المحاضرة الرابعة عشرة
(خصائص النثر العباسي ونماذجه)
تناولنا في عدة محاضرات مجموعة من أعلام النثر العباسي: (ابن المقفع، سهل بن هارون، الجاحظ، ابن قتيبة، ابن العميد، الآمدي،....).
ثم عرضنا لكتابين من كتب العصر العباسي وهما:“ البيان والتبيين“ للجاحظ ،و“ الشعر والشعراء ” لابن قتيبه.
وتحاول هذه المحاضرة أن تعرض لبعض خصائص النثر العباسي، ونماذج من رسائل ابن المقفع.
• خصائص النثر العباسي:
تميز النثر العباسي بعدد خصائص، منها:
أولاً- التعقيد والموضوعية:
إزاء التطور الحضاري المتناهي في العصور العباسية غدت الكتابة – كسائر فنون العصر- صناعة معقدة في قواعدها وأساليبها.
حتى إذا أهلَّ فجر القرن الرابع الهجري كان الطابع الموسوعي قد وضع مياسمه على الكتابة والتأليف وما استتبع ذلك من مصنفات وكتب كان الجاحظ رائدها الأول.
وقد تطلب ذلك كله من الكاتب مؤهلات لم يكن الكاتب في سالف العهد يحتاج إلى مثلها، حين لم يكن عليه إلا أن يكون فصيحاً، متسماً بالبداهة، قادراً على الارتجال.
ثانياً- الاستطراد:
وقد نجم عن الطابع الموسوعي في التأليف وما انطوى عليه أسلوب ذلك العصر من إسهاب، بروز ظاهرة الاستطراد.
فحين كانت المسائل معينة والأفكار محددة لم يكن على الكاتب في صدر الإسلام أو في العصر الأموي، أو حتى على الكاتب في أواخر عهد بني أمية وأوائل عهد بني العباس أن يسترسل في موضوعه ويتوغل في شعاب الفكر ووجوه الرأي.
أما الأمر في هذه الحقبة العباسية المغايرة فقد بات مختلفاً بعد اتساع المعارف وغزارة الأفكار.
ويبدو أن الجاحظ وجد في هذا الوضع الجديد ما يثقل على القارئ العربي الذي ألف اللمح والإيجاز واعتاد سماع المثل السائر أو الخطبة المقتضبة.
فكان لابد للكاتب تجاه ذلك، ومن منطلق نفساني، أن يخلل ركام الآراء المسهبة وفيض المسائل المستفيضة بمحطات أو استراحات ينعطف إليها بقارئه ويِحرص من خلالها على أن يريحه من عناء المتابعة ووطأة التقصي، فكان من جراء ذلك أن جنح إلى الاستطراد. والجاحظ كان صاحب هذا المذهب ورائده والداعي إليه.
ثالثاً- الزخرفة والتصنيع:
ومن أهم ما انطوت عليه حياة الناس في العصر العباسي ذلك التبدل الحضاري الكبير حين تغيرت ملامح الحياة تغيراً أساسياً؛ فتهدم إطارها القديم وحل محله إطار جديد من الزخرف والتصنيع. فقد أخذ الناس يعيشون معيشة حضارية مترفة لا تتصل بالبادية ولا بالحياة العربية القديمة، وإنما تتصل بالأناقة والترف والزينة ... وطبيعي أن يسري هذا الذوق من حياة العباسيين الاجتماعية إلى حياتهم الأدبية لأنه تعبير عصرهم الذين عاشوا فيه.
رابعاً- ظاهرة السجع:
وواقع الأمر أن السجع إنما وضع مياسمه على الرسائل الديوانية أي المنشورات الرسمية أول الأمر، وبخاصة في إبان القرن الثالث الهجري.
ثم أتى القرن الرابع ليشهد استمرار هذه الظاهرة الفنية بل استفحالها فيما تلا ذلك من العصور.
ولم تعد ظاهرة السجع وسائر ألوان البديع محصورة في نطاق الرسائل الديوانية بل أخذت مدى أبعد وأشمل وأخذت تسري في الرسائل الأدبية وفي أنماط نثرية أخرى كان أشهرها المقامات.
حتى ليمكن القول إن هذا الأسلوب النثري المسجوع أصبح النمط الأثير إلى القلوب في تلك الحقبة العباسية وما تلاها بعد ذلك من عهود. ولقد سرى السجع إلى المؤلفات والمصنفات مما يتصل بكتب الأدب وبغيرها من كتب التراجم والأخبار والتاريخ...وبدا ذلك شائعاً في مقدماتها وخطب مؤلفيها.
وترك كل ذلك مياسمه على أسماء تلك الكتب والمصنفات، مثل:
”يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر“ للثعالبي،و“زهر الآداب وثمر الألباب“ للحصري،و“إنباه الرواة على أنباه النحاة“، ... وهكذا وجدنا الكتَّاب والمصنفين يلتزمون هذه التسميات في عناوين كتبهم في القرون التي تلت، مثل كتاب:“نهاية الأرب في فنون الأدب“ للنويري،....
نماذج من النثر العباسي:
يقول ابن المقفع في تهنئته بمولودة لأحد أصدقائه:
” بارك الله لكم في الابنة المستفادة، وجعلها زيناً، وأجرى لكم بها خيراً، فلا تكرهها، فإنهن الأمهات والأخوات والعمات والخالات، ومنهن( الباقيات الصالحات ) وربَّ غلام ساء أهله بعد مسرتهم، وربَّ جارية فرَّحت أهلها بعد مساءتهم“.
اقتبس ابن المقفع من القرآن الكريم كلمة( الباقيات الصالحات) واعتنى بالإيجاز والاقتصاد الشديد.
ويقول ابن المقفع في التعزية عن ولد:
” إنما يستوجب على الله وعده من صبر لله بحقه، فلا تجمعنَّ إلى ما فُجعت به من ولدك الفجيعة بالأجر عليه والعوض منه، فإنها أعظم المصيبتين عليك، وأنكى المرزئتين لك، أخلف الله عليك بخير، وذخر لك جزيل الثواب“.
المرزئتين: المصيبتين.
والدقة المنطقية واضحة في هذه الرسالة مع ما يجري فيها من طرافة التفكير، فقد جعل الجزع على الولد فجيعة لا تقل عن فجيعة فقده، بل جعلها أعظم وأنكى، إذ تحرم صاحبها الثواب.
وتلطف فدعا لصاحبه أن يعوضه الله عن ولده ويخلف عليه بخير منه.