
المحاضرة الحادية عشر
مقدمة
نشأت الحاجة إلى البحث العلمي في علم الاجتماع البيئي ارتباطا بطبيعـة التغيـرات التكنـولـوجية والاجتماعيـة والمشكلات البيئية الملحة في عالم اليوم ، وبضرورة العمل على إقرار علاقة متوازنة بين الإنسان والبيئة. ورغم أن هذا الميدان قد يبدو جديدا على البحث الاجتماعي إلا أن علـم الاجتمـاع يتضمن منـذ نشأتـه المحددات البيئية للسلوك فقد بحث ابن خـلدون في أهميـة العلاقـة بين التنظيم الاجتماعي وأشكالـه مـن جهة وظـروف المعيشـة من جهة أخرى .
وقد اهتم المتخصصون في علم الاجتماع الريفي بدراسة وفهم استخدامات الأرض والنشاطـات وبمـوضوعات أخرى لها علاقة بعلم الاجتماع البيئـي فهـم أول مـن استجـاب للمشكـلات البيئية من وجهة نظر اجتماعية.
كما استفاد علماء الاجتماع البيئي المحدثين من كتابات «إميل دوركايم» الـذي ربـط بين درجة تعقيـد البنـاء الاجتماعـي والكثافـة السكانية ونـدرة المـوارد والعمليات الاجتماعية فالـزيادة السكانية ضمن موارد محدودة أو نادرة تؤدي إلى عمليات التنافس والصراع مما قد يؤدي إلى استنزاف للموارد وتعاظم المشكلات الاجتماعية.
وقد قام العلماء الذين تأثروا بكتابات دوركايم «روبرت بارك وإرنست برجس وآخرون» بتطوير علم الإيكولوجيا البشرية في جامعة شيكاغو. وقد ركز علماء الإيكولوجيا البشرية في أبحاثهم على:
1- التماثل الموجود بين التنظيم في المجتمعات الإنسانية والتنظيم في المجتمعات غير الإنسانية.
2- التوزيع المكاني للسكان ومكان السكن والحركة اليومية للسكان بالإضافة إلى التغير في التنظيم السكاني للمجتمعات المحلية وارتباط هذه الجوانب بالناحية الاقتصادية والتكنولوجية وتطورها.
وعلى الرغـم مـن أن علماء الإيكولـوجيا البشرية قد اعترفوا بأهميـة علاقة البيئـة بتنظيم الحياة الاجتماعية إلا أنهم لم يدرسوها بالتفصيل . وهـذه الحقيقـة المقتـرنة بإهمـال الثقافـة والقيـم جعلـت الاستفادة مـن الإيكـولوجيا البشرية في مجال علم الاجتماع البيئي محدودة .
وقـد بدأت تبـرز اتجاهات نظريـة أخرى منافسة كالنظرية الوظيفية التي لـم تستطع بحكـم طبيعتهـا المحافظـة أن تقـدم تفسيرا لأسباب المشكلات الاجتماعيـة بما فيهـا المشكلات البيئيـة مما أدى إلى قيام محاولات مختلفة للتوصل إلى نماذج نظرية تصلح لدراسة النسـق البيئـي بمضمـونه الاجتماعـي بالاعتمـاد على كتابات بعض أهـم رواد علـم الاجتماع مـثل «إميل دوركايم» و «ماكس فيبر» و «كارل ماركس» .
ويمكن عرض هذه الاتجاهات فيما يلي :
أولا : النمط المحافظ
وهو امتداد لفكر «إميل دوركايم» وينطلق من اعتباران القيم وتغيرها هي العامل الأساسي في توجيه المجتمعات نحو الانحدار البيئي . وينقسم أصحاب هذا الاتجاه إلى فئتين :
1- 1ـ من يـرون أن ظهـور المشاكل البيئيـة في المجتمعات الغـربية ارتبط بتغير نسـق القيـم الذي أدى إلى ظهور قيم الفردية والعالمية والإنجاز في المجتمعات الصناعية وأن الرخاء والوفرة تعتبر قيما إيجابية وظيفية مقبولة ترتبط بالنمو الاقتصادي مما أدى إلى إغفال بحث نتائج هذا النمو وجعل السيطرة عليه أمرا صعبا.
2- أمـا الفئـة الثانيـة فيهتـم أصحابهـا بطبيعـة المجتمـع الصناعـي وبالتصنيع حيث يرون أن المجتمعات الصناعية تستخدم تكنولوجيا تؤدي إلى تلوث بيئي وذلك بإلقائها الفضلات الصناعية التي تلوث الماء والهواء . وبما أن تغير القيم يؤدي إلى تقسيم معقد في العمل تتصف به المجتمعات الصناعية فإن هذه العناصر الثقافية لابد أن تعتبر السبب الرئيسي في انحدار البيئة الناتج عن الصناعة . وقـد ربطوا بين النمو الاقتصادي ومستوى المعيشة وبناء عليه فهـم لا يقـدمـون حلـولا بيئية مـن شأنها أن تؤثر على القاعـدة الصناعية للمجتمعات الغربية .
