المحاضرة الثالثة عشرة
( كتاب: الشعر والشعراء لابن قتيبة)
تناولنا في المحاضرة السابقة كتاب: البيان والتبيين للجاحظ ، وعرضنا لأسلوبه ، ومادته، ومنهجه ، ومحتواه ، والمآخذ عليه، وقيمته ، وطبعه ونشره،...
وتحاول هذه المحاضرة أن تلقي الضوء على كتاب: الشعر والشعراء لابن قتيبة.
• مؤلف كتاب: الشعر والشعراء:
ابن قتيبة : قريب الجاحظ في سعة الثقافة وشمولها ولد عام (213هـ828م) لأب فارسي لم يكن ذا شأن اجتماعي أو سياسي وتوفي عام (276هـ-889م) كان ابن قتيبة فيما يقول ابن النديم: (عالما في اللفة والنحو وغريب القرآن ومعانيه والشعر والفقه كثير التأليف والتصنيف ).
وتاق ابن قتيبة منذ صغره إلى أن يكون أديباً بمفهوم الأدب على أيامه فهو يحدُّث عن نفسه، قائلاً :“كنت في عنفوان الشباب وتطلب الآداب أحب أن أتعلق من كل علم بسبب وأن أضرب فيهم بسهم ” وقد ألمَّ ابن قتيبة بكل علوم عصره .
مؤلفاته:
كانت مؤلفاته صورة صادقة لثقافته، فجاءت متنوعة تشمل أغلب معارف عصره.
وذكر له صاحب الفهرست ثلاثة وثلاثين كتاباً،وبلغ بها آخرون ثلاثمائة.
ومناطق اهتمامات هذه الكتب القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، والنحو، واللغة، والأدب من شعر ونثر وأمثال، والتاريخ والآداب الاجتماعية وغيرها.
عناوين كتاب: الشعر والشعراء:
وصلنا كتاب: الشعر والشعراء في عدد من المخطوطات موزعة على عدد من مكتبات العالم في القاهرة ودمشق والمدينة المنورة وبرلين وباريس وفينَّا،وفي دار الكتب المصرية منها ثلاثة كتب.
ولم تتفق المصادر التي تحدثت عن الكتاب ومخطوطاته على عنوانه فهو عند ابن النديم:(الشعر والشعراء )وسماه الجاحظ:(أخبار الشعراء) ،وسمي أيضاً:( ديوان الشعر والشعراء )،وأيضاً:( كتاب طبقات الشعراء) وسمي:(كتاب الشعراء).
منهج تأليفه:
فصلَّ ابن قتيبة منهجه في دراسته له ؛فهو يعد أول منهج يصلنا في العربية على هذا القدر من الوضوح؛ ففيه حديث عن مادة الكتاب وهدف المؤلف من تأليف الكتاب،ووسيلته إلى هذا الهدف.
فمادة الكتاب عن:الشعراء وأزمانهم وأقدارهم وأحوالهم في أشعارهم وقبائلهم وأسماء آبائهم ومن كان يُعرف باللقب أو الكنية منهم
وعمَّا يستحسن من أخبار الشاعر وما يعتمد من شعره وما أخذه العلماء عليهم من اللحن والخطأ في ألفاظهم و معانيهم وما سبق إليه المتقدمون فأخذه عنهم المتأخرون. وفيه:أقسام الشعر وطبقاته وعن الوجوه التي يختار الشعر عليها ويستحسن لها.
رأيه في المتقدم والمتأخر من الشعراء:
يقول:( وما نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه ولا إلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره؛ بل نظرت بعين العدل بين الفريقين وأعطيت كلاً حظه وقررت عليه حقه).
ويعيب على نقاد الشعر ودارسيه من أهل زمانه أن منهم من يستجيد الشعر السخيف؛ لتقدم قائله ويضعه في متخيره وينزل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه أو أنه رأى قائله.
ويحتج ابن قتيبة لرأيه بأسباب عمادها:(الملاحظة والمنطق والعقل).
مادة الكتابة:
قسم ابن قتيبة مادة الكتابة إلى قسمين: (الشعر والشعراء) تحدث في القسم الأول عن: (الشعر): لفظه ومعناه، وما حُسن منه، وما رَذُلَ، وأورد تعليلاً لمنهج القصيدة العربية في وقوفها على الأطلال وانتقالها منه إلى الغزل فإلى الوصف، ثم الموضوع وانتهائها ببيت أو أبيات تجري مجرى الحكم والأمثال.
ويرى ابن قتيبة: أنه ليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين فيما يتصل بشكل القصيدة، لكنه يكره لهم أن يقلدوا القدماء في المعاني والأخيلة أو ما يجددوا ما هو شر من التقليد؛ كأن يبكي عند بنيان مشيد؛ لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر ،والرسم العافي أو يرحل على **** أو بغل ويصفهما؛لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير.
وتكلم عن الطبع والتكلف في الشعر عند الشعراء، ودواعي الشعر ثم عالج عيوب الشعر، ومنها: الإقواء والإكفاء والسناد والإجازة. وتعرض لأخطاء الإعراب وما يجب أن يكون عليه الشعر من تسامٍ عن سواقط اللهجات وشواذ اللغات.
وأوقف ابن قتيبة القسم الثاني من كتابه: الشعر والشعراء، على (الشعراء):أنسابهم، وأشعارهم،وما اتصل بهم من تاريخ وحكايات. ومهد لهذا القسم بحديث قصير مبتور عن أوائل الشعراء، ولم يلتزم بنهج معين يسير عليه في تعريفه للشعراء ، وكل ما هنالك أنه أورد الجاهليين أولاً وأتبعهم بالإسلاميين، وتناثر المخضرمون بين القسمين.
وبدأ بدراسة الشعراء بالشاعر امرئ القيس وثنى بزهير بن أبي سلمى، واتبعه بابنه كعب بن زهير.
وطريقته في التراجم المطولة أن يورد نسب الشاعر وبعض أخباره وشيئاً من نصوصه المختارة في إيجاز، ثم يعود فيبسط ما أجمله.
ولا يهتم ابن قتيبة عادة بتفسير لغويات النصوص التي يوردها ولا بشرحها،وقد يعلِّق عليها أحياناً، ينقد بعض ما يرويه لكن نقده يقوم على الذوق لا على التحليل والتعليل .
قيمة الكتاب:
الكتاب على قدر كبير من التنظيم وهو أول ما نلقى من تأليف عربي منظم.
وخاتمة الكتاب لا تشعر بانتهائه؛ حيث خلا من تراجمٍ لثلاثة من كبار شعراء عصره، وكانوا معاصرين له، وهم:
أبو تمام, والبحتري, وابن الرومي .
طبع الكتاب ونشره:
كان كتاب الشعر والشعراء من أوائل المصادر العربية التي قام على تحقيقها ونشرها المستشرقون.
ففي العالم العربي طبعه لأول مره السيد محمد بدر الدين الخانجي سنة(1302هـ -1904م)، وطبعه محمود توفيق بمطبعة المعاهد بمصر سنة (1350هـ - 1932م)، وحققه أيضاً الأستاذ أحمد محمد شاكر، وصدرت الطبعة الأولى لهذا التحقيق سنة( 1945م )، والطبعة الثانية عن دار المعارف بمصر ( 1969م ).