|
رد: مجلس استذكار مقررات المستوى الخامس
المحاضرة الثالثة
فنون النثر العباسي (الكتابة)
مقدمة:
بدأت الكتابة بداية متواضعة منذ العصر الجاهلي ، ثم ازدهرت وتطورت بنزول القرآن الكريم وتدوينه ، وانتشار الدعوة الإسلامية ، إلى أن بلغت الكتابة درجة عالية من التطور والرقي ، ودونت العلوم والمعارف المختلفة في النصف الأول من القرن الثالث الهجري.
وتنوعت فروعها، وأصبح لكل فرع من أفرع الكتابة من يختص به ، ويتقن الكتابة فيه.
• عوامل ازدهار الكتابة الديوانية:
ازدهرت الكتابة الديوانية في عهد بني العباس ازدهاراً كبيراً ، وبلغت حداً عالياً من الجودة ومستوىً رفيعاً في البلاغة.
ومما ساعد على رقيها وازدهارها:
1- أنها كانت تحظى بالاحترام والتقدير لدى عامة الناس وخاصتهم.
2- أن الكتابة في الديوان كانت طريقاً إلى المناصب العليا.
3- كثرة الدواوين، وتنافس الكتَّاب العاملين بها.
أشكال الكتابة الديوانية:
أ- الرسائل الديوانية:
كان الخلفاء والولاة يختارون لدواوينهم كتَّاباً بارزين يحسنون تصريف القول بحنكة واقتدار، ولديهم ثقافة واسعة في ميدان الثقافة العامة، ومعرفة تامة في طرائق الكتابة وأساليبها، فكانت الكتابة في الديوان منزلة رفيعة ، يحرص الكتاب على تثقيف أنفسهم وتجويد كتاباتهم؛ ليحظوا بها.
كان كُتَّاب الرسائل يحرصون على أن يكون صدر الرسالة موائماً لشخصية من يُراد إرسالها إليه.
كما كان بعض الكُتَّاب يسير في الرسالة على منهج عصر صدر الإسلام من حيث الوضوح والإيجاز والدقة ، على حين سلك بعضهم مسلكاً آخر، فعمد إلى الإسهاب والاهتمام بالصناعة والازدواج والترادف.
أما فيما يتعلق بخواتيم الرسالة، فقد شاع اختتام الرسائل بالسلام أو بعبارة“ إن شاء الله“ أو“ كتب فلان“أو الدعاء .
ب- التوقيعات:
التوقيع هو تعقيب موجز، كان يكتبه الخلفاء الراشدون على الرسائل الواردة إليهم من أفراد المسلمين أو من الولاة من البلدان، يردُّ فيه الخليفة بما يراه مناسباً .
وكانت التوقيعات تتصف بالبلاغة ووجازة التعبير ودقته. فمن توقيعاتهم :“ من صبر في الشدة شارك في النعمة“.
ج- العهود:
العهد وثيقة رسمية تُعطى لتسلُّم منصب كبير في الدولة، أو لمزاولة عمل مهم فيها ، وهو أشبه ما يكون بدستور مصغر أو منهج مرسوم ، يستلهمه الموكل بأحد الأعمال في تسيير عمله.
وهناك نوع آخر من العهود وهو العهد بالأمان ، ومنه عهد الأمان للمدن والبلاد وأهلها، وكان كثيراً في فترة الفتوحات الإسلامية، ثم أصبح نادراً بعد توقف حركة الفتح.
الكتابة الإخوانية:
تشمل الكتابة الإخوانية الرسائل المتبادلة في محيط العلاقات الخاصة، والتي ليست لها صفة رسمية، وتدور حول العلاقات الاجتماعية والمشاعر الخاصة ، مثل المحبة والبغضاء والرضا والسخط وغير ذلك من العواطف والانفعالات الذاتية.
