المحاضرة التاسعة
أعلام النثر العباسي ( الجاحظ)
مقدمة: كانت البصرة – مدينة الجاحظ – حاضرة العلم والتجارة ، وارتفع شأنها بفضل سوق المربد، حتى غدت عكاظ الإسلام. فكانت ملتقى التجارة واللغويين والشعراء والمتكلمين وسائر رجال الفكر والقلم وذوي الثقافة والمعرفة.
وقد أصبحت لهذه المدينة شخصيتها المنفردة من الناحية العلمية، بحيث غدا من مقوماتها النزعة الواقعية وإيثار المنحى المنطقي في معالجة الأمور والأخذ بمبدأ القياس في الاجتهاد والرأي. كل هذا انعكس على شخصية ” الجاحظ ” الذي نحن بصدد الحديث عنه.
• اسمه وكنتبه ولقبه:
هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني.
كنيته: “ أبو عثمان “.
لقبه: ”الجاحظ“، ولقب بذلك ؛ لأن عينيه كانتا جاحظتين.
أصله ومولده:
أصله: أختلف في أصله، فهناك من يقول إنه عربي خالص النسب، وهناك من يقول إنه كناني بالولاء.
مولده: قد أختلف في تاريخ ولادته، ولكن الدارسين يكادون يتفقون على أنه ولد في حدود سنة( 150هـ) في البصرة.
حياته:
يبدو أن الحياة الاجتماعية المحيطة بالجاحظ كانت صعبة، والأصعب منها ظروفه الخاصة ؛ فقد كان يعاني الفقر المدقع، فاضطر إلى أن يبيع الخبز والسمك، ولم يحل هذا دون متابعته للتحصيل العلمي، فقد كان يتردد على مربد البصرة يأخذ عن العرب شفاهاً، وأولع بالقراءة، وكان داهية في قوة الحفظ.
ولم يترك الجاحظ فرصة تفوته في مخالطة العلماء ، فقد أخذ اللغة والأدب عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري ، وأخذ النحو عن الأخفش ، وأخذ الكلام عن النظام.
وأخذ الجاحظ ينهل من الثقافات غير العربية ، من: يونانية وتركية وفارسية،...
ولكننا نرى أن الجاحظ بعد الفقر الذي كان فيه قد حصل الأموال، وبني البيوت، وامتلك الأراضي واقتنى العبيد، وأخذ يتصل بالوزراء ، ويتنقل في البلاد، فيعيش في بغداد زمناً ويرحل إلى دمشق وأنطاكية، كل هذا أورثه معرفة بطبائع الناس وأخلاقهم، كما زاد من ثقافته. والجدير بالذكر أن الجاحظ عاصر كثيراً من الخلفاء .
مرضه وموته:
تذكر الروايات أن الجاحظ أصيب بمرضين متناقضين هما: الفالج والنقرس.
وقد توفي الجاحظ سنة خمس وخمسين ومائتين.
من أقوال الجاحظ:
يوصي الكتاب ، قائلاً: ” ينبغي للكاتب أن يكون رقيق حواشي الكلام، عذب ينابيعه، إذا حاور سدد سهم الصواب إلى غرض المعنى“.
يوصي العلماء والأدباء قائلاً:“ لا تكلم العامة بكلام الخاصة، ولا الخاصة بكلام العامة ”.
يقول في وصف اللسان:“ هو أداة يظهر بها البيان، وشاهد يعبر عن الضمير، وحاكم بفصل الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء،...“
رأي بعض القدماء فيه:
يقول المرزباني: “ كان أبو عثمان الجاحظ من أصحاب النَّظام، وكان واسع العلم بالكلام ، كثير التبحر فيه، شديد الضبط لحدوده ، ومن أعلم الناس به وبغيره من علوم الدين والدنيا،....“
ويقول ثابت بن قُرَّة ” ما أحسد هذه الأمة العربية إلا على ثلاثة أنفس: الأول- عمر بن الخطاب في سياسته،....والثاني- الحسن البصري في علمه،...والثالث- الجاحظ في بيانه ، فقد كان خطيب المسلمين، وشيخ المتكلمين،....
ويبين المسعودي أهمية كتب الجاحظ ويصف بيانه فيها، قائلاً:“ وكتب الجاحظ تجلو صدأ الأذهان، وتكشف واضح البرهان، لأن نظَّمها أحسن نظم، ووصفها أحسن وصف، وكساها من كلامه أجزل لفظ.....“.
ويقول الخطيب البغدادي: “ الجاحظ هو المصنف الحسن الكلام البديع التصانيف، وهو أحد شيوخ المعتزلة.
ويقول شمس الدين الذهبي: “هو العلامة المتبحر، ذو الفنون، صاحب التصانيف الكثيرة، كان من بحور العلم.
