3- الأهداف الاجتماعية:
اقتضت حكمة الله سبحانه أن تكون رسالاته للبشر على النهج الذي يصلح أحوالهم، وبالأمر الذي تشتد إليه حاجتهم، وبالقدر الذي يتناسب مع قدرتهم، وقد تضمنت رسالة محمدصلى الله عليه وسلم كل ما يؤهلها للشمول في الأحكام، والصلاحية لجميع الأمكنة والأزمنة، والانسجام مع الأحوال التي تعيشها المجتمعات، وذلك بما اشتملت عليه من قواعد تجلب التيسير، وترفع الحرج،وتبعد الشدة. ومن ذلك قاعدة ((العرف))، وهو ما تعارف الناس وساروا عليه من قول أو عمل، مما لا يخالف دليلاً شرعياً.
فإن رعاية العرف نوع من التيسير، إذ من التيسير على الناس أن يقروا على ما ألفوه وتعارفوه، واستقر عليه أمرهم على مر السنين والأجيال. كما يهدف الإسلام في تشريع المعاملات المالية إلى سد حاجات الناس، وقضاء حوائجهم، ذلك أن موقف الإسلام في ميدان المعاملات يختلف عن موقفه في ميدان العقائد والعبادات، فليست الشريعة هي التي أنشأت للناس صوراً للتبادل والتبايع والتعاون، ولكنها وجدت صوراً يتعامل بها الناس، فوقفت منها موقف الإقرار أو التعديل أو الإلغاء، ولم تتدخل الشريعة إلا بمقدار ما تحمي به مقاصدها الشرعية من العدل والتيسير والرحمة، ومنع أسباب التشاحن والتباغض (16).
كما يهدف الإسلام من تيسيره التعاملي: ضمان السرعة، والمرونة، لأنهما عنصران لازمان لنجاح الكثير من التعاملات المالية، فإذا كانت الإجراءات بطيئة معقدة لا تساير ظروف الناس ومتطلباتهم في أحوالهم المختلفة، فإن كثيراً من الفرص السانحة ستضيع، ويشيع الكساد والتعطل، ومن أجل ذلك حرصت الشريعة الإسلامية على مراعاة التيسير من الناحيتين الشكلية والموضوعية فيما تنظمه من العقود المالية والتجارية، ويظهر ذلك واضحاً
في آية الدين من سورة البقرة، وهي قوله تعالى:: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) {282}(17)
فاشترطت الآية الكتابة لإثبات الدين، سواء كان صغيراً أو كبيراً، ولكنها استثنت من هذا المبدأ العام الدين التجاري، فأباحته من غير كتابة، وذلك في قوله تعالى(إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ).
والعلة في استثناء الديون التجارية من شرط الكتابة والله أعلم أن الصفات التجارية تقتضي السرعة، ولا تتحمل الانتظار، ولأن المعاملات التجارية أكثر عدداً وتكراراً وتنوعاً، فاشتراط الكتابة فيها يؤدي إلى الحرج، وقد تضيع فرصة الكسب على المشتري، أو يعرض البائع للخسارة (18).