى أن صادفه عند العطار ”والبة بن الحباب“ الشاعر الماجن ، وأعجب كل منهما بالآخر ، وأخرجه والبة معه إلى الكوفة- وربما كان من دوافع خروجه إلى الكوفة مع والبة بن الحباب ، سيرة أمه في البصرة التي كانت تلاحقه وتؤذيه- وبقي معه ومع ندمائه ، وخرج عليهم بالشعر ، وفاقهم جميعاً.
وقدم بغداد فبلغ خبره الرشيد فأذن له بمدحه فمدحه بقصائد طنانة، ثم انقطع على مدح محمد الأمين الخليفة العباسي، وثبت عنده بعض ما يوجب تعزيزه فسجنه، ولم يلبث بعد خروجه من السجن أن توفي عام198ه، ودفن بمقبرة الصالحين بالجانب الغربي من بغداد.
ثقافته:
يقول الدكتور/أحمد زكي عنه:“ أبو نواس شاعر ، ولكنه لم يعدم الاتصال بأصحاب الحديث وعلماء الأخبار واللغة، واتصل بالأعراب ورحل إلى البادية ، وقرأ ما خلفه الفرس، وأحاط بما شاع من آثار اليونان، فكان نمطاً بصرياً ، يجمع بين رقة الفنان ودقة العالم“.
أخذ يفد إلى المربد، كما أخذ ينهل من دروس اللغويين ومحاضراتهم ، خاصة خلف الحمر.
وقرأ كتب الحديث على بضعة من أئمة البصرة . وقرأ شعر ذي الرُّمة على الراوية محمد بن حبيب الناشئ، وتخرج في الشعر ومعانيه على يد خلف الأحمر.
وتفرغ أبو نواس للنوادر والمُلح والميل إلى الهزل والعبث.
ولما تقدمت به السن وعلته الشيخوخة ، أخذ ينيب إلى ربه، وينظم أبياتاً مختلفة في الزهد والتنسك.
العوامل المؤثرة في طبعه وشاعريته:
1- أصله الفارسي، الذي ورَّث فيه حدة المزاج العصبي.
2- ثقافته وثقافة عصره: تثقف أبو نواس بكل الثقافات التي عاصرها من عربية وإسلامية ، ومن هندية وفارسية ويونانية ، ومن مجوسية ويهودية ونصرانية، كما غرف من حضارة عصره المادية في آثامها وخطاياها.
3- سيرة أمه المنحرفة: حيث جعلته يتخذ من المجون والفسق أداة،بل ملجأ للهروب من أزمته ومن هموم الحياة وأحزانها، وأحياناً يعلن تمرداً وإلحاداً في الدين، ولكنه إلحاد عابر،لا إلحاد عقيدة .
4- ميله إلى الهزل والعبث، ولعل ذلك هو الذي جرَّه إلى صياح كثير في وجه الدين الحنيف، وكان إذا تلوَّمه بعض معاصريه قال:“ والله ما أدين غير الإسلام ولكن ربما نزا بي المجون حتى أتناول العظائم“.
5- كان يحظى بملكات شعرية بديعة، وهي ملكات صقلها بالدرس الطويل للشعر القديم واللغة العربية الأصيلة، حتى قال الجاحظـ :“ ما رأيت أحداً أعلم باللغة من أبي نواس، وأضاف إلى هذا العلم علماً جديداً بقوالب الشعر الجاهلي والإسلامي وما صارت إليه عند بشار وأقرانه من أوائل العباسيين ”.
ومن خلال هذه القوالب جميعها أخذت شخصيته تنمو في اتجاهين:
أ- اتجاه يحافظ فيه على التقاليد الموضوعة دون أن يشتط في التجديد.
ب- اتجاه يجدد فيه تجديداً واسعاً ، يجدد في معانيه وألفاظه .
ويمكن أن نسلك في الاتجاه الأول مدائحه وأراجيزه ومراثيه، وبينما نسلك في الاتجاه الثاني أهاجيه وغزلياته وخمرياته وكل ما يتصل بعبثه ولهوه.
شاعريته:
يمثل أبو نواس عصره المضطرب أصدق تمثيل ، كما اشتهر بتنقيح الشعر، وهو من الشعراء المطبوعين ، استطاع أن يفرض شخصيته على شعره وأوجد فنوناً جديدة كالغزل المذكر ، وأوسع بعض الأغراض القديمة فجعل منها فنوناً مستقلة كالخمريات.
ويشهد المؤرخون أن شعره عذب يسير على الألسن ويعلق بالذاكرة ؛فيقول الدكتور /زكي المحاسني:“ لقد جدد أبو نواس في الشعر العربي فجاد بفنون ما عرفها العرب في شعرهم من قبل ، فإذا ذكر المجون في شعر العرب عُد أباه وأمه ولا تثريب على أبي نواس أن تكون لغته في المجون والخمر رهوة خالية من الغريب نقية صافية .
