المحاضرة الثامنة
فروع اللسانيات
اللسانيات المقارنة :
موضوع اللسانيات المقارنة هو دراسة الظواهر اللغوية المشتركة (الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية) بين للغات التي بينها علاقة
قرابة (التي تنتمي إلى أصل لغوي واحد) تهدف الوصول إلى إعادة بناء هيكل هذا الأصل المشترك. يقسم اللغويون منذ القرن التاسع
عشر اللغات المختلفة إلى مجموعات وأسرات، منها أسرة اللغات السامية التي تضم اللغة العربية والعبرية والحبشية والآرامية
والأكادية. وأسرة اللغات الحامية، وأسرة اللغات الهندية الأوروبية، وتضم بذلك عددا كبيرا من اللغات التي عرفتها وتعرفها الهند
وإيران وأوروبا. وداخل هذه الأسر الكبيرة للغات جعل العلماء أقساما، فاللغات الهندية الأوروبية لها فروع منها : الجرماني
والسلافي والإيراني والهندي، ثمّ بينوا اللغات التي تنتمي إلى كل فرع. وقد تطورت البحوث المقارنة التي درست اللغات العربية
والعبرية والفينيقية والأكادية، فوجد لعلماء بين هذه اللغات وجوه شبه قوية، جعلتهم يدعون أنها تنتمي إلى أصل مشترك واحد هو
اللغة السامية. ولا تنحصر العلاقة بين اللغات في القرابة، كتلك التي ظهرت بين اللغات السامية، أو الهندية الأوروبية، إنما تتعداها
إلى الصلات الثقافية، التي تنشأ نتيجة اتصالات واقعية بين مجموعات بشرية، حيث نجد بين العربية والفارسية صلة ثقافية مشتركة،
تبدو فيما اقترضته كل لغة من الأخرى، من ألفاظ تتصل بثقافتيهما أي العرب والفرس. وليس بين العربية والفارسية قرابة لغوية،
ذلك أن العربية لغة سامية، والفرسية لغة هند وأوروبية.
وتوجد كذلك العلاقات البنيوية والشكلية، فقد تكون بين لغات ليس بينها علاقات قرابة أو علاقات ثقافية، من ذلك ما لاحظه
اللغويون من وجوه شبه قوية بين الإجليزية والصينية، لإيثارهما طريقة مشتركة في بناء الكلمات، ولاحظوا أيضا وجوه شبه قوية بين
العربية والسنسكريتية، لإيثارهما منهجا مشتركا في تصريف الكلمات.
اللسانيات التقابلية :
يقصد باللسانيات التقابلية إجراء دراسة يقارن فيها الباحث بين لغتين أو لهجتين أو أكثر، مبينا عناصر التشابه أو الاختلاف بينهما.
ويهدف التقابل اللغوي إلى التنبؤ بالصعوبات التي يمكن أن يواجهها الدارسون عند تعلمهم لغة أجنبية.
فدارس اللغة العربية من غير الناطقين بها يتوقع أن يجد صعوبة في نطق بعض أصوات الحلق، والأصوات المفخمة؛ لذا يحاول التقابل
اللغوي أن يركز في تدريسه للغة الأجنبية على ما اختلفت فيه اللغتان، في جميع المستويات اللغوية، الصوتية والصرفية والنحوية
والدلالية والثقافية، وأن يتجاوز ما تتشابه فيه اللغتان.
ويبنى التقابل اللغوي على افتراضين اثنين :
أولا : التداخل اللغوي .. ويقصد به أنّ تداخلا لغويا يحدث بين لغته الأم واللغة المنشودة أثناء عملية التعلم، ويؤثّر هذا التداخل سلبا
على عملية التعلم.
ثانيا : نقل الخبرة .. وهو أن ينقل متعلم اللغة الأجنبية خبرته في تعلّم لغته الأم إلى تعلّم اللغة المنشودة أو الهدف، ويرى الباحثون أن
ذلك يؤثّر سلبا في تعلّم اللغة.
نقد اللسانيات التقابلية :
تعرضت اللسانيات التقابلية لغير قليل من النقد والتعديل على النحو التالي:
_ يقرر بعض اللغويين أن الأخطاء التي يتوقعها اللغوي، ربما لا ترجع كلها إلى تداخل اللغة الأم.
_ من الصعوبة بمكان حصر كل المشكلات لكل أشكال العلاقة بين لغتين، ذلك أن الباحث لا يستطيع أن يقابل بين اللغتين في
جوانبهما جميعا (الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية)
_ الدراسة التقابيلة مبنية على افتراض أن ما تلتقي عنده اللغتان لا يمثّل صعوبة عند الدارس، وهذا الافتراض قد يصدق مرة، ولكنه
قد لا يصدق في كثير من المرات.
اللسانيات التطبيقية :
يتفق علماء اللغة المحدثون على تقسيم اللسانيات الحديثة إلى قسمين هما: اللسانيات النظرية، واللسانيات التطبيقية.
تهتم اللسانيات النظرية بدراسة الظاهرة اللغوية بجوانبها المختلفة: الشكلية والوظيفية والتنبؤ، تهدف تطوير مناهج علمية، تتوصل إلى
عموميات تنتظم اللغويات جميعا.
أما اللسانيات التطبيقية، فهي قطاع جديد من قطاعات اللسانيات الحديثة ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحت له مقرراته
المتميزة ومؤسساته المعنية التي تتجاوز الجهود القديمة الجزئية المبعثرة، لتجعل من هذا القطاع الجديد مجالا واسعا للبحث والتدريب
والتعلّم والتطبيق، ويحاول الإفادة من معطيات علم اللسانيات النظرية، وتوظيف أسسه المعرفية في مجالات تطبيقية متعددة، أهمها
تعليم اللغات القومية لأبنائها، تعليم اللغات الحية لغير الناطقين بها.