ومما تقدم نجد أن تحليل المحافظين انطلق من الجوانب الثقافية للمجتمعات فقـد قـدموا تفسيـرات لظواهر اجتماعية معينة مثل تكيف الناس مـع التلـوث والسلـوك والاتجاهـات إلا أنهـم لـم يقـدمـوا تحليلات لطبيعة بناء المجتمـع ولا بيانا لـديناميكية التغير الاجتماعي وهـم ببساطة لـم يقبلـوا حـل المشكـلات البيئيـة مقابل التضحيـة بالنمـو الاقتصـادي بمعنى أنهــم يـرفضـون زعـزعـة الافتـراض القائل بـوجـود علاقـة حميمـة بين التصنيـع ومستوى المعيشة لذا كانوا دائما مترددين في اتخـاذ قرارات ومـواقف قـد تؤدي إلى تقليص القاعدة الصناعية لمجتمعاتهم .
ثانيا : النمط الليبرالي
يركز هذا الاتجاه المستمد من فكر «ماكس فيبر» على القوة والهيمنة لتوضيح المشاكل البيئية. وهناك وجهتا نظر أساسيتان في هذا الاتجاه :
1- من يرون أن الحكومة والنسق القانوني تهيمن عليها جماعات ليس لديها اهتمـام بالبيئـة وليس لها من هم سوى زيادة أرباحها والمنافع التي تؤدي إلى اتساع مجالات قوتها ونفوذها.
ويركزون على الشركات والمؤسسات التجارية والصناعية الضخمـة حيث تنظـر هـذه الشـركات إلـى البيئـة على أنهـا وسيلـة لـزيادة أرباحهـا وتوسعهـا وهـي لذلك تقـاوم إعـادة التشكيل البيئي وهذا الرفض يزيد من تفاقم المشكلات البيئية .
2- يـري أصحـاب هـذا الاتجـاه في تحليلهـم للمشكلات البيئية أن المستفيدين من الانحدار والاستنزاف البيئـي يستخـدمون وسائــل الإقنـاع الجمعي (الإعـلام) في إعطـاء صفـة الشرعية لأهدافهـم وأعمالهـم كما يقـومـون بإقنـاع الناس بـواسطـة الإعـلام بـزيـادة الاستهـلاك وبـأن الاقتصـاد الـدائـم النمــو أفضــل وسيلـة لـرفــع مستـوى المعيشة . وهكـذا فإن استغلال الـرمـوز الثقافية لإعطـاء صفة شرعية للتنظيمات الاقتصادية في المجتمع يؤدي إلى تطـور المشكلات البيئية وتفاقمها . ويكمـن الحـل الوحيـد بوجوب تضافـر جهود المهتمين بالبيئة لإزاحة القوة السياسية والهيمنة التي تمتلكها الشركات.
وبالرغم من أن النمط الليبرالي قدم تفسيرا لأسباب ظهور المشكلات البيئيـة وربطـه بالقـوة والهيمنـة ومصالـح الشركـات الكبـرى داعيا أنصار البيئة لتولي عملية تقليص أو نزع هذه القوة والهيمنة إلا أن هناك العديد من أوجه النقد التي توجه إلى هذا الاتجاه منها :
1- أن المشكلة تكمن في النظام الرأسمالي ومن الصعب تغيير ميزان القوة وأخـذه مـن الشركات المهيمنـة ذات المصالـح ذلك أن التوسع الاقتصادي هـو اللبنة الأساسيـة في النظام الرأسمالي والذي يتطلب استنزافا هائلا لمصادر الطاقة والموارد لتحقيق النمو الاقتصادي.
2- أن الشركات لن تقبل التغيير لأنه يعني دمارا للرأسماليين.
ثالثا : النمط الراديكالي
يقدم النمط الراديكالي المستمد مـن فكـر «كارل ماركس» تحليلا لأسباب استنـزاف البيئـة فيـرى أصحاب هـذا الاتجاه أن المشاكل البيئية ظهـرت نتيجـة اللاعقلانية المتـوارثـة فـي نمـاذج الإنتـاج الرأسمالية وأن مـن المتعارف عليـه أن التـوسـع الاقتصـادي هـو القنـاة التي حلـت مـن خلالهـا المجتمعـات الرأسمالية أزمتها مثـل فترة الركود الاقتصادي الكبير ومن هنا يصبح النمـو الاقتصـادي ضروريا ومهما جدا لزيادة الأجور وتحسين أوضاع العمال وهذا يسمح بالتالي للطبقة الرأسمالية وحلفائها بالمحافظة على أرباحها وممتلكاتها عن طريق شراء القوى العاملة.
وبما أن النظام الرأسمالي يـركـز على الملكية الفردية وليس المجتمعية فإن الاستهلاك يوجه نحـو العائلة النووية كامتـلاك أكـثر من سيارة للعائلة الواحدة يفـرض هـذا النمـط الاستهلاكـي الخاص استنزاف المصادر الطبيعية وعـدم المحافظة على توفيـر مستـوى معين من الموارد والاستهلاك وبالتالي المزيد من الانحدار البيئي.
