المحاضرة الثانية
فنون النثر العباسي (الخطابة)
مقدمة:
شهد فن الخطابة رواجاً وازدهاراً في العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام والعصر الأموي، وذلك لأهمية الخطابة وقوة تأثيرها، ولتوافر حرية القول، ومن هنا احتلت الخطابة موقعاً متقدماً بين فنون القول النثرية، فكانت ذات مكانة مهمة ومستوى فني رفيع في العصور المذكورة.
• الخطابة في العصر العباسي:
جاء العصر العباسي فحافظت الخطابة على مكانتها ومستواها الرفيع في بداية العصر، لكنها لم تلبث على ذلك طويلاً حتى خفتت، ويرجع هذا الخفوت إلى سببين رئيسيين هما:
1- أن العباسيين لم يطلقوا لها الحرية التي كانت تؤدي إلى قوتها وازدهارها من قبل.
2- أن فنوناً نثرية أخرى نافستها على مكانتها.
أنواع الخطابة:
إذا نظرنا إلى أنواع الخطابة العباسية فإننا نجد أنها مماثلة للأنواع السائدة فيما سبقه من عصور، وهي: الخطب السياسية، والخطب الدينية، والخطب الحربية، وخطب الوفادة والاحتفالات، وخطب النكاح، وسوف نعرض لهذه الأنواع.
الخطب السياسية:
كان العباسيون في بداية عهدهم يسعون إلى تثبيت حكمهم وتوطيد الدعائم لملكهم، فاستخدموا الخطابة للدفاع عن أنفسهم واجتذاب الناس إليهم، ومن هنا فقد حافظت الخطابة السياسية على مكانتها ومستواها في عهود الخلفاء العباسيين الأوائل.
غير أن العباسيين بعد أن استتب لهم الأمر عملوا على إخماد الأصوات ، فضعفت الخطابة السياسية لعدم توافر حرية القول، ولضعف الأحزاب السياسية المعارضة.
ومن الخطب السياسية التي قيلت في أوان ازدهار الخطب السياسية في هذا العصر، خطبة أبي العباس عبد الله بن محمد المعروف بالسفاح.
افتتح أبو العباس خطبته بقوله: ” الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه، فكرمه وشرفه وعظمه، واختاره لنا وأيده بنا، وجعلنا أهله وكهفه وحصته والقُوَّام به “
ثم ذكر قرابة العباسيين للنبي(صلى الله عليه وسلم) في آيات القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا)
الخطب الدينية: كانت الخطابة الدينية ومازالت حريَّة بالتقدم والرقي والازدهار؛ لأن الإسلام قد وفر لها الفرص ، ومهد لها السبل لتحقيق ذلك؛ إذ جعلها تواكب الدعوة ، وتعالج القضايا التي تتصل بصالح المسلمين ، وجعلها واجبة على بعض الصلوات كصلاة الجمعة والعيدين، ومن هنا فقد ازدهرت الخطابة في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي أيما ازدهار.
وفي العصر العباسي توفرت الأسباب التي أدت إلى ازدهار هذا النوع من أنواع الخطابة ، فالفرص التي أتيحت لتقدم الخطابة الدينية في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي ظلت متاحة في عصر بني العباس. ولكن وجدت أسباب أخرى جعلت هذه الخطابة تضعف قليلاً، ثم تدخل في طور الجمود.
وأهم هذه الأسباب:
1- أن بعض الخطباء أخذوا يخطبون بكلام غيرهم.
من ذلك نجد هارون الرشيد يستن سنة كانت سبباً في أن تضعف هذه الخطابة على ألسنة الخطباء ، إذ طلب الأصمعي أن يُعد لابنه الأمين خطبة الجمعة .
2- أن الخطب الدينية قد أصبحت زاخرة بالقوالب الجاهزة
والعبارات المحفوظة، التي تفرض نفسها على كل خطبة .
ومن أمثلة ذلك أن المهدي خطب ذات مرة ، فقال:“ إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه ، وثنى بملائكته ، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) آثره بها من بين الرسل إذ خصكم بها من بين الأمم.
وعقب جلال الدين السيوطي على هذه العبارة بقوله: ” وهو أول من قال ذلك في الخطبة ، وقد استنها الخطباء من بعده.
3- أن الخطب الدينية قد خرجت في كثير من الأحيان ، عن الغرض الذي شُرعت له، فهذه الخطب شرعت في الإسلام لمعالجة الأحداث المتجددة والوقائع الجارية ، ولكنها خرجت عن ذلك في فترات متعددة من العصر العباسي.