ومن ثمّ فإن اللسانيات النظرية تقدم ثمرة جهدها في الوصف اللغوي، ليقوم عالم اللغة باختيار المنحى التطبيقي الملائم لكل بنية من
البنى الموصوفة، وبذا ينطلق من مادة الوصف ومجال التطبيق، ليحيل النظري إلى عملي، وفق منهج علمي دقيق، مضبوط بضوابط
الاستفادة من المعارف التي توصلت إليها اللسانيات (النظرية) عن طبيعة » : العلم ومحدداته.
يعرف (كوردر) اللسانيات التطبيقية بأنها
.« اللغة، استفادة تهدف إلى تحسين كفاءة الأداء في بعض المهام العلمية، التي تمثل ركنا أساسيا فيها
وهو ما شرحناه سابقا مما تقدمه اللسانيات النظرية من مساهمة في حل المشكلات اللغوية،
وسنوضح أهم مجالاته فيما يلي من الحديث.
تشير أكثر المصادر إلى أن ولادة اللسانيات التطبيقية كانت في عام 1946 ، حين صار موضوعا مستقلا في معهد تعليم اللغة
الإنجليزية في جامعة (متشيغان)، وكان ذلك المعهد مختصا في تعليم اللغة الإنجليزية، تحت إشراف العالمين (تشازلر فريز وروبرت
لادو)، وقد تأسس الاتحاد الدولي لعلم اللغة التطبيقي عام 1964 . غرض هذا العلم هو المساعدة في حل مشكلة لغوية معينة، مثل:
تعدد اللهجات في المجتمع الواحد، وهي مشكلة يمكن التعامل معها بالتخطيط اللغوي. ومشكلة التواصل مع أفراد ثقافات أخرى
وهو ما يمكن التغلب عليه بتعليم اللغات الأجنبية.
مصادر اللسانيات التطبيقية تستمدها من أربع جهات :
اللسانيات النظرية، علم اللغة النفسي، علم اللغة الاجتماعي، علوم التربية.
فاللسانيات النظرية تقدم وصفا علميا للغة، وفق منهج استقرائي واستنباطي، يسهم في الإجابة على مجموعة من الأسئلة من مثل:
1- ماذا ندرس عن اللغة الأجنبية؟
2- ما الأنماط المناسبة في حالة الترجمة؟
3- ما المفردات التي يجب أن يتضمنها المعجم؟
أما علم اللغة النفسي فيهتم بدراسة الظاهرة اللغوية بوصفها ظاهرة سلوكية وإدراكية، ويهتم بتقديم درس للسلوك اللغوي عند الفرد
متمثلا في منطلقين أساسيين هما: الاكتساب والأداء.
واللسانيات الاجتماعية تتناول الظاهرة اللغوية بوصفها ظاهرة اجتماعية عامة تهدف إلى تحقيق التواصل بين أفراد المجتمع اللغوي
الواحد.
وتتكفل علوم التربية بالإجابة عن الأسئلة مثل: كيف نُعلّم؟ كيف نختار الطريقة المناسبة في التعليم؟
ومن تطبيقات اللسانيات التطبيقية :
1- تصميم المقررات العامة : يتطلب تصميم المقررات أولا تحديد الهدف من البرنامج الذي يراد تصميمه، فالأهداف تختلف من فئة
إلى أخرى، كالمرحلة الابتدائية أو المتوسطة أو الثانوية. وهو ما يؤدي إلى تحديد المحتوى المنشود الخاص ببنية اللغة، وتحديد المهارات
اللغوية المنشودة ، ومن ثم تحديد الطريقة المناسبة. ولذلك تتناول البحوث في اللسانيات التطبيقية كل هذه الاتجاهات، من حيث
تعرف الأهداف وتحديد المحتوى اللغوي، وهذا كله يتم على أساس بحوث ميدانية، من أجل تلبية الحاجات الفعلية، لا لمجدرد تلبية
حاجات المؤلفين وتصوراتهم المنفصلة عن حاجات المجتمع.
2- التخطيط اللغوي : و يطلق عليه: السياسة اللغوية، وهو توجه الدولة المعاصرة إلى جعل التواصل بين البشر ميسورا، وجعل
الوسائل الإعلامية والتعليمية المختلفة يتكامل عملها في إطار خطة لغوية واحدة. وهو عمل منهجي يهدف إلى إحداث تغيير في
النظام اللغوي، أو الاستعمال اللغوي، كموضوع الفصحى والعامية أو إحداث نظام لغوي عالمي أو قومي، أو وطني مشترك، وهو
يتجه في الأساس إلى حل مشكلة لغوية قائمة، فيستقصي البدائل الممكنة لحلها، ثم يختار أحد هذه البدائل اختيارا مقصودا عن وعي
وبينة.
3- تعليم اللغة لأغراض خاصة : وهي كتدريس اللغة لأصحاب المهن الذين يحتاجون اللغة للتواصل مع الآخرين، وذلك مثل: تدريس
اللغة للدبلوماسيين، أو المسؤولين عن السياحة.
4- الاختبارات اللغوية : وهي الاختبارات الخاصة بالمهارات اللغوية، فيصمم الاختبار ليقيس مهارة الكلام والاستماع القراءة
والكتابة.
5- الترجمة : تحاول اللسانيات التطبيقية تذليل بعض الصعوبات التي تواجه عملية الترجمة كتعدد معاني اللفظة الواحدة بتعدد
السياقات.
6- أمراض الكلام : ومثاله ما نجده عند بعض الأطفال الذين يصابون بعدد من العيوب النطقية، فتحاول اللسانيات التطبيقية المساهمة
في علاج مثل هذه العيوب.