ومن هنا فإن المنظرين الراديكاليين يرون أن النظام الرأسمالي نظام توسعي وفي الفترة التي لا يتسع فيها تصيبه حالة من الركود وبما أنه نظام مسرف فإنه يـؤدي إلى نتيجة واحـدة هي الاستعمـال المنهك لمصادر البيئة الطبيعية.
رابعا : النموذج البيئي الجديد
انطلقت النماذج النظرية البيئية الاجتماعية السابقة من أفكار النظـريــات الاجتمـاعيــة الكـلاسيـكيـة ومـن ظــروف المجتمعـات الصناعية وبيئتها . وقد أدت المشكلات المنهجية والتطبيقية للنماذج النظـريـة السابقـة إلى الاستمـرار في محـاولات بحث جديدة تهدف إلى إيجاد نماذج نظرية سوسيولوجية لتناول القضايا البيئية . ونتيجــة لهــذا ظهـــر النمــوذج البيئــي الجديد الذي طوره كلا من (كاتـون) و (دانلـوب) الذي بني على نظـرية الفهم العالمي الشامل للبيئة.
قدم «كاتون ودانلوب» نموذجا جديد لدراسة البيئة مقابل نموذج التميز الإنساني الذي ساد التفسيرات الاجتماعية السابقة. واعتمدت حجتهمــا علـى أن معظـم الأنمـاط الاجتماعيـة تنظـــر للمجتمعـات الإنسانيـة على أنهـا محــور العالـم الطبيعي ومركزه بكل ما يرافق هـذه النظـرة مـن استخدامـات للبيئة والسيطرة عليها وحل مشاكلها بالإنسان ومنجـزاته وبغـرض خدمة الإنسان دون اعتبار أو اهتمام للعناصـر البيئيـة الأخـرى بما يـؤدي إلى تقليـل قـدرة الأرض على استيعاب التلـوث وامتصاصـه وبحـق الكائنات الأخـرى بالعيش في جو خال من التلوث.
وهناك أربع سمات أساسية اشتمل عليها نموذج التميز الإنساني هي :
1- يمتلك الإنسان تراثا ثقافيا بالإضافة إلى الوراثة الجينية لذا فهو يختلف عن باقي الكائنات الحية الأخرى .
2- إن العوامل الثقافية والاجتماعية بما في ذلك التكنولوجيا هي العوامل الرئيسية التي تحدد نوع العلاقات الإنسانية .
3- تعتبر كل من البيئة الاجتماعية والثقافية إطار العلاقات الإنسانية أما البيئة الطبيعية فهي غير متصلة بالموضوع إلى حد بعيد .
3- إن الثقافة عبارة عـن تراكمـات وبمـا أن التقدم التكنولوجي والاجتماعي عمليتان مستمرتان إلى ما لا نهاية فإن ذلك يجعل كل المشاكل الاجتماعية قابلة للحل.
4- نتيجة لذلك طورا نموذجا جديدا منافسا في مجال علم الاجتماع البيئي أطلقا عليه النموذج البيئي الجديد ضمناه أربعة مبادئ أساسية هي :
1- على الرغم من اتصاف الإنسان بصفات خاصة ومميزة كالثقافة والقيم والتكنولوجيا إلا أنه واحد من أنواع كثيرة لا تعد ولا تحصى تعتمد على بعضها في النسق البيئي الكبير.
2- إن العلاقات الإنسانية لا تتأثر بعوامل اجتماعية وثقافية فقط ولكن تتأثر كذلك بعلاقات متشابكة من الأسباب والنتائج وما يترتب على ذلك من ردود أفعال في نسيج البيئة الطبيعية.
3- يعيش الناس ويعتمدون على بيئة فيزيقية محدودة تفرض قيودا حيوية وفيزيائية على العلاقات الإنسانية.
4- رغم أن كثيرا من قدرة الإنسان على الاختراع والقوة المستوحاة مـن عـدة اختراعـات قـد تبـدو للـوهلة الأولى أنها تحمل في طياتها قدرة فائقة إلا أنه لا يمكن إلغاء القوانين الإيكولوجية أو تجاوزها.
والخلاصة أنه مهما تعددت الآراء في علم الاجتماع البيئي إلا أن هناك حقيقة مؤكدة هي ضرورة فهم ودراسـة المجتمعات الإنسانيـة ضمن إطار النسـق البيئـي العـام وأن دراسة القضايا البيئية تـوجب الاهتمام بالجانب الاجتماعـي والبيئـي معا ضمن نسق من العلاقات هو النسق البيئي. ومن الصعب تبني نموذج واحد عند دراسة البيئة بسبب اتساع مفهوم البيئة ذاته وتشعب وتعدد المشكلات المصاحبة لاستخدامهـا وضـرورة الاعتمـاد على أكثـر مـن نمـوذج في تناول القضايا البيئية .