وفيما يلي نعرض لأهم أشكال الرسائل الإخوانية:
أشكال الرسائل الإخوانية:
أ- رسائل الشوق والمودة:
وهي الرسائل التي كان يرسلها الكتاب إلى إخوانهم وأصدقائهم الغائبين عنهم، يتحدثون فيها عما يعتلج في الصدور من شوق وحنين، وما يكنونه نحوهم من حب ومودة. ويعربون عن أملهم في اللقاء ، ودعائهم إلى الله سبحانه وتعالى أن يجمع الشمل.
ب- رسائل الدعوة:
كان الكُتَّاب يوجهون رسائل إلى الأصدقاء، يدعونهم فيها إلى زيارتهم ومشاركتهم أفراحهم وقد يدعونهم لحضور مأدبة، أو للسمر الذي يخالطه اللهو وسماع المغنيين، أو للشراب ، وقد تكون الدعوة لنزهة أو لرحلة.
ج- رسائل الإهداء:
اعتاد الناس في العصر العباسي أن يهدي بعضهم بعضاً هدايا مختلفة، كالأطعمة والزهور والورود وغير ذلك.
وكان بعضهم يرسل مع الهدية رسالة ، يصف فيها الشيء الذي يهديه، ويبين دلالته الرمزية.
د- رسائل التواصي:
التوصية رسالة يرسلها شخص إلى شخص آخر له جاه يشفع عنده لشخص ثالث في أمر من الأمور، أو في قضاء حاجة من حوائجه. وكان هذا النوع من الرسائل مألوفاً في زمن العباسيين.
هـ - رسائل التهنئة:
كان الكتاب العباسيون يتبادلون رسائل التهاني مع أصدقائهم وأقاربهم في المناسبات السعيدة العامة والخاصة.
ومن هذه الرسائل: رسائل التهنئة بولاية الأعمال والمناصب والمراتب، أو التهنئة بسلامة القدوم، وغير ذلك.
و- رسائل التعزية والمواساة:
تدور رسائل التعزية – بوجه عام- حول الحث على الصبر والرضاء بقضاء الله، والدعوة إلى عدم إظهار الجزع على المصاب، والتذكير بما يلقاه الصابرون من الثواب عن فقدان الأحبة.
ز- رسائل المدح:
على الرغم من أن الكُتَّاب في العصر العباسي ، كتبوا قطعاً نثرية في المدح؛ فقد ظل المدح النثري لا يلقى رواجاً بالقياس إلى شعر المدح.
وكانت المعاني التي تعاورها الكتَّاب في رسائل المدح ، شبيهة بالمعاني التي تعاورها الشعراء في قصائد المدح، كالمدح بالكرم والشجاعة والمروءة ، ووصف الممدوح بالبلاغة، وغير ذلك.
ح- رسائل العتاب:
عندما كانت العلاقات بين الكتاب وإخوانهم وأصدقائهم ومعارفهم تتعرض لهزة أو لجفوة ؛ فمن الكتاب من كان يلجأ إلى العتاب ؛ لإزالة ما علق في النفوس من خلاف ، فيكتب إلى صديقه رسالة يبين له فيها وجه عتبه عليه ، ويُظهر له فيها أنه متمسكاً بصداقته وراعياً لحقه.
وكان يغلب على هذه الرسائل الإيجاز، وعدم الإطالة، والإكثار إلى التمثل بالشعر في ثناياها.
ط -رسائل الاعتذار:
كانت هذه الرسائل في العصر العباسي تسير على اتجاهين:
الأول: أن يعترف الكاتب بالذنب والتقصير، ومن ثمَّ يعمد إلى الاعتذار وطلب العفو والتسامح.
الثاني: أن يذكر الكاتب ما نسب إليه من ذنب أو تقصير أو زلة أو إساءة ، ومن ثمَّ يعمد إلى التنصل مما نسب إليه وتأكيد براءته بالحلف أو بالشواهد الدالة عليها، وتأكيد صدق ولائه ، وإثبات إخلاصه.
|