2014- 11- 14
|
#4
|
|
مشرفة سابقة
|
رد: استذكار جماعي لمقرر اللسانيات (مقرر مقالية )
المحاضرة الثانية
نشأة اللغة
وهي من أكثر الموضوعات اللغوية إثارة للخلاف بين العلماء والدارسين قديما وحديثا،؟؟ وقد كان لعلماء العربية صولات وجولات
حاولوا من خلالها الوصول إلى تفسير مقنع لنشأة اللغة، لكن كل ما جاءوا به هم ومن أتى بعدهم من المحدثين لا يعدو أن يكون
فرضيات حاولت التفسير، بيد أن أي أنها منها في نهاية المطاف لم يصل إلى درجة اليقين والحقيقة المطلقة، والسبب ؟؟أن مسالة نشأة اللغة
أمر ضارب في أعماق التاريخ، يعود إلى بدايات الخليقة التي شهدت نشوء المجتمعات البشرية. ونتعرض هنا لأبرز النظريات التي فسرتها :
النظرية الأولى : الوحي والإلهام .. أو ما يسمى بالتوقيف كما يقول ابن فارس. ويتلخص ما جاءت به في أن الله سبحانه وتعالى لما
خلق الأشياء أَلْهم آدم عليه السلام أن يضع لها أسماء فوصعها، وقد استند أصحاب نظرية الإلهام إلى أدلة نقلية منها قوله تعالى:
( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة). فقال ابن عباس: أي علمه الأسماء كلها، وهي الأسماء التي يتعارفها الناس، من
دابة وأرض وسهل وجبل وحمار وأشباهها من الأمم وغيرها.
- فاللغة في نظر هؤلاء العلماء بمفهومها المعقد ليست من صنع الإنسان، وإنما هي من صنع الله سبحانه، وقد أوقف الإنسان الأول
عليها، أي ألهمه إياها.
- وقد دافع ابن فارس عن هذه النظرية بالقول بعدم تجدد اللغة، وأن للغة قياسا لا تشذ عنه، فليس لأحد أن يحدث فيها ما ليس
منها أو على نظامها.
- وقد شارك غير العرب في اتباع نظرية الإلهام من فلاسفة اليونان وأحبار اليهود، ومن قبيل التعصب الديني أو العرقي حاول كل
فريق اعتبار اللغة الأولى التي ألهمها الله عز وجل لآدم عليه السلام لغة قومه أو معتقده الديني، فابن فارس جعل اللغة الأولى هي
العربية، بينما رأى أحبار اليهود أنها العبرية، وهلم جرا.
- وقد رد بعض العلماء على أصحاب هذه النظرية بكون الآية ليست دليلا على صواب مذهبهم؛ لأنه من المحتمل أن يكون
المقصود من (علم) هو (أقدره على ذلك) والدليل إذا دخله الاحتمال سقط به الاستدلال.
النظرية الثانية : المواضعة والاصطلاح .. ومن المتشجعين لهذه النظرية العالم العربي ابن جني الذي يقول:( إن أصل اللغة لا بد فيه من
المواضعة، وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا، فيحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء، فيضعوا لكل منها سمة، ولفظا يدل عليه،
ويغني عن إحضاره أما البصر).
- يرى أصحاب هذه النظرية أن الإنسان هو مصدر اللغة ومبدعها؟؟؟، لأن الحاجة هي التي دعته لأن يسمي الأشياء ويتواضع على
ذلك مع إخوانه. واستدلوا بأدلة منها:
1- أن العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة عرفية، لا تخضع لمنطق أوعقل.
2- أن معظم اللغات فيها مفردات من نوع (المشترك اللفظي) وهو أن تدل الكلمة الواحدة على أكثر من معنى، وكذلك
(الترادف) الذي يعني أن تجتمع أكثر من كلمة على معنى واحد.
- ومن الانتقادات التي وجِهت لهذه النظرية ؟؟أن ما تقرره يتعارض مع النواميس العامة التي تسير عليها النظم الاجتماعية، فهي نظم
لا ترتجل ارتجالا، ولا تخلق خلقا، بل تتكون بالتدريج من تلقاء نفسها، كما أن التواضع على التسمية يتوقف في كثير من مظاهره
على لغة صوتية يتفاهم بها المتواضعون، فكيف نشأت هذه اللغة الصوتية إذن؟ وهكذا يكون ما يجعله أصحاب هذه النظرية منشأ
للغة يتوقف هو نفسه على وجودها من قبل.
النظرية الثالثة : التقليد والمحاكاة ..
وخلاصتها أن الإنسان سمى الأشياء بأسماء مقتبسة من أصواتا، بمعنى أن تكون أصوات الكلمة
تقليدا مباشرا لأصوات الطبيعة الصادرة عن الحيوانات والجمادات أو الإنسان نفسه، وقد تحمس لهذا الرأي ابن جني نفسه فقال:
( وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعة، كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء...الخ ثم
ولدت اللغات من ذلك فيما بعد). والطريقة أن الإنسان سمع هذه الأصوات، ثم رددها بلسانه، وصنع منها ألفاظا تشبه في جرسها
الأصوات الطبيعية وتدل عليها. ثم خطا في هذا الاتجاه خطوة أخرى، فحمل الألفاظ المحسوسة معاني مجردة فكانت اللغة.
