المحاضرة العاشرة
من أعلام النثر العباسي (ابن قتيبة – ابن العميد)
مقدمة وقفنا في المحاضرة السابقة على علم من أعلام النثر العباسي ألا وهو الجاحظ .عرضنا لحياته ونشأته ومؤلفاته ورأي القدماء فيه،.....ونحاول في هذه المحاضرة أن نعرض لعلمين من أعلام النثر العباسي ، وهما: ابن قتيبة،وابن العميد .
• حياته ونشأته:
هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ولد سنة 213هـ ببغداد وقيل بالكوفة، أصله فارسي.
ذهب في صباه إلى الكتَّاب فحفظ شيئاً من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والأشعار وشيئاً من الفقه والنحو والحساب.
ثم أخذ يتردد على المساجد يأخذ عن علمائها كل ما عندهم من علوم الشريعة واللغة والحديث .
عكف على المترجمات يقرأ فيها ويستوعب. لمع اسمه في بيئة الفقهاء فتولى القضاء.وعمل في التدريس والتعليم حتى توفي سنة 276هـ.
مؤلفاته:
لابن قتيبة مؤلفات كثيرة منها:
1- مشكل القرآن. 2- تأويل مختلف الحديث.3- دلائل النبوة.4- غريب القرآن.5- كتاب الأشربة.6- كتاب الشعر والشعراء.7- كتاب أدب الكاتب.
أكبر مؤلف أدبي:
يعد ابن قتيبة أكبر مؤلف أدبي ظهر في العصر العباسي بعد الجاحظ ، ويتضح هذا في مقدمته لكتاب الشعر والشعراء إذ نراه يعلن أنه لن ينظر إلى المتقدم من الشعراء بعين الجلالة لتقدمه ولا إلى المتأخر بعين الاحتقار لتأخره، .....“
وأهم من هذا موقفه ضد الشعوبية حيث استطاع أن يدخل الثقافات الأجنبية: كالهندية واليونانية والفارسية على الثقافة العربية والإسلامية ، ويعمل على تكوين مزج موحد منها جميعاً .
كتاب عيون الأخبار:
وأخذ ينسق مختارات ومقتطفات من الآداب الفارسية ، مع مختارات ومقتطفات من الآداب العربية الخالصة ، ومع مختارات ومقتطفات من الثقافتين الهندية واليونانية ، وكانت ثمرة ذلك كله أربعة مجلدات ضخمة ألَّفت كتاب:“ عيون الأخبار ” وقد وزعها على عشرة كتب:
أولها كتاب السلطان ، وفيه يتحدث عن سيرته وسياسته وصحبته واختياره للعمال والقضاة والحجاب،.....
والكتاب الثاني: كتاب الحروب، وفيه يتكلم عن آدابها ومكايدها وأوقاتها وحيلها وعُدَدها وسلاحها.......
والكتاب الثالث: كتاب السؤدد، ويتكلم فيه عن مخالبه وأسبابه ، ويعرض لجوانب كثيرة من الشرف والأخلاق الرفيعة .
والكتاب الرابع: عن الطبائع والأخلاق المذمومة من مثل الحسد والغيبة .....
والكتاب الخامس: عن العلم والبيان.
والكتاب السادس: كتاب الزهد وفيه تبرز مواعظ النساك والزهاد ، وتظهر فيه ثقافة ابن قتيبة.
الكتاب السابع: كتاب الإخوان ، وفيه يتحدث عن اختيارهم وما ينبغي أن يكون بينهم من الوشائج والصلات....
الكتاب الثامن: كتاب الحوائج واستنجاحها والمواعيد وانجازها.....
الكتاب التاسع: كتاب الطعام ، وفيه يعرض لصنوف الطعام وأخبار العرب في مآكلهم....
الكتاب العاشر: كتاب النساء ، وفيه يتكلم عن أخلاقهن ، وما يقبل منهن وما يكره.....
