أولا : المذهب العقلي (Rationalism):
تتمثل مصدرية العقل للمعرفة عند العقليين في صورتين:
أ-هي التي يستغني فيها العقل لتحصيل المعرفة عن أي شيء سواه من خلال استنباط قضايا جديدة من قضايا سابقة معلومة، بقطع النظر عن الوجود الخارجي
ب .هي التي تفسر مصدرية العقل للمعرفة برد الحكم على الأشياء إلى مبادئ العقل الفطرية، فمادة المعرفة تكون من الإدراكات الحسية، ولكنها لا تكون معرفة علمية إلا بالاحتكام إلى العقل الذي يجعلونه مصدرا لها، وهذه المعرفة تنقسم عندهم إلى معرفة بديهية أو ضرورية تضطر النفس إلى الإذعان لها والتسليم بها دون الحاجة على النظر والاستدلال،
وإلى معرفة نظرية تحتاج إلى نظر واستدلال
وقد اتفق العقليون على أن :العقل قوة فطرية مشتركة بين الناس جميعا، وتصوروا أن مبادئه لا بد ان تكون كلية ومشتركة بين جميع الاذهان، وضرورية صادقة على جميع الاشياء، وأولية سابقة على كل تجربة
فالقول بأن (الكل أكبر من الجزء ) أو )الشيء الواحد لا يمكن ان يكون موجودا وغير موجود في وقت واحد) ، كأن نقول)2+2=4)
فهذه المبادئ وغيرها مبادئ عقلية تتصف بأنها :
معارف قائمة بذاتها، سابقة للتجربة وليست نتيجة لها، تتصف بالضرورة أي لا تحتاج على برهان آخر لإثباتها، ولا تختلف هذه المعارف باختلاف الناس أو بتغير الأزمنة والأمكنة، لذلك فإن هذه المعارف هي معارف أولية قائمة بذاتها
.
وهكذا، يقوم موقف العقليين على التسليم بان للعقل مبادئ جاهزة، او طرقا فطرية هي التي تقوده إلى معرفة حقائق الاشياء، ومعارفه مستغنية عن أي معرفة سابقة. ولذلك، فإن الصورة المثلى عند العقليين هي تلك التي يمثلها البرهان الرياضي، فمثل هذه البراهين تبدأ بالبديهيات أو الحقائق القائمة بذاتها.
إن العقليين لا يرفضون ما تجيء به الحواس من معارف ومعلومات (غاية ما في الامر أنها معلومات لا يقطع بيقينها، حيث أن الحواس كثيرا ما تخدع، فأحيانا نرى شيئا وهو خلاف ما نراه... وهي معارف تحتمل الخطأ)
فالحس على أساس نظرية العقليين، مصدر فهم للتصورات والأفكار البسيطة، ولكنه ليس السبب الوحيد، بل هناك معارف أولية تثبت في العقل ابتداء، وهي سابقة على الحواس ومستغنية عنها .
- فالمذهب العقلي يوضح أن الحجر الأساس للعلم هو المعلومات العقلية الأولية وعلى ذلك الأساس يقوم البناء الفوقي للفكر الإنساني، الذي يسمى بالمعلومات الثانوية، أي المعلومات الحسية التجريبية.
فالعقل يمتلك إزاء كافة ظواهر الوجود ومظاهره أحكاما لا تتعدى ثلاثة أحكام ممكنة، فهو (العقل) إما ان يحكم عليها بانها أكيدة وواجبة، وإما أن يحكم عليها بأنها مستحيلة وممتنعة، وإما يحكم عليها بانها ممكنة وجائزه .
فأصحاب المذهب العقلي يرون أن الحجر الأساس للعلم هو المعلومات العقلية الأولية، أي أن المقياس للتفكير البشري – بصورة عامة – هو المعارف العقلية الضرورية، فهي الركيزة الاساسية التي لا يستغني عنها كل مجال، ويجب ان تقاس صحة كل فكرة وخطئها في ضوئها. ويصبح ميدان المعرفة البشرية أوسع من الحس والتجربة .
-من اشهر الفلاسفة العقليين أفلاطون صاحب نظرية الاستذكار، وهي النظرية القائلة بأن الادراك عملية استذكار للمعلومات السابقة .
- وقد سار فلاسفة المذهب العقلي على طريق أفلاطون في اهتمامهم بالرياضيات واستخدامهم المنهج الرياضي، وعلى رأسهم أرسطو صاحب المنهج الاستدلالي في المعرفة .
-وفي العصر الحديث جاء ديكارت الذي قال )إن العقل هو اعدل قسمة بين البشر)، وتبنى الشك المنهجي منهجا للمعرفة،
وكذلك اسبينوزا الذي واصل طريق ديكارت في استخدام المنهج الرياضي، والوضوح العقلي معيارا للحقيقة .
ثم ليبنيتز الذي يرى أن جميع القضايا الصادقة يمكن معرفتها بواسطةالآستدلآل العقلي الخالص، وذهب إلى أن أفكارنا تكون أصلا في أذهاننا .