المحاضرة العاشرة
مستويات تحليل البنية اللغوية
أنظمة اللغة مترابطة، وعملية الفصل بينها تكون لغرض الدراسة فقط، ويعدّ النحو لبُّ هذه الأنظمة، فهو محصلتها النهائية، إذ يصل بين الأصوات (المادة المنطوقة) والدلالات (المعاني). وعلى الرغم من احتفاظ كل لغة بطريقتها الخاصة في كل هذه الأنظمة، ورغم وجود قواعد نحوية خاصة بكل لغة، إلا أن العلماء انشغلوا بفكرة النحو الشامل، أو النحو الكلي، وهو الوصول إلى القواعد النحوية العامة التي توجد في جميع اللغات، وهذا في النهاية لا يغني عن وجود قواعد نحوية خاصة بكل لغة، وهو ما يلاحظه المترجمون، فالنقل من لغة إلى أخرى يتبيّن الخلاف بين اللغات
في طرق نظم الكلام وصياغته، فنعبّر بالعربية عن قوّة الحق بقولنا:(الحق قوّة). ويعبّر عنها الإنجليز بقولهم:(Right is might) فيُؤتى بالفعل المساعد (المورفيم) (is) لكي يتم الإسناد بين الاسمين، فالعربية استغنت عن هذا المورفيم بمورفيم صفري يدلّ على عملية الإسناد. والإنسان يكتسب طريقة أهله في تأليف الجمل وتركيبها منذ الطفولة، فيستخدمها بطريقة لا شعورية. بينما نراه يتعثر ويخطئ عندما يحاول التكلم بلغة أخرى، فيبذل جهدا شعوريا في تأليف الجمل.
والعلم الذي يعنى بدراسة وتحليل ووصف النظام الذي يضبط عملية تركيب الجمل ونظم الكلام هو النحو، فهو يبحث في نظم
التراكيب وما يرتبط بها من خواص.
والحقيقة أن محاولة الكشف عن هاذ النظام شغلت العلماء قديما وحديثا، لكن ما يجب تأكيده هو أن قواعد اللغة التي يستنبطها عالِم اللغة ليست هي اللغة ذاتها، لأن اللغة شيء وقواعدها شيء آخر، فالقواعد هي تصور عالِم اللغة لما يجري داخل اللغة، وهو عمل علمي تجريدي، ومن هنا فتصوّره للغة ليس بالضرورة أن يكون التصوّر الوحيد لما يجري داخل اللغة، فقد تتعدد التصوّرات في شكل نماذج متعددة لتحليل اللغة الواحدة، طِبقا للنظريات والمبادئ التي يطبقها عالِم اللغة، ومن الأمثلة على ذلك النموذج الذي نعرفه في النحو العربي.
ونُمثّل على النماذج اللسانية الحديثة في دراسة النظام النحوي للغة، بما قدّمه بلومفيلد عالِم اللغة الأمريكي عام 1933. فقد نبذ بلومفيلد
المبادئ العقلية في التحليل ونادى بإحلال المذهب الشكلي الآلي الذي به تتحقق الموضوعية، بمعنى الاستعاضة عن التعريفات القديمة للعناصر اللغوية التي كان يدور حولها الفكر اللغوي، مثل الكلمة والاسم والفعل والحرف، بدراسة سلوك هذه العناصر داخل البنية اللغوية، كما تتمثل في الفونيمات والمورفيمات، وذلك من خلال المواضع والمواقع التي تحتلها هذه العناصر في الحديث اللغوي، ورأى أن هذه الوحدات هي وحداة محدودة ومحصورة، ولكنها ذات قدرات توزيعية غير محدودة.
وقد اختلف مفهوم الجملة عنده عن المفهوم الشائع في الدراسات اللغوية التقليدية، فقد رأى أن الجملة في جميع اللغات عبارة عن
طبقات يتركّب بعضها فوق بعض، ومهمة التحليل اللغوي أن يبيّن لنا هذه الطبقات من حيث سلوكها وتوزيعها فقط، ومعنى هذا أن الجملة لم تعد ذلك البناء الطولي الذي يتركّب من عناصر لغوية بعضها بجوار بعض، وإنما طبقات تركب بعضها فوق بعض. ويتمثّل ذلك في منهج التحليل إلى المكونات المباشرة، ومن أشهر صوره التحليل الشجري، الذي يرسم صورة بيانية لشبكة العلاقات بين العناصر اللغوية المكوّنة للجملة. وسنمثّل على ذلك من خلال عرض نموذج أثناء تسجل هذه المحاضرة.