الخطب الحربية:
إن العصر الذهبي للخطب الحربية هو العصر الذي شهد معارك الفتح الإسلامي في أيام الخلفاء الراشدين وبني أمية، وشهد أيضاً الحروب الناشئة عن الفتنة التي مني بها المسلمون منذ أواخر عهد عثمان بن عفان- رضي الله عنه – وقد كان قادة الجيوش والخطباء المرافقون لكل جيش يلهبون حماس المقاتلين بالخطب قبل المعركة ، ويلقون الخطب في أعقاب المعارك للتهنئة بالانتصار.
غير أن الخطب الحربية خفت صوتها مع ركود حركة الفتح وضعفت شوكت الأحزاب المعارضة في العصر العباسي، وإن كانت الحروب التي شهدها هذا العصر بين العباسيين والروم أو بين العباسيين والخارجين عليهم، قد ظلت حافزاً لإلقاء الخطب الحربية بين حين وآخر.
ولعل أول ما يتبادر إلى الذاكرة من هذه الخطب ، خطبة أبي العباس السفاح التي ألقاها في أهل الشام بعد انتصار العباسيين على الأمويين في معركة (الزاب).
ومن قوله فيها: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) ، نكص بكم – يأهل الشام – آل حرب وآل مروان، يتسكعون بكم الظلم،...“
خطب النكاح:
تسمى خطب النكاح أيضاً خطب الزواج أو خطب الإملاك.
وقد أكثر الناس من النسج على منوال خطبتي نكاح هما:
1- الخطبة التي ألقاها أبو طالب عند تزويج النبي ( صلى الله عليه وسلم) من خديجة بنت خويلد
2- الخطبة المأثورة عن الإمام علي الرضا.
وتبدو الخطبة التي ألقاها المأمون في تزويج بعض أهل بيته كأنها نسخة من خطبة الإمام علي الرضا.وقد دخل هذا النوع من الخطب طور الجمود في وقت مبكر، فأصبح يعاد ويكرر.
خطب الوفادة:
ضعفت خطب الوفادة في العصر العباسي، فأصبحت قليلة العدد، قليلة الشأن ، وذلك لأن خلفاء بني العباس لم يكونوا يرحبون بوفود العرب ووفود البلدان التي كانت تقصد بني أمية بالترحيب والتكريم. ومن هذه الخطب التي ألقاها عبد الملك بن صالح بين يدي هارون الرشيد يهنئه بمولود ويعزيه عن موت ولده، إذ قال :“ يا أمير المؤمنين سرك الله فيما ساءك ، وجعل هذه لهذه ثواباً للصابرين وجزاء الشاكرين“.
خصائص الخطابة العباسية:
أ- من الناحية الموضوعية:
1- اتخذ الخطباء العباسيون الموضوعات التقليدية موضوعاً للقول ، وضاقت بهم سبل التجديد في الموضوعات والمعاني.
2- الأفكار التي عبروا عنها ، لم تكن بالعمق الذي ينتظره الباحث من خطباء عاشوا في العصر الذهبي للفكر الإسلامي ، فاشتملت خطبهم على أفكار مسطَّحة ، نظراً لضيق صدر السلطة، وميل معظم الخطباء إلى إيثار السلامة.
3- يحمد للخطباء العباسيين أنهم كانوا يميلون إلى المعاني الواضحة التي لا ترهق الذهن للكشف عن المقصود.
ب- من ناحية البناء الفني:
كان للخطب العباسية هيكل عام يقوم على أربعة أركان:
1- التحميد: فقد حرص الخطباء العباسيون على افتتاح خطبهم بحمد الله، وكانوا يسمون كل خطبة لا يذكر فيها الله في أولها بالبتراء، وكانوا يوجزون فيه.
2- الصلاة على النبي: فقد كانوا يعمدون فيه إلى الإيجاز.
3- الموضوع: كانوا في عرض موضوعاتهم يميلون إلى الإيجاز مع مراعاة مقتضى الحال.
4- الخاتمة: غالباً ما كانت تختتم خطبهم بالدعاء ، حيث يدعو الخطيب لنفسه ولغيره بما فيه الخير والصلاح.
ج- من ناحية الأسلوب:
1- الميل إلى السلاسة في الأساليب، والسهولة في العبارات والتراكيب.
2- استخدام الجمل المستوية الخالية من التعقيد .
3- تحاشي استخدام الألفاظ السوقية والألفاظ الموغلة في الغموض، والميل إلى استخدام الألفاظ المألوفة.
4- كثر في الخطب العباسية اللجوء إلى الاقتباس والتضمين.