المحاضرة التاسعة
مستويات تحليل البنية اللغوية
المستوى الصوتي (النظام الصوتي) :
اللغة الإنسانية هي عبارة عن أصوات تكون نظاما خاصا هو النظام الصوتي، ويتناول علم الأصوات الحديث والمعاصر دراسة هذا
النظام من خلال فرعين أساسيين هما:
أولا : الفوناتيك .. وهو علم يدرس أصوات اللغة وهي منعزلة بعيدة عن البنية اللغوية، إذ يحدد علماء الأصوات طبيعة الصوت
اللغوي، ومصدره، وكيف يحدث، ومواضع نطق الأصوات المختلفة، والصفات النطقية والسمعية المصاحبة لها، ويتفرع هذا العلم
إلى فروع ثابتة معروفة من أهمها:
1- علم الأصوات النطقي: وهو العلم الذي يدرس حركات أعضاء النطق من أجل إنتاج الأصوات اللغوية، أو هو الذي يعالج عملية
إنتاج الأصوات الكلامية، وطريقة هذا الإنتاج، وتصنيف الأصوات اللغوية وفق معايير ثابتة. وهذا الفرع من أقدم فروع علم
الأصوات.
2- علم الأصوات الأكوستيكي : وهو العلم الذي يهتم بدراسة الخصائص المادية أو الفيزيائية لأصوات الكلام أثناء انتقالها في الهواء من
المتكلم إلى السامع، وهو علم أحدث من علم الأصوات النطقي. وقد كان لتقدم العلوم الطبيعية بفروعها المختلفة فضل في رفد
علماء اللغة والأصوات بكثير من خواص الأصوات الطبيعية. وقد تطور الأمر إلى أن أسس علماء اللغة فرعا سموه علم الأصوات
الفيزيائي، وظيفته دراسة التركيب الطبيعي للأصوات اللغوية، من حيث الذبذبات والموجات الصوتية، وأنواعها، وسرعة انتشارها
في الهواء، والترددات الصوتية وغير ذلك. ومعنى ذلك أن ميدان هذا العلم هو دراسة تلك المرحلة الواقعة بين فم المتكلم وأذن
السامع، أي مرحلة انتقال الصوت في الهواء.
3- علم الأصوات السمعي : وهو الذي يدرس ما يحدث في الأذن عندما يصل الصوت اللغوي إليها وتستقبله، إذ يبدأ السامع في فك
شيفرة الكلام، وهذا النوع هو أحدث فروع علم الأصوات. وهو ذو جانبين:
أ- جانب عضوي فسيولوجي (حسي) وهو الذي ينظر في الذبذبات الصوتية التي تستقبلها الأذن، وفي آلية الجهاز السمعي ووظائفه
عند استقبال هذه الذبذبات. وهي دراسة تقع في مجال علم وظائف أعضاء السمع.
ب- جانب نفسي: ويعنى بتأثير هذه الذبذبات ووقعها على أعضاء السمع، وعملية إدراك السامع للأصوات، وكيفية هذا الإدراك
وهي مرحلة نفسية خالصة.
ونعود ونؤكّد على أن فروع علم الأصوات (الفوناتيكي) المختلفة لا تقترب من بعيد أو قريب لعلاقة الصوت بالمعنى أو وظيفة
الصوت في البنية اللغوية، وإنما هي دراسة مجردة لأصوات الكلام.