المستوى الدلالي
إن المستويات الثلاثة السابقة: الأصوات والمورفيمات والجمل هي الهياكل والقوالب التي تجسّد صرح اللغة، ولكن هذه الهياكل أو القوالب لا يمكن أن تكون وسيلة للتواصل والتفاهم بين أفراد المجتمع. وبعبارة أخرى لا تكون لغة إلا إذا كان لها معنى، فليست اللغة مجرّد ضوضاء منظّمة، أيْ موضوعة في قوالب فحسب، إن لها معنى، فالمعنى هو الأساس الذي يقوم عليه التفاهم بين أفراد المجتمع، وما هذه القوالب إلا سفيرة لهذا المعنى، أيْ مجرّد وسيلة له. ومن ثمّ كان المعنى هو المشكلة الجوهرية في اللسانيات، فقال فيرث: إن المهمّة الأساسية للسانيات الوصفية هي توضيح المعنى.
والدراسة العلمية للمعنى تسمّى علم الدلالة، أما دراسة المعنى بصورة عامة فهي قديمة جدا في الشرق والغرب، وإنما التاريخ للبداية هنا مرتبط بكون برايل نقل دراسة المعنى إلى الحقل العلمي المنهجي.
ويعاني علم الدلالة كثيرا، نظرا إلى أن موضوعه لم يحدد تماما، كما أن مصطلحاته لم تحدد بدقة، ومن ثمّ لم يتمكّن أحد من أن يقدم نظرية شاملة ومرضية للدلالة، ويرجع ذلك في الحقيقة إلى أن طبيعة الموضوع تستعصي على البحث العلمي المجرّد، وإذ يتعيّن على الدراسة العلمية أن تكون تجريبية، ويكون ممكنا
اختبار البيانات وتحققها بشكل ما، وإذا كان من السهل تطبيق ذلك على الأصوات، فلسوء الحظ ليس ثمّة طريقة سهلة مشابهة لوصف الدلالة، ذلك أن المعنى قضية نفسية، بمعنى أن كل شيء يمرّ داخل النفس، ويصعُب إن لم يستحيل تطبيق المنهج التجريبي على الأمور النفسية، كما أن المعاني كالرمال المتحركة، غير مستقرّة، لأنها تعتمد على المتكلمين والسامعين والسياق.
من هنا جاء تركيز كثير من العلماء في هذا القرن على الشكل، وعلى رأسهم بلومفيلد، وظل الأمر كذلك حتى جاء تشومسكي.
وقد كان ما تعرضنا له سابقا من تصور دي سوسير الثنائي للدلالة القائم على أساس الدال والمدلول، أساسا للدراسات اللسانية
الدلالية فيما بعد، فقد قام عالمان هما (أوجدن وريتشاردز) بتوجه نقد لما قدّمه سوسير بسبب إهماله للأشياء التي تمثّلها الكلمات (المرجع)، مما أبعده عن منهج التحقيق العلمي، وقدما التصور البديل المتمثل في مثلّث الدلالة السكولاستي، الذي أضافا إليه الشيء (المسمى) فأصبحت الدلالة كيانا من ثلاثة أبعاد هي : المدلول والدال و المسمى.
إن مثلث الدلالة هذا يمكن أن يحلل إلى ثلاث علاقات ثنائية، اثنتان أساسيتان، والثالثة ثانوية. فأما العلاقتان الأساسيتان، فعلاقة المدلول بالدال، وعلاقة المدلول بالمسمى، والعلاقة الثانوية غير المباشرة فهي القائمة بين الدال والشيء في العلَم الخارجي.
وقد قسمت اللسانيات الحديثة المعاني قسمين هما:
1- المعنى المعجمي 2- المعنى البنيوي أو القواعدي.
فأقسام الكلام الرئيسية مثل (الأسماء والأفعال والصفات) لها معنى معجمي مُثبت في المعجم، وأما الضمائر والأدوات والحروف فهي ذات معنى بنيوي أو قواعدي، لكن لا يعني ذلك أن الكلمات ذات المعنى المعجمي ليس لها معان بنيوية أو قواعدية، بل هي ذات معنى معجمي وآخر قواعدي.