أغراضه الشعرية:
نظم أبو نواس شعره في جميع الأغراض الشعرية ، ونقف عند جانب من هذه الأغراض:
المدح:
كان كثيراً في مدائحه ما يحتفظ بالمقدمات القديمة، وله في ذلك:
يا دارُ! ما فعَلَتْ بكِ الأيّامُ، ضامتكِ، والأيّامُ ليسَ تُضامُ
ويلاحظ أنه لم يكن يطيل في وصف رحلته بالصحراء ، وإن كان يطيل التعمق أكثر في المبالغة حين يمدح الخلفاء، كقوله في الرشيد:
وَأخَفْتَ أهْلَ الشّرْكِ، حتى إنّهُ لَتخافُكَ النُّطَفُ التي لم تُخلَقِ
وجانب آخر في بعض مدائحه يمتاز به عن بشار ،حيث كان يعمد كثيراً إلى الألفاظ العذبة الرشيقة التي تموج بالنعومة والخفة فيؤلف منه مدائحه ، كقوله في الأمين:
مَلِكٌ ، إذا عَلِقَتْ يداكَ بحَبْلِهِ لا يَعترِيكَ البُؤسُ والإعْدامُ
أراجيزه:
وأبو نواس في أراجيزه ووصفه للصيد وأدواته وجوارحه أكثر تمسكاً بالقوالب القديمة، يقول:
كأنّ نسراً ما توكّلْنا بهِ يعفو على ما جَرَّ من ثِيابهِ
توكلنا به:اعتمدنا عليه.
يعفو:يمحو.
الرثاء:
كان أبو نواس يتخير لمراثيه أسلوباً جزلاً مصقولاً، وقد يكثر فيه من الغريب، خاصة إذا كان من يبكيه من اللغويين مثل خلف الأحمر، وفي مراثيه يمتاز بحرارة اللهجة وصدق العاطفة ، ومن مراثيه في الأمين، قوله:
طوَى الموتُ ما بيْني وبينَ محمّدٍ، وليسَ لَما تطْوي المنيّةُ ناشِرُ
لئن عمَرَتْ دُورٌ بمنْ لا أودّهُ، فقد عَمَرَتْ ممّنْ أُحِبُّ المقابرُ
الغزل:
لأبي نواس أشعار غزلية رقيقة في الغزل، فهام بـ“جنان“ وبغيرها من النساء، وتغزل فيهن، وجاء شعره في الغزل سهل الأسلوب، صريح العبارة ، متأثراً بعمر بن أبي ربيعة في غزلياته:
يقول في جنان محبوبته:
وقائلةٍ لي: كيْفَ كنتَ تُريدُ؟ فقلتُ لـها: أن لا يكونَ حسودُ
لقد عاجلتْ قلبي جِنانُ بهجرِها، وقد كان يكفيني بذاكَ وَعِيدُ
رَأيتُ دنوّ الدّارِ ليسَ بنافعٍ، إذا كانَ ما بينَ القلوبِ بعيدُ
خمريات أبي نواس:
إن أبا نواس مصور ماهر، يصف ما تراه العين بألفاظ يغمرها البيان ،ومعان تبلغ السمو والروعة، راحت تشغله أقداح الراح ومجاهرته بالدعوة إلى الخمر والثورة على الأخلاق والتقاليد، وكم يعجبك صدق صورته وصدق تشبيهه فهو يشبه لطف الخمر في كأسها، فيقول:
كأنّ يدَ النديمِ تديرُ منها شعاعاً لا تحيطُ عليه كاسُ
ويدعو إلى وصف الخمر وما يتعلق بها بدلاً من وصف الأطلال، قائلاً:
لا تَبْكِ ليلى، ولا تطْرَبْ إلى هندِ، واشْرَبْ على الوَرْدِ مِنْ حَمْراءَ كالوَرْدِ
كأساً إذا انْحَدَرَتْ في حلْقِ شاربها، أجْدَتْهُ حُمْرَتَها في العينِ والخدّ
واسمعه كيف يبدع في وصف الخمرة وصفائها، قائلاً:
معتَقةٌ ، حمراءُ، وَقْدَتُها جَمرُ، ونَكْهتُها مسْكٌ، وطَلْعتُها تِبرُ
ويقول:
ألا فاسقِني خمراً، وقل لي: هيَ الخمرُ،
ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهرُ
وهكذا يمضي الشاعر في خمرياته بصور فنية رائعة تحفل بالمادة القديمة والحديثة.
الزهد:
تشير دلائل كثيرة إلى أن أبا نواس لم يكن زنديقاً ولا كافراً ،بل كان ماجناً عامر القلب بالإيمان؛فحين بلغ السن بأبي نواس مبلغه وخطه الشيب أخذ يفيق أحياناً من سكر،مفكراً في الحياة وعواقبها وفي البعث والنشور والموت والفناء، وكان من حين لآخر ينيب إلى ربه، مما جعله يردد أنغاماً مختلفة في الزهد والدعوة إلى الانصراف عن الشهوات والاستعداد للآخرة،بالتقى والعمل الصالح، كقوله:
يا طالب الدنيا ليجمعها جمعت بك الآمال فاقتصد
واعمل لدار أنت جاعلها دار المقامة آخر الأبد
|