المحاضرة السابعة
اللغة العربية تنعي حظها بين أهلها
للشاعر: حافظ إبراهيم
مقدمة:
تناولت هذه القصيدة غرضاً شعرياً من أغراض الشعر العربي القديم وهو الرثاء، فقد نهج
الشاعر فيها منهج البحتري في رثائه للحضارات، فقد رثي حافظ اللغة العربية التي تموت بين
حُماتها وينزف لسان القوم دماً وهم يفزعون لهولها. والفرق بين رثاء البحتري ورثاء حافظ
أن حافظاً تحدث عن حضارة اللغة العربية وهي باقية لحفظ القرآن الكريم لها ، وحماتها باقون،
أما حضارة الفرس فقد ولت وذهبت.جعل حافظ إبراهيم من اللغة إنساناً يدافع عن نفسه، قائلاً:
القصيدة:
رَجَعْتُ لنفسي فاتَّهَمْتُ حَصَاتي وناديتُ قَوْمي فاحْتَسَبْتُ حَيَاتي
رَمَوْني بعُقْمٍ في الشَّبَابِ وليتني عَقُمْتُ فلم أَجْزَعْ لقَوْلِ عُدَاتي
وَلَدْتُ ولمّا لم أَجِدْ لعَرَائسي رِجَالاً وَأَكْفَاءً وَأَدْتُ بَنَاتي
وَسِعْتُ كِتَابَ الله لَفْظَاً وغَايَة وَ مَا ضِقْتُ عَنْ آيٍ بهِ وَعِظِاتِ
فكيفَ أَضِيقُ اليومَ عَنْ وَصْفِ آلَةٍ وتنسيقِ أَسْمَاءٍ لمُخْتَرَعَات
أنا البحرُ في أحشائِهِ الدرُّ كَامِنٌ فَهَلْ سأَلُواالغَوَّاصَ عَنْ صَدَفَاتي
فيا وَيْحَكُمْ أَبْلَى وَتَبْلَى مَحَاسِني و مِنْكُم وَإِنْ عَزَّ الدَّوَاءُ أُسَاتي
فلا تَكِلُوني للزَّمَانِ فإنَّني أَخَ افُ عَلَيْكُمْ أنْ تَحِينَ وَفَاتي
أَرَى لرِجَالِ الغَرْبِ عِزَّاً وَمِنْعَةً وَكَمْ عَزَّ أَقْوَامٌ بعِزِّ لُغَاتِ
أَتَوا أَهْلَهُمْ بالمُعْجزَاتِ تَفَنُّنَا فَيَا لَيْتَكُمْ تَأْتُونَ بالكَلِمَاتِ
اللغويات:
حصاتي: عقلي ورأي.
احتسبت حياتي: جعلت حياتي فداء ابتغاء مرضاة الله عز وجل.
بعقم :العقيم التي لاتولد.
عقمت: انتهت واندثرت.
عرائس: جميلات والمراد فصاحة اللغة وبلاغتها
وسحرها.
وأدت: دفنتها حية فاللغة حية لن تموت وإنما يجني عليها الأحياء بدفنها حية.
وسعت كتاب الله: اتسعت له فأصبحت بكتاب الله تعالى معجزة خالدة.
لفظاً: بلاغة.
غاية:تشريعاً وأخلاقاً.
أضيق: لا أتسع والمراد أجمد فلا أنقاد لمستحدثات الآلات الحديثة والمخترعات.
صدفاتي: معادن ثمينة والمراد السحر من بليغ القول.
أبلى:أفنى وتفنى حيوتي وفصاحتي.
عز الدواء: قل الدواء فلا يكاد يوجد من يحمي اللغة العربية.
أساة: جمع أسى: وهو
الطيب والمراد من يدافع عن اللغة العربية وطوعها للعصر.
تكلوني: تتركوني.
الشرح:
تقول اللغة العربية حينما فسدت الألسنة وتبدلت الفصاحة، فتشت عن الأسباب في نفسي ،
فاتهمت عقلي بالتقصير ، وتتساءل كيف أكون ذلك ، وقد جعلت حياتي لخدمة الأمة ابتغاء
مرضاة الله عز وجل.
٦): إنهم رموني ظلماً بالجمود والتحجر، ويا يليتني لغة ميتة جامدة لكي لا أحزن من - من( ٢
شماتة الأعداء التي تلاحقني في كل عصر، ومع ذلك
فإنني مع كل يوم يظهر سحر من أسراري يحتاج إلى رجال يحفظونه ، ولما لم أجد، انطفأ بريق
سحري واختفت اسراري الجميلة فيهم لتظل باقية حية في كتاب الله تعالى الذي اتسع لألفاظ من
بحري الغزير فسلكها في أسلوب معجز، فكيف اليوم أضيق بصنع المخلوقين، الذين عجزوا عن
تطويع كلماتي لمخترعاتهم وآلا تهم، ولو فتشوا عن العلماء والبلغاء ، وبحثوا
في التراث القديم، لوجدوا في أعماقه ما يحتاجه العصر من مصطلحات وأساليب وصور.
١٠ ) وتستغيث اللغة العربية بقومها ، لأنها أخذت تذوي بينهم شيئاً فشيئاً، وحينئذ - من( ٧
تموت، لتقوم لغة الغرب، وحينئذ يكون لرجالها عزاً ومنعة، وكيف لا وعزة الأمم في لغتها
وتراثها.لقد حقق الغرب بلغتهم وتراثهم المعجزات، بينما عجزت الأمة العربية في هذا العصر
عن مواكبتها في النهضة ، بل عجزت عن مجاراتها بلغتها العربية الفصيحة.
البلاغة:
يلاحظ التشبيه في قوله: ( أنا البحر....)، حيث شبهت اللغة نفسها بالبحر.
ومن الاستعارات: ( فاتهمت حصاتي- رموني بعقم- لم أجد لعرائس،...).
يؤخذ على الشاعرقوله على لسان اللغة العربية:( وسعت كتاب الله لفظاً وغاية).والصحيح أن
كتاب الله وهو الذي اتسع لها.
الإعراب:
رجعت: رجع فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل، والتاء ضمير مبني في محل
رفع فاعل.
وسعت كتاب الله: وسعت فعل وفاعل.
كتاب: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، كتاب مضاف ، ولفظ الجلالة مضاف إليه.
أنا البحر: أنا: ضمير مبني في محل رفع مبتدأ.
البحر: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
الصرف:
احتسبت: على وزن افتعلت.
عقمت: على وزن فعلت.
أحشائه: على وزن أفعاله.