ثانيا : الفنولوجيا .. ويسمى أيضا (علم وظائف الأصوات) لأنه يدرس الصوت اللغوي وهو داخل البنية اللغوية، من حيث وظيفته
وتوزيعه وعلاقة ذلك بالمعنى، والقوانين العامة التي تحكم ذلك. لقد وجد العلماء أن الإنسان لا يستخدم الأصوات اللغوية استخداما
عشوائيا، كمناغاة الأطفال، وإنما يستخدم هذه الأصوات في صورة قوالب منظمة، وعلى الرغم من أن الإنسان يستطيع أن يصدر
عددا ضخما من الأصوات، إلا أن أية لغة إنسانية لا تستعمل إلا عددا محدودا منها، هي التي تكون النظام الصوتي لهذه اللغة
ودراسة هذا النظام هو ما يقوم به التحليل الفونولوجي، الذي على العكس من الفوناتيك- تعامل مع الأصوات من خلال وجودها
في سياق صوتي أو لغوي كالكلمة مثلا، وهذا لا يعني أن العلمين منفصلان تماما، لأن التحليل الفونولوجي لأية لغة لا بد له من
التحرك بصورة مستمرة بين التحليل الفوناتيكي والتحليل الفونولوجي. نضرب على ما سبق مثالا هو صوت (ن) فهو بحكم
الفوناتيك، صوت سني مجهور أغن، وهذا الوصف ينظر إلى النون من حيث هي وحدة صوتية قائمة بذاتها، منعزلة غير متصلة
بغيرها من الأصوات. في المقابل ثمّة دراجات أو تنوعات في العربية وغيرها للأصوات، ففي العربية نجد أن (ن) في كلمة (نهر) من
الناحية الصوتية الخاصة، أي من حيث تكوينها النطقي غير (ن) في كلمة (منك) و(عنك). وقد أدرك العلماء هذا الفرق، فسموا
النون في (منك) (عنك) النون الخفيفة. خلاصة الكلام هي أن ما نسميه صوتا واحدا، قد يتردد بنفسه أكثر من مرة في كلمة من
الكلمات، ولكنه ينطق في كل مرة بصورة مختلفة، ولكن رغم هذه الاختلافات في التكوين لهذا الصوت الواحد، إلا أنها متطابقة من
حيث الوظيفة اللغوية التي تؤديها.
فالنون صوت واحد بوصفها ليست تاء أو ياء، أي بوصفها ذات وظيفة لغوية واحدة، تتمثل في أنها قادرة على تغيير المعنى مثل:
(تاب) و(ناب) فالفرق في المعنى بين الكلمتين راجع ألى وجود التاء في الأولى والنون في الثانية، لذلك ومن هذه الناحية يشكّل كل
منهما صوتا واحدا لا عدة أصوات.
أما أفراد النون وصورها المختلفة، فلها خصائص نطقية تميز بالنطق والسمع، إذ إن نونا قد تختلف في نطقها عن نون أخرى، لكن
هذه النونات جميعها ذات وظيفة لغوية واحدة، فلا يتغير المعنى بإحلال إحداهما مكان الأخرى، وكل هذه النونات تعامل كما لو
كانت شيئا واحدا وتسمى باسم واحد هو النون، وهذه النون هي ما نقصده بمصطلح فونيم النون، الذي يشمل صور النطق لهذا
الصوت جميعها.
أما الصور المختلفة والتنوعات لنطق صوت واحد، كالنونات السابقة، التي لا تؤدي إلى تغيير المعنى عند إحلال إحداهما مكان
الأخرى فيسمى كل واحد منها ألفون. أما الصوت بصورته الخام بصرف النظر عن كونه لغويا أو غير لغوي فيسمى فون.
المستوى الصرفي (المورفولوجي) :
عرف علماء العربية القدماء (الصرف) بأنه العلم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلمة التي ليست بإعراب أو بناء، والمقصود
بالأحوال هنا التغيرات التي تطرأ على الكلمة، من حيث تحويل الأصل الواحد إلى أمثلة مختلفة مثل: اسم الفاعل واسم المفعول
والتثنية والجمع والصحة والاعتلال والزيادة والحذف إلى غير ذلك. أما علم الصرف كمستوى من مستويات الدرس اللساني
فالمصطلح الأساسي فيه، الذي يتصل بصيغة الكلمة ووظيفتها كما في الصرف العربي هو المورفيم. وعلى الرغم من وجود بعض
الخلافات بين المدارس اللغوية الحديثة في تعريف المورفيم، غير أنها تتفق جميعا في النظر إليه على أساس أنه أصغر وحدة لغوية تحمل
معنى أو وظيفة نحوية. وقد وصل علماء اللغة إلى هذا التحديد للمورفيم من خلال بحثهم في مفهوم الكلمة، ووضع تعريف لها، فقد
نظروا إلى الكلمة في صور مختلفة تصلح لأن تدرج تحت مصطلح كلمة، فنظروا مثلا إلى الأمثلة الآتية:
رجل – رجال – رجالات
مسلم – مسلمون – مسلمات
يعلم – يعلمون – يعلمونني - سيعلمونني
ثمّ سألوا أنفسهم: هل من الجائز أن تندرج كل هذه الوحدات تحت مصطلح كلمة؟ ثمّ هل هي من نوع واحد ومستوى واحد؟
فكانوا بذلك يبحثون عن أصغر وحدة لغوية ذات معنى مستقل، فلم يوصلهم مصطلح كلمة إلى ما يريدون. فكلمة (رجال) لها
دلالتان: الأولى: معنى الرجولة. والثانية: الجمع الذي أتت به إضافة (ا) إلى (رجل) هذا الأمر دفع العلماء إلى نبذ المفهوم التقليدي
لعدم دقّته في الدلالة على الوظائف الصرفية والنحوية. ثم قسموا المورفيمات ثلاثة أقسام:
1- المورفيم الحر : وهو ما يمكن استعماله بحرية كوجوده مستقلا في اللغة، مثل: رجل، مسلم، ريم، تحت.
