هذي اللي اقولك عنها ياسلمان
حُكمه : الطلاق مما تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة، وهي : التحريم والإباحة والإستحباب والكراهة والوجوب .
أ - فيكون حراماً، إذا كان الطلاق، طلاق بدعة، وذلك أن يطلقها بلفظ الثلاث، دفعة واحدة ، أو في حيض، أو يطلقها في طُهر جامعها فيه، قال ابن قدامة: "أجمع العلماء في جميع الأمصار، وكل الإعصار، على تحريمه، ويُسمى طلاق البدعة، لأن المطلق خالف السنة، وترك أمر الله تعالى ورسوله ..." .
ب- ويكون مباحاً إذا ترتب على استمرارية الزواج ضرر بالزوجة أو الزوج.
ج - ويكون مستحباً، إذا كانت الزوجة سليطة اللسان، مؤذية لزوجها أو لأهله، أو خِيف عدم إقامة حدود الله بينهما.
د - ويكون مكروهاً، إذا كان الحال بين الزوجين مستقيمة، ولم تكن هنالك حاجة إلى إيقاع الطلاق، لأن في إيقاع الطلاق ، ضرراً بالزوجين، والأولاد، وفي الحديث : "لا ضَرَرَ ولا ضِرَار"، ويذهب بعض الفقهاء إلى القول بالحرمة في هذه الحال ، لأن في ذلك ضرراً بالزوجين.
هـ - ويكون واجباً، وذلك في طلاق المُولِي بعد التربص، إذا أبى الفيئة، وطلاق الحكمين في الشقاق إذا رأيا ذلك، وطلاق الملاعِن، أو كان الرجل عنيناً ، ففي هذه الأحوال يجب الطلاق لرفع الضرر عن الزوجة .
لكن الأصل فيه ـ في أغلب الأحوال ـ الإباحة والحل، دل على ذلك الكتاب والسنة، فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: (يأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً )[الطلاق: 1].
ومن السنة : أن الرسولطلق حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، ثم راجعها .
وعنابن عباس –رضي الله عنهما- أنَّ امرأةَ ثابِت بن قَيْس أتَت النَّبي، فقالتْ: يا رسولَ الله ثابتُ بن قيسٍ ما أعْتِبُ عليه في خُلقُ ولا دِينٍ، ولكني أكرهُ الكُفرَ في الإسلام، فقال رسُولُ الله : "أَتُرُدِّينَ عليه حَدِيقتَهُ؟" قالتْ: نَعَمْ، قال رسول : "اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وطلِّقها تَطْلِيقةً".
ومما تقدم من الأدلة وغيرها ، يُعلم أن الشريعة قد أباحت الطلاق ، بخلاف بعض الشرائع السماوية المحرفة والقوانين الأرضية المعاصرة .
غير أن شرع تعالى الله حذَّر من الطلاق من غير أسباب موجبة لذلك ففي الحديث: "ما أحَلَّ اللهُ شيْئاً أبْغَضَ إليْهِ مِنْ الطَّلاَقٍ" ، وفي الحديث أيضاً: "أَيُّمَا امرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَها طَلاَقاً في غَيْرِ مَا بَأَسِ ، فَحَرامٌ عَلَيْها رَائِحَةُ الْجَنَّةِ" .
قال ابن هُبيرة: "أجمعوا أنَّ الطَّلاق في حال استقامة الزوجين مكروه، إلا أبا حنيفة، قال: هو حرام مع استقامة الحال" .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الأصل في الطلاق الحظر، وإنما أبيح منه قدر الحاجة"
وقال أيضاً : " ولولا أن الحاجة داعية إلى الطلاق ، لكان الدليل يقتضي تحريمه ، كما دلَّت عليه الآثار والأصول ، ولكن الله تعالى أباحه رحمة منه بعباده ، لحاجتهم إليه أحياناً" .
وقال الكاساني : " إن الأصل في الطلاق هو الحظر ... إلا أنه أبيحت الطلقة الواحدة للحاجة إلى الخلاص عند مخالفة الأخلاق ".
ومما يؤكد ما سبق ، أن الشرع الحنيف حث الأزواج على أن لا يلجأوا إلى الطلاق إلا بعد استفراغ الوسع، وسد جميع منافذ الإصلاح، وذلك بعد الوعظ والإرشاد، ثم الهجر في المضجع، ثم الضرب غير المبرح، ثم بعث الحكمين للإصلاح بينهما، ثم إذا لم ينجح هذا كله، فيلجآن إلى الطلاق أخيراً.
حِكمتُهُ: الإسلام دين العدل والحكمة في جميع تشريعاته وأحكامه، فلا يحل ولا يحرم شيئاً إلا لِحِكَمِ عظيمة، علمها مَنْ علمها، وجهلها مَنْ جهلها، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة:216].
فمن تلك الحِكَم : تشريعه للطلاق إذا تعسرت الحياة الزوجية، ولم يكن بُدٌّ إلا الطلاق.
فالزواج يقوم على المحبة والأُلفة والوفاق بين الزوجين، فقد يُعكِّر تلك الحياة الزوجية أمورُ يستحيل معها بقاء كل من الزوجين مع الآخر، فمن غير المعقول أن يؤمر الزوجان بالبقاء معاً، مع وجود ما يُعكِّراستمرارية الحياة الزوجية، فجاء الشرع الحنيف بالحَلِّ، وهو الطلاق : وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً [النساء: 130]، قال ابن قدامة: "وأجمع النَّاسُ على جواز الطلاق، والعبرة دالة على جوازه، فإنه ربما فسدت الحال بين الزوجين، فيصير بقاء النكاح مفسدة محضة، وضرراً مجرداً بإلزام الزوج النفقة والسكنى، وحبس المرأةمع سُوء العشرة، والخصومة الدائمة من غير فائدة، فاقتضى ذلك شرع ما يزيل النكاح، لتزول المفسدة الحاصلة منه".