الجزء الرابع :
التفاؤل والتشاؤم
في التـاسع والعشرون من ربيع الثاني بعد عودتي إلى مدينة جدة وكـان مسـاء ذلك اليوم يخـتلف عن مـا سبق فقد بدأت تأخذني أفكاري بين اليمين واليسـار ،يمين الهدف والتفاؤل ويسـار الانكسار والتشاؤم من تلك الحياة السوداء .
ليس من طبعي التشاؤم ولكن كـان الشيطـان حاضرا في ذلك المسـاء ، ولم يبتعدعني حتى غابت عيـناي لأدخـل في أجواء تلك الأحلام الجميـلة .
البحث عن الجامعات الأمريكية
استيقظت بـاكرا كـعادتي ، وقمت بإعداد القهوة السـاخنة حتى أبدأ يومـي باستعادة الأفكـار والخطـوات ، أخذت الكمبيوتر الخـاص بي لأبحث عن الجـامعات التيتهتم بتخصصات الجودة الشـاملة وتكون موصى بهـا من وزارة التعليم .
صدمة
كان من المتوقع أن يكون هنـاك خيـارات كثيـرة حتى استطيع الفـرز ،ولكن المفاجأة لم أجد سوى خمس جـامعات فقط مهتمة بهذا التخصص .
فيا للعجب ، خمسون ولايـة ولم أجد سوى خمس جـامعات ، فقد تقلّصت الخيـارات ولا أنكـر بأن التفاؤل لم يكن موجودا في تلك اللحظة ، حتى بدأت في البحث عن متطلبات تلك الجامعـات .
القبول المشروط
في مثل الحالة التي أمـر بهـا أو يمر بهـا أي طالب ينوي الدراسـة بالخارج يحتـاج ما يسمّى بالقبول المشروط Conditional Admission وهوالقبول الذي يؤهلك لدخول الجـامعة بعد اجتياز درجـة معيّنة في التوفل أو الآيلتس .
وما إن بحثت في تلك الجـامعات لم أجد ذلك النوع من القبـول سوى جامعة واحدة ، فلم اوفّق في ذلك البحث ، فإن كنت وجدت خيـارا واحدا من ضمن خمس خـيارات كانت متـاحة سيكون نسبـة النجـاح في الحصول على القبول هي 5% فقط .
امتداد التخصص
وأنا في يوم البحث العـالمي وقعت عينـاي على ما يسمّى بشروط معادلة الشهـادة بعد التخرج في وزارة التعليم العالي آن ذاك .
لم يكن لدي أدنى فـكرة عن تلك الشـروط ، التي كانت بلغة قويـة وتحذيرية ، وكان منهـا ما يسمّى بشـرط امتداد التخصص ، فقمت بمراسـلة تلك الدائرة عبر بريدهـا الرسمي عن التخصص الذي انوي إكماله في مرحلة الماجستيـر .
فلم أجد الإجـابة التي تدل على فهم تلك الدائرة ، وأدركت لاحقا بأن الدائـرة لا تعلم لماذا تم تفعيـلها ، ولكن كانت الإجـابة لابد أن يكون التخصص الراغب دراسته يمتد من التخصص السـابق ، أو إنهاء مقـررات تكميلية قبل البدء في الدراسـة .
إجابة مبهمة
لم يكن سؤالي يستحق تلك الإجـابة ، ولم أحصـل على الإجـابة الملائـمة، ولم أفكـّر في المجازفة بالتخصص المرغـوب دون الحصول على الإجـابة الشـافية .
بعد عدة محـاولات باتت بالفشـل ، قمت بمراسـلة الملحقية الثقافية في أمريكا ، عسى وأن يكون قد أدركوا العلـم الكـافي والثقافي بوجودهم في تلك البلاد ،ولكن كانت الإجـابة مشابهة جدا للإجابة السابقـة .
اقتناع الذات
وما أن وضعت رأسي متحطمـا من تحقيق ذلك الهدف ، إلا وأعادت الروح كمـاهي ، لتخبرني بأن التخصص العـام ستستفيد منه في المستقبـل ، أما التخصصـات المسـاريّة ستكون محصورة مستقبلا .
بدأت أقنع ذلك العقـل بما قالته الروح من درر ، استطيع الحصـول على قبول في ماجستيـر إدارة الأعمال ، وتنمية تلك الشهـادة بدورات في الجودة الشـاملة، فما إن اقتنع العقـل حتى قمت بالبحث من جديد ، هنـا اطمأن البـال نسبيـا حيال ماوجدت من الخيـارات التي استطيع من خلالهـا استخدام عملية (الغربلة) .
التوصيات الأكاديمية
وأنا متعمق في عملية فرز الجـامعات والولايـات متوسطة الأسعار وقليلة الجريمـة ، تذكّرت ما قد نسيت سـابقـا ، فقد أفرحتني تلك الخضـراء وأنستني البيـضاء، ألا وهي التوصيـات .
