المحاضرة الخامسة
فنون النثر العباسي ( الأمثال والحكم)
مقدمة حول الأمثال:
المثل قول موجز ، سائر على ألسنة الناس، وارد في حادثة واقعية أو خيالية أو عمل أدبي، أو مستمد من ملاحظة في البيئة، وهذا القول يؤتى به مع المحافظة على لفظه في حالة تُشبه الحالة الأولى التي ورد فيها.ومن أشهر الذين ألَّفوا كتباً في الأمثال في العصر العباسي: أبو عمرو بن العلاء(ت154هـ) ، والمفضل الضبي(ت170هـ)،وأبو عبيدة مَعْمر بن المثنى( ت210هـ )، وغيرهم.
الأمثال: (الأمثال المنسوبة):
تشتمل الأمثال المنسوبة على الأمثال التي نعرف قائلها من أعلام العصر العباسي، والشخصيات التي اشتهرت بصفات محبوبة أو مكروهة، والأشياء والحوادث المشهورة التي جرت مجرى الأمثال.
1- أمثال قالها أعلام العصر:هذه الأمثال وردت على ألسنة أعلام الأدب والفكر والسياسة ، ورزقت حظاً من الانتشار، فأصبحت متداولة على ألسنة الناس، وفيما يلي بعضاً من هذه الأمثال:
نماذج للأمثال المنسوبة لقائليها:
- (لا تؤخر عمل اليوم إلى الغد):
قائل هذا المثل هو أبو مسلم عبد الرحمن أبو مسلم الخراساني(ت137هـ).
وهذا المثل أحد توقيعات أبي مسلم وقد كتبه لعامل مدينة بْلَخ.
يُضرب هذا المثل في الحث على المبادرة إلى أداء الواجبات في حينها؛ لكيلا تتراكم الأعمال.
وهذا المثل يدل على يقظة أبي مسلم وحسن تدبيره، وأن من واجبات المسؤول توجيه مرؤوسيه إلى ما فيه المصلحة.
- (قد ضل من كانت العميان تهديه):
قائل هذا المثل هو بشار بن برد(ت167هـ)الشاعر العباسي، وقد كان أعمى ، فجاءه رجل يسأله عن مكان فوصفه له وصفاً دقيقاً ، ومضى الرجل، وما لبث أن عاد ثانية يسأله عن المكان ، فأخذ بشار بيده ، وقاده إلى المكان، وهو يقول:
أعمى يقود بصيراً لا أبا لكم قد ضل من كانت العميان تهديه يضرب لمن يستعين بمن هم أقل منه حيلة.
الأمثال غير المنسوبة:
هي الأمثال التي لم نعرف قائلها؛ لأنها غير منسوبة إلى أشخاص معينين، ولكن يغلب على ظننا أنها قيلت في العصر العباسي.
ومن هذه الأمثال:
- غُبار العمل خير من زعفران العطلة.
- الولاية حلوة الرضاع مرة الفطام.
خصائص الأمثال العباسية:
1- اختصاص كل طبقة من طبقات المجتمع بطائفة من الأمثال ، تروَّج بين أفرادها، فيكثرون من استخدامها وتردادها.
2- إنها أمثال حقيقية أي أن موردها – وهو الحالة التي قيل فيها أول مرة – حدث في الوجود بالفعل ، وليست أمثالاً فرضية.
3- تتميز الأمثال غير المنسوبة بالسهولة وكثرة العامية فيها؛ لذا لا تسلم من الأخطاء اللغوية.
4- يغلب على الأمثال العباسية الإيقاع الموسيقي.
5- تكثر فيها الاستعارات.
الحكم:
الحكم أقوال من جوامع الكلم ، تعبر عن موقف من الحياة والناس ، وتشتمل على توجيه وإرشاد إلى ما فيه الصلاح في القول والعمل.
تشترك الحكمة مع المثل في الإيجاز في القول، وأن كلاً منهما يعتمد على المشافهة لا الكتابة ، غير أن المثل أوسع في الانتشار.
نماذج للحكم العباسية:
من الحكم المأثورة عن العباس السفاح قوله:
” إذا عظمت القدرة فلَّت الشهوة “.
وقوله:“ إن من أدنياء الناس ووضعائهم من عَد البخل حزماً والحلم ذلاً “.
ومن أقوال المنصور: ” إذا مد عدوك إليك يده فاقطعها إن أمكنك، وإلا فقبلها“.
ومن أقوال المأمون: ” أظلم الناس لنفسه من يتقرب إلى من يبعده، ويتواضع لمن لا يكرمه، ويَقبل مدح من لا يعرفه“.
ومن الحكم الدينية:
- قول ابن المقفع:“ المغبون من طلب الدنيا بعمل الآخرة“.
- وقوله:“ عمل البر خير صاحب“.
- وقول ابن المعتز:“ طلاق الدنيا مهر الجنة“.
- وقول أبي بكر الخوارزمي:“ ظاهر التقوى شرف الدنيا، وباطنها شرف الآخرة“.
خصائص الحكم العباسية وسماتها:
1- الحكم العباسية مستمدة من تجارب وخبرات الحياة.
2- تعتمد الحكم العباسية المأثورة على الإيجاز في التعبير.
3- اتسمت الحكم العباسية بالسهولة في الأداء والتعبير،وحسن الصياغة والألفاظ المألوفة والصور البيانية،وضروب البديع، وعمق الفكرة ، ونبل المقصد.