والمعاني المعجمية للكلمات في أيْ لغة ذاتية، أيْ هي خاصة باللغة التي تنتمي إليها، ولذلك كان لكل لغة بنيتها الدلالية الخاصة بها. من هنا فقد ركّزت اللسانيات البنيوية على المعنى القواعدي
البنيوي وأهملت المنعى المعجمي، فالكلمات القواعدية في أيّ لغة تنتمي إلى مجموعة مقفلة من المفردات، قليلة العدد وثابتة في المعنى والوظيفة، بينما تنتمي الكلمات المعجمية إلى مجموعات مفتوحة، وذات عضوية كبيرة غير محدودة، فهو معرّضة للزيادة باستمرار تلبية لحاجات الاتصال للجماعة اللغوية.
نظريات المعنى:
لقد تعددت المنطلقات إلى دراسة المعنى وتنوعت، واختلاف المنطلقات والاتجاهات أدى بالضرورة إلى ظهور نظريات مختلفة للمعنى، بعضها فلسفي وبعضها لساني، نمثّل على كل نوع بنظرية:
أولا : النظريات الفلسفية:
1- نظرية الإشارة 2- التحقق 3- شروط الصدق 4- الاستعمال 5-الفكرة.
نظرية الإشارة:
تعدّ واحدة من أقدم نظريات المعنى، وأكثرها جاذبية، ترى أن معنى كلمة ما هو الشيء الذي تسميه أو تدل عليه، فتنظر إلى الكلمات وكذلك الجمل على أساس أنها مثل الرمز، والرمز يعني شيئا آخر غيره، فالدخان يعني النار، والقلب المُختَرَق بسهم ويقطر دما يعني الحب، وكذلك الكلمات والجمل تشير إلى ما وراء أنفسها وذواتها، إنها تعني الشيء الذي تفيد التفكير فيه.
فلو سأل سائل: ما التفاحة؟ وهو في بستان تفاح، يُجَاب: هل ترى ذلك الثمر على تلك الشجرة؟ إنه التفاح، وهذا يعني أننا عرفنا معنى كلمة (تفاح) بالإشارة إلى ما تمثّله في العالَم الخارجي.
ومن النقد الذي وُجِّه لهذه النظرية، أن معرفة معنى كلمة يتطلب أو يتوقف على معرفة معاني الكلمات الأخرى المرتبطة بها ككلمات (ثمرة، شجرة، ...الخ) في المثال السابق، وهذا يتطلّب إلماما جيدا باللغة المعنية لكي تستخدم التعريف الإشاري.
كما أنها تصلح فقط للأشياء الموجودة في الحقيقة في العلَم الخارجي، فالوجود المادي أساسي للإشارة، فكيف نشير إلى المعاني المعنوية كالحب والكرم والجمال.
ثانيا: النظريات اللسانية:
1- السياقية (سياق الحال) 2- السلوكية 3- النزوعية 4- الذهنية.
النظرية السياقية:
يُقصد بها النظرية الفيرثية للمعنى لأنها طُوِّرت من قبل فيرث زعيم مدرسة لندن اللغوية، ومعاني الكلمات بناء على هذه النظرية يعتمد في تقديره على السياق. قال فندريس:» الذي يعيّن قيمة الكلمة هو السياق، وهو الذي يفرض قيمة واحدة بعينها على الكلمة على الرغم من المعاني المتنوعة التي بوسعها أن تدل عليها، والسياق أيضا هو الذي يخلّص الكلمة من الدلالات الماضية
ولقد سبق لغويو العرب إلى هذا الفهم، فقالوا: لكل مقام مقال.
لقد حققت هذه النظرية بعض المنجزات وأسهمت بنصيب لا بأس به في معالجة قضية المعنى، ولقد فجّرت ثورة في طرق التحليل الأدبي، ومكّنت الدراسة التاريخية للمعنى من الاستناد إلى أسس أكثر ثباتا، ووصفت مقاييس لشرح الكلمات، ولو قُدِّر لهذه النظرية أن تُطَبَّق بحكمة وعناية، لشكلت القاعدة الصلبة وحجر الأساس لعلم المعنى.
لكن مشكلة هذه النظرية أنها لا تصلح للتعامل إلا مع أبسط استعمالات اللغة، التي يمكن أن تلاحظ فيها الحال، وتعتمد عليه في تحديد المعنى، فإذا فقد المترابط القابل للملاحظة، عجزت عن العمل