2- المورفيم المقيد : أي الذي لا يمكن استخدامه منفردا، بل يجب أن يتصل بمورفيم آخر، سواء من المورفيمات الحرة أو المقيدة
ومن أمثلته في العربية : الألف والتاء في الدلالة على المؤنث، والواو والنون في جمع المذكّر، التاء المربوطة في التأنيث.
3- المورفيم الصفري : وهو ما يدلّ عدم وجوده على وجود مورفيم محذوف أو مستتر أو مقدر، ومن أمثلته: الصيغة الصرفية
(الوزن) والضمير المستتر، والإسناد في الجملة، وحركات الإعراب المقدرة.وللمورفيمات وظائف لغوية تؤديها، ومن هذه الوظائف
التي يمكن أن نلاحظها في اللغة العربية:
أولا : الوظائف الصرفية . وهي المعاني والدلالات المستفادة من مورفيم الصيغة أو الوزن، ففي كلمة (كاتب) مورفيمان هما:
أ-مورفيم الجذر: الذي يتمثّل في جذر الكلمة( ك ت ب).
ب- مورفيم الصيغة: وهي هنا صيغة اسم الفاعل، وهو مورفيم صفري. فمورفيم الصيغة هنا هو الوظيفة الصرفية التي تميز كل
مورفيم جاء على هذا الوزن في العربية عن غيره من المورفيمات التي جاءت على صيغة أخرى كصيغة اسم المفعول (مكتوب).
ومن ذلك أيضا المورفيمات التي تصنف كأسماء، فوظيفتها أنها تدل على المسمى ولا تدل على الزمن.
ثانيا : الوظائف النحوية .. وتظهر عند دخول المورفيمات بأنواعها في وحدة لغوية أكبر، وهي الجملة، والمقصود هنا المعاني النحوية
التي تحددها المورفيمات في الجملة، وهي قسمان:
أ- الوظائف النحوية العامة: وهي المعاني المستفادة من الجمل بشكل عام، كدلالتها على الخبر والإسناد والإثبات والنفي والتأكيد
والشرط. ويتم هذا خلال مورفيمات لها بنية، أو خلال مورفيمات لا بنية لها (غير تركيبية) كالنبر والتنغيم والفواصل، فجملة مثل
جملة الاستفهام، لا يدرك معناها الوظيفي إلا باستخدام المورفيم الخاص بذلك مثل (أين، هل، متى)، وهذه المورفيمات لها بنية. أما
التنغيم الذي يجعل هو أيضا الجملة تدل على الاستفهام فهو لا يظهر إلا في النطق؛ لذلك تسمى مورفيمات غير تركيبية، أي ليس
لها بنية.
ب- الوظائف النحوية الخاصة: وتظهر عندما يقع مورفيم معين في باب من أبواب النحو، إذ يقوم هذا المورفيم بالوظائف النحوية
لهذا الباب، ومن أمثلة ذلك: وظيفة الفاعلية، أو المفعولية..الخ. من أبواب النحو. فالاسم عندما يقع فاعلا يؤدي وظيفة نحوية إضافة
إلى وظيفته الصرفية كمورفيم