- دافع عن هذه النظرية العالم الألماني (هردر). ومما قد يؤيدها ما نجده في بعض الأحيان من اشتراك في بعض الأصوات في الكلمات
وفي (whisper) التي تحاكي الطبيعة في عدة لغات؛ فإن الكلمة التي تدل على الهمس في العربية هي كلمة(همس) وفي الإنجليزية
وفي العبرية (صفصف) وفي الحبشية (فاصى) وفي التركية (سوسمك). فالعامل المشترك بين هذه اللغات جميعها (flustern) الألمانية
في تلك الكلمات هو صوت الصفير: السين أو الصاد، وهو الصوت المميز لعملية الهمس في الطبيعة.
- لكن اشتراك اللغات في الكلمات المحاكية للطبيعة على هذا النحو أمر نادر، فعلى الرغم من أن الديك في بلاد العرب وبلاد الألمان
يصيح بطريقة واحدة، إلا أننا نحاكيه بقولنا: كوكوكو، ويحاكونه بقولهم: كيكيركى.
-ومما يؤخذ على هذه النظرية أنها تحصر أساس نشأة اللغة في الملاحظة المبنية على الإحساس بما يحدث في البيئة، وتتجاهل الحاجة
الطبيعية الماسة إلى التخاطب والتفاهم والتعبير عما يجول في النفس، تلك الحاجة التي هي من أهم الدوافع إلى نشأة اللغة الإنسانية.
- كما أن النظرية لم تبين لنا كيف نشأت الكلمات الكثيرة في اللغات المختلفة؟ ولا نرى فيها محاكات لأصوات المسميات، لا
سيما في أصوات المعاني، كالحب والكره والكرم...الخ.
النظرية الرابعة : الأصوات الإنفعالية .. وتسمى أيضا بنظرية التنفيس عن النفس، وتشير إلى أن مرحلة الألفاظ قد سبقتها مرحلة
الأصوات الساذجة التلقائية التي صدرت عن الإنسان للتعبير عن ألمه وسروره، أو رضاه أو نفوره، فهذه الأصوات الساذجة تطورت
عبر الزمن حتى صارت ألفاظا.
- إذن هذه الأصوات التي هي في الأصل ردة فعل تعبيرا عن ألم أو غضب أو حاجة إلى مساعدة، أخذت تتحول تدريجيا إلى رموز
معبرة متعارف عليها لدى مجموعة بشرية تحتك ببعضها. ومن أشهر رواد هذه النظرية دارون لأنها تتناسب مع نظريته في تطور
الإنسان.
- وتمتاز هذه النظرية عن سابقتها بأنها تعزو نشأة اللغة إلى أمر ذاتي أي أنها تعتد بالشعور الوجداني للإنسان، وبالحاجة إلى التعبير
عما يجيش في صدر الإنسان من انفعالات وأحاسيس، فهذه النظرية تشرح لنا منشأ بعض الكلمات التي تعجز عنها النظرية السابقة.
- ومع هذا فإنها نظرية غامضة وقاصرة، ويأتي غموضها من كونها لا تشرح لنا السر في أن تلك الأصوات الساذجة الانفعالية
تحولت إلى أصوات وألفاظ مقطعية. أما نقصها فلأنها لا تبين منشأ الكلمات الكثيرة التي لا يمكن ردها إلى الأصوات انفعالية.
النظرية الخامسة : الاجتماعية .. يرى أصحابها أن النطق الإنساني بدأ في صورة جماعية، وذلك بصدوره عن مجموعة من الناس في
أثناء قيامهم بعمل ما تعاونوا على أدائه، فالإنسان يشعر بالراحة أثناء قيامه بعمل شاق إذا تنفّس أو تنهد بقوة وعنف، وكرر هذا
عدة مرات، فهو يخرِج من رئتيه قدرا من الهواء ويستريح لهذه العملية العضلية. وخروج الهواء بقوة يجعله يحتك بأعضاء النطق
فيصدر صوتا.
وهذه النظرية تربط بين نشأة اللغة وتكون المجتمع الإنساني، وخير مثال عليها، الأصوات التي يصدرها الرجال الذين يعملون في
البحر كقولهم: هيلا هبا.
وهذه النظرية فيها قدر كبير من الخيال.
الأخطاء المنهجية التي وقعت بها هذه النظريات:
1- أن هذه النظريات على تعددها لم تحاول أن تفسر لنا إلا ناحية واحدة من نواحي اللغة، وهي عملية إطلاق الألفاظ على
المسميات، في حين أن اللغة ليست مجرد ألفاظ، فمعرفتك بمعاني الألفاظ للغة ما، لا يعني أنك قادر على صوغ جملة واحدة صحيحة
في مقاييس هذه اللغة.
2- شغلت هذه النظريات بمصدر اللغة أكثر من عملية النشأة، فكان محور هذه النظريات هو الإجابة على السؤال الذي يقول: هل
مصدر اللغة هو الله سبحانه؟ أم الإنسان؟ أم الطبيعة؟
3- اعتمد الباحثون في استدلالام على التخيل والحدس والتخمين والافتراض النظري، فلم يتعرضوا لدراسة هذا الموضوع بشكل
علمي.
أخيرا : قررت الجمعية اللغوية بباريس عام 1878 منع تقديم أبحاث في موضوع نشأة اللغة؛ لأن البحث فيه لا يفضي إلى نتائج
مفيدة، فاضطر العلماء إلى طي المسألة برمتها، وانصرفوا إلى البحث في مسائل اللغة الأخرى المفيدة.
برأيي لم اقتنع إلا بالأولى
في حين أن المقرر برمته لم أحبذ دراسته ~ وأعلم أنه مع نفسي 
|
|
التعديل الأخير تم بواسطة إيثاار ; 2014- 11- 14 الساعة 09:19 PM
|
|
|
|