ويقول ابن نباته المصري: “لم يزل عزيز الجانب، موفور المال والجاه، وله أخبار ظريفة كثيرة، ونثر طائل، وهو إمام الفصحاء والمتكلمين، الذي ملأت الآفاق أخباره وفوائده“.
فكر الجاحظ وشخصيته:
1- الثقافة الواسعة:الثقافة الواسعة لدى الجاحظ في طليعة سماته المميزة ومن أهم مقومات شخصيته وفكره. ولعل هذا ما منحه الكثير من الثقة وجعله يشعر بنوع من السمو العقلي.
2- فكره المستنير:وفكره المستنير جعله يتخذ مواقف رافضة تجاه الزيف والانحراف والتضليل.وقد قاده هذا المنحى الفكري إلى تحكيم العقل والمنطق في كل ما يرى
3- التحرر من القيود: حرر الجاحظ نفسه من كثير من القيود حتى لا يصرفه شيء عن عالم الفكر والتأليف، فقد رفض قيد العمل الوظيفي في كنف البلاط فضلاً عن أنه لم يرتبط بزواج ولا أسرة، وأخذ يتقرب من الأعلام إلى أن غدا الجاحظ في عداد أعلام الفكر وأقطاب الاعتزال في عصره.واستطاع خلال اعتزاله أن ينفذ إلى تأليف مجموعة من الآراء تعصبت لها طائفة من المعتزلة سميت باسم الجاحظية.
4- تحكيم العقل والمنطق: يضع الجاحظ كل ما يسمعه من أخبار على محك العقل السليم والمنطق السليم أيضا، فلا تقنعه الأخبار التي لا يحكمها العقل السليم والمنطق السليم.
5- الشك وسيلة إلى اليقين: الحقيقة ضالة الجاحظ، فهو دائب التحري عنها. ولا يغير من طبيعة الأمر شيئاً أن يصدر الخبر عن رجل نابه الشأن ولو كان صاحب المنطق نفسه. والجاحظ كان يشك في بعض ما أورده أرسطو فيعمد إلى رده ودفعه دون أن يجد في ذلك حرجاً برغم الهالة التي كانت تحيط بذلك الفيلسوف في إبان القرون الوسطى.
6- الاختبار والتجريب: قد وجد الجاحظ في دنيا الحيوان مجالاً واسعاً للتجريب أشبع من خلاله نهمه العلمي . فقد طال الوقوف عند الضباب وأنواعها وتعداد غرائب صفاتها و خصائصها.
7- انشراح الصدر وحب الحياة: من طبع الجاحظ انشراح الصدر وحب الحياة، ومن مزاجه المرح: النكتة وخفة الدم. فلا يحب الانطواء على الذات ولا الاكتئاب ولا الغفلة ؛ لأنه سريع الفهم حاد الذكاء.
8- كان شديداً في تحمل الأعباء، صبوراً على المكاره، طموحاً إلى أبعد الحدود.
9- كان الجاحظ مصدر حب ومهابة. يحبه الناس لأنهم ينتفعون به ، ويخشونه .
مؤلفاته:
شملت كتب الجاحظ الأدب والسياسة والأخلاق والدين والصناعة والزراعة والكيمياء والفلسفة وسائر فنون القول والفكر، ومن بعض كتبه:
1- البخلاء.2- البيان والتبيين.3- التربيع والتدوير.4- الفرق في اللغة.5- رسالة في القلم. 6- رسالة في الميراث.7- المعارف.8- المسائل. 9- الرد على اليهود. 10- تحصين الأموال. 11- تهذيب الأخلاق. 12- الرسالة اليتيمة. 13- كتاب المعلمين.
أسلوب الجاحظ من خلال كتاب البخلاء:
1- قصص البخلاء جاءت متماسكة .
2- موضوع البخل قبيح مهين تحول على يد الجاحظ إلى فن جميل رائع.
3- غاص الجاحظ إلى أعماق نفوس شخصياته.
4- رسم لنا نماذج متناقضة.
5- بفنه البديع حبب الجاحظ إلى القراء البخلاء، فأكثرهم ظرفاء وأذكياء، وبعضهم مثقفون وأذكياء.
6- أرسى قواعد الإنشاء العربي على أنماط حية جميلة وسهلة.
7- الجاحظ هو أول أديب شمولي في العربية.
8- جاء أدب الجاحظ في البخلاء مبطناً بسخرية لطيفة وعميقة.
9- عرض لنا الجاحظ كتاب البخلاء الأدبي بأسلوب علمي تسوده المعرفة وتجلوه الثقافة السائرة على طريق العقل ونسف المنطق.
10- في البخلاء فتح جديد للإبداع الفني المسرحي.