أسلوبه:
ولعل فيما قدمنا يصور بوضوح كيف مزج ابن قتيبة بين الثقافات العربية والإسلامية والفارسة والهندية واليونانية، وكذلك ثقافة أهل الكتاب، فكل هذه الثقافات الأجنبية والعربية من مدنية ودينية استحالت عنده إلى هذه الصورة الجديدة التي نقرؤها في عيون الأخبار الذي جاء أسلوبه يمتاز بوضوحه واصطفاء ألفاظه والمزاوجة بينها وهذه طريقة الجاحظ أحياناً ، وأحياناً يسترسل دون محاولة الازدواج، ولكن مع العناية باختيار الكلمات والتناسب بينها بحيث لا نجد فيها أي نشاز ولا أي اضطراب أو انحراف، فقد كانت اللغة مرنة في يده. وبهذا الأسلوب المتناسق وما يجري فيه من استواء ،صنف كتابه :“ عيون الأخبار ”، بحيث بدأ وكأنه مضبوط في قوالب متماثلة ، أقوال تستريح لها الأذن، وتجد فيها القلوب والعقول متاعاً لا ينفد. ويكفي أن ابن قتيبة في أسلوبه الواضح الناصع الذي وصفناه استطاع أن يخرس الشعوبية إلى الأبد بما سوَّى للعربية في عيون الأخبار من هذا الأدب العربي الرفيع الذي وسع مختلف الثقافات ومزج بينها بحيث أصبح له طوابع جديدة مميزة.
...................
ابن العميد
اسمه وكنيته: هو أبو الفضل محمد بن الحسين بن محمد. المعروف بابن العميد.
لقبه: لقب ابن العميد بألفاظ كثيرة منها: الجاحظ الثاني، وقيل الجاحظ الأخير، والأستاذ ، والرئيس، لسان المشرفي.
حياته:
لم تتحدث المصادر عن تاريخ ولادة ابن العميد وبداية حياته ونشأته ، ولكن نحاول أن نعرض ما توافر في ثنايا الكتب.
ولد ابن العميد في بيت فضل وعلم وجاه ولعل ولادته كانت في السنوات الخيرة من القرن الثالث الهجري.ومات سنة ستين وثلاث مائة. لم يأن ابن العميد جهداً في حضور حلقات العلم والدرس.
واتهم ابن العميد بتعصبه للفرس على العرب، وهو ممن دخل في قضية الشعوبية.
ثقافته:
أتقن العربية وسبر أغوارها، وعرف أسرارها، وتعلم كثيراً من العلوم المختلفة في بغداد، فقد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره من حسن التدبير وسياسة الملك والكتابة التي أتى فيها بكل بديع والعلوم التي برع فيها.
ولم تقتصر ثقافته على فنون الأدب ( الشعر والنثر)، بل كانت ثقافته واسعة عميقة، إذ كان يختص بغرائب من العلوم الغامضة ، كعلوم الحيل والهندسة والطبيعة،....
من حكم ابن العميد:
من حكمه الشعرية:
آخِ الرجالَ من الأبا عد والأقارب لا تقارب
إن الأقارب كالعقا رب بل أضرُّ من العقارب
من حكمه النثرية:
” خير القول ما أغناك جدُّه ، وألهاك هزله“.
” المزح والهزل بابان إذا فتحا لم يغلقا إلا بعد العسر“.
أسلوبه:
استخدم ابن العميد في أسلوبه علوم البلاغة الثلاثة من بديع وبيان ومعان.
هذا إلى جزالة الأسلوب ، وقوة السبك، ووضوح المعاني، وبساطة العبارة، وحسن اختيار الألفاظ.
وجاءت جمله في رسائله مترابطة متسلسلة.
عاطفته شديدة الصدق. صاحب خيال خصب.
رأي القدماء فيه:
يقول مسكويه: “ إنه كان أكتب عصره، وأجمعهم لآلات الكتابة حفظاً للغة والغريب، وتوسعاً في النحو والصرف والعروض، واهتداء إلى الاشتقاق والاستعارات، وحفظاً للدواوين من شعراء الجاهلية والإسلام...“.
يقول عنه التوحيدي: “ كان حسن الكتابة ،غزير الإنشاء ،جيد الحفظ ، ...“.
ويقول الثعالبي: “كان عين المشرق،...وأوحد عصره في الكتابة، وجميع أدوات الرياسة،....“.
ويقول ابن الأثير: “ كان ابن العميد من محاسن الدنيا، قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره من حسن التدبير، وسياسة الملك، والكتابة التي أتى فيها بكل بديع،....“.
ويقول ابن خلكان: “ كان متوسعاً في علوم الفلسفة والنجوم، أما الأدب والترسل فلم يقاربه فيه أحد في زمانه، وكان يسمى الجاحظ الثاني....“
ويقول الذهبي: “ كان آيةً في الترسل والإنشاء ، فيلسوفاً مهتماً برأي الحكماء،....“
ويكمل الذهبي قوله: “ كان عجباً في الترسل والإنشاء والبلاغة، يُضرب به المثل،.....“
ويقول ابن تغري: “ كان ابن العميد فيه فضل وأدب وترسل“.