كيف استطيع الحصـول على التوصيـات فجميع الجـامعات في الولايات المتحدة الأمريكية بل في العـالم تكون من ضمن شروطها التوصيـات الأكاديمية .
قد تعلمت سـابقـا بأن استخدام البريد الرسمي يساعدك على تحقيق ما تريد سرعة فائـقة ، ولكن قد جهلت أنني في أسبانيا ، فأن الأسبانيون لا يعترفون بتلك النماذج الإلكترونية .
الدكتور ........
بعد محاولاتي التي باتت بالفشـل عن طريق البريد الجـامعي ، وتحديدا في الحادي عشر من جمادى الأولى من نفس العـام قمت بإعادة المراسـلة عن طريق البريد الخاص ، وما أن استيقظت اليوم التالي حتى وجدت تلك الرسـالة من الدكتور الذي رفضذكـر إسمه بعبارة كان لابد الإلتزام بهـا ، (كما عملت معك خيـرا فإعمـل معي خيـرابعدم ذكـر إسمي )، لم أفهم المغزى من تلك الجمـلة ولكن احترمت ذلك الطلب .
في الدمام
في السابع عشـر من جمادى الأولى قمت بنفس العملية الاستراتيجية السـابقة للحصول على خمسة أيـام بدلا من ثلاثة أيـام كما عودتكم ، وقمت بالحجز على رحلتي المفضـلة إلى الدمام السـاعة الثالثة مسـاء ، وكررت ما فعلته سـابقـا مع تغيير طفيف في مكان الإقـامة الذي وقع على فندق رمادا .
في منتصف الدوام الرسمي ليوم الاثنين الموافق الثامن والعشرون من جمادى الأولى توجهت الطيارة التي استقلها إلى مطار الملك فهد الدولي مصطحبـا معيتلك السوداء الصغيـرة التي عانت كثيـرا معـي .
وما إن وصلت السـاعة الخـامسة حتى أجد السيـارة قد تم تجهيزهـا ولم يتبقى سوى التوقيع فقط ، توجهت فورا إلى الفندق لأستريح قليلا من عناء السـفروالطريق الطويل من المطار إلى الفندق .
شاشات التلفاز
بعد إجراءات الدخول البسيطة توجهت إلى الغرفة الخـاصة بي برفقة الموظف، حتى وقعت عينـاي على شاشات التلفاز التي لم تكن بالمستوى المطلوب ، فأنا من محبي البرامج التلفزيونية ولكن تهمني جودة العرض ، ناهيك أن رحلة عودتي ستكون يوم الأربـعاء ولدي الوقت لمشاهدة التلفاز، فأخبرني الموظف بأنهم في صدد تغيريها قريـبا ، ولكن لم أعره أي اهتمام فقد سمعت مثل هذه الوعود من فنادق أخرى وعدت لاحقـا ولم أجد سوى الأسوء .
الوقوف الخاطئ
توجهت الساعة الثامنة صباحا من اليوم التالي إلى جامعة الملك فيصل ،وعند ايقاف سيارتي أمام الكليـة ، نبهني رجل الأمن بأن الوقوف خاطئ لابد من الوقوف في المواقف المخصصة بالخلف ، نظرت إليه بنظرة حزن وإرهـاق ، ولكن لم يهتم لذلك وكرر قوله ، فالتزمت النظام العام .
دخلت إلى الكلية تحديدا المدخل الخاص بأعضاء هيئة التدريس ، فلم أجد سوى أبوابا مغلقة والهدوء يعم أرجاء المكـان ، عدا أصوات بعيدة لم اسمعها ولكن اقتربت منـها حتى وصلت إلى تلك الأصـوات وعند الباب لوحة مكتوبـا بهـا غرفة الاجتماعات ، ولكن الباب مفتوح ، فكان لابد التزام الأدب وعدم الدخول ، انتظرت ربع السـاعة أمام الباب ويسترق سمعي تلك الأحاديث التي تتعلق بالأنظمة الإلكترونية والمقررات وكيفية اجتيازهـا .
بدأت بالتجول أمام الغرفة وأخطف نظراتي على الموجودين ، ولمحت الدكتورالذي سبق مراسلته ، الحمدلله هذه الرحـلة موفقة .
الحصول على التوصية
بعد خروج الدكتور من غرفة الاجتماع برفقة دكتور آخر قد درسني ايضا عرفته بنفسي وتذكرني ، وطلب مني مرافقته إلى المكتب ، وهو في طريقه يتحدث إلي بالمختصـر المفيد ( الجامعات الامريكية لن تطلب سوى توصيتان فقط وأنا سأعطيك واحدة والأخرى ستأخذها من زميلي