السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
واسعد الله جميع اوقاتكم بكل خير
ذكر أبو نعيم الأصبهاني موقفاً جميلاً بين الإمام الشافعي وتلميذه الربيع بن سليمان،
أنَّ الربيع قال: مرض الشافعي فدخلت عليه. فقلت: يا أبا عبدالله ،قوى الله ضعفك ، فقال: يا أبا محمد لو قوَّى الله ضعفي على قوتي أهلكني،
قلت: يا أبا عبدالله ما أردت إلا الخير .
فقال: لو دعوت الله علي لعلمت أنك لم ترد إلا الخير.
لله درُّ هذا الإمام الذي كان في شدَّة ألمه، ويتحدَّث مع أحد طلبته، ويرشده ويعذره،
بل يبين أنَّه إن سمع منه كلمة فيها سوء لم يزده ذلك إلاَّ أن يظنَّ به الخير.
ونحن في حياتنا التي نعيشها، فإنَّنا نتقلَّب بين مسراتها وأحزانها، وأفراحها وأتراحها،
بين المشجعات والمحفزات في العمل، وبين المثبطات والمحبطات في متغيرات الأوقات،
أمور يدور بعضها في بعض ممَّا يستدعي أن تكون النفس المسلمة أقرب إلى التوازن في نظرتها للأحداث كما يليق.
ويتعلم المرء من معاركته للحياة، وتجارب السنين والأيام،
حاجة المجتمع المسلم لتكون لديه القدرة والفاعلية للموازنة بين حسن الظن والتماس المعاذير وكذلك إساءة الظن لمن يستحقون ذلك.
نحن في حياة تمور بنا مورا، ونفوس بعضها مشرب بحب الخير، وقلوب ترتع بالبر والطاعة والقربى،
وأناس مشغولون منهكون بأعمالهم اليومية وحياتهم المعيشية، وآخرون تجتاحهم المصائب وتنوبهم النوائب،
وتعترضهم الجوائح وقد نلقي عليهم التهم لتقصيرهم في حقنا فإذا ما علمنا أنَّه قد صار لهم (كيت وكيت) من الأذى ومصائب الدهر
رجعنا على أنفسنا باللوم وجلد الذات وقلنا: ليتنا لم نعاتب فلقد كان أولئك القوم في عذر شغلهم عنَّا.
وآخرون ـ ويا ويلهم ـ يكيدون لنا كيدا، ويحاولون الإضرار والضرار، لسوء تربية ودنو همة وضعف وازع ديني يردعهم عمَّا يحرِّمه الله أو يستقبحه البشر.
المسلم ـ أحيانا ـ يحتار ويقول: كيف لي أن أتعامل بين طبقات المجتمع، إذ إنَّ الغالب من الناس في زماننا ـ إلا ما رحم ربي وقليل ما هم ـ
يسيئون الظن بأهلهم وأقاربهم وجيرانهم ومعارفهم وأصحابهم!
وليس ما أدعيه رجماً بالغيب، أجزم أنَّها ملاحظة يتفق معي فيها الكثير من الناس.
إنَّ مشكلة إساءة الظن بين مجتمعاتنا ينتج عنها كثير من القبائح والذنوب والمصائب والعيوب مع الهم والغم الملازم لصاحبها،
فالكثير يقع في الغيبة والنميمة والبهتان والكذب وقول الزور بل شهادة الزور.
وقلَّ أن نلاحظ في مجتمعاتنا أناساً يميلون إلى مدارسة القضية، ومذاكرة الأسباب التي قد تردعهم عن إساءة الظن ،
ولهذا تنمو بيننا الأمراض والعيوب وتعشعش على قلوبنا هذه المنغصات،
حتى قد يصل بنا الحال بعد ذلك إلى الهجران وانعدام السلام ، وتنمو هذه الأمراض أكثر فأكثر حتى تصل إلى مبادلة الاتهمات وإطلاق السباب،
وتؤثر علينا بأمراض مزمنة نفسية ونحن لا نشعر بذلك إلاَّ بعد فوات الأوان.
أدرك أنَّ هنالك أناساً يميلون لفعل السوء والسيئ والخطأ والخطيئة، وأوقن أنَّ هنالك ثرثارين همَّازين مشاءين بالنميمة والقيل والقال،
وأنَّ هنالك أصنافاً من البشر من لا يطاق بمجالسته، أو التحدث إليه، وأنَّ تغليب جانب إساءة الظن فيهم على ما هم فيه من سوء وقبح خلق،
ينبغي أن يكون المؤشر الأول قبل إحسان الظن أو التماس المعاذير، ولكن أليس هنالك أناس كثر قد نظلمهم بإساءة الظن بهم، ولا نعتذر لهم أو نعطيهم أدنى درجة من درجات التعاطف والمعذرة.
( التمس لأخيك سبعين عذرا)
أخرج أبو داود في سننه عن عبدالله بن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كم نعفو عن الخادم؟
فصمت ثم أعاد عليه الكلام فصمت فلما كان في الثالثة قال: (اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة)
والحديث حسَّنه ابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح:(3/341)، وصحَّحه الألباني في صحيح سنن أبي داود:(5164).
وجاء قريبا من معنى الحديث :(التمس لأخيك سبعين عذرا) حيث تقال على ألسنة الكثير من الناس ـ مع قلَّة من يعمل بها ـ
إلاَّ أن هذا القول ليس حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
بل هي مقولة لجعفر بن محمد حيث قال:(إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذراً واحداَ إلى سبعين عذرا، فإن أصبته وإلا قل: لعل له عذرا لا أعرفه).*
هذا الأثر الجميل ما اجمله وما أبهاه قيمة ومعنى، وما أحسن صياغته وصبه في قالب النفسية والسيكولوجية التي يعيش بها المرء المسلم،
لكي يلقي العذر للآخرين ولا يجعل للشيطان عليه سبيلا أو أن ينقص من درجاته وحسناته وهو لا يشعر.
القطار سار ومن الصعب إيقافه ، وترجع الخيبة لمن ظنَّ سوءاً ويبوء بالخسران الديني والدنيوي
ويشعر أنَّه قد وقع في الحفرة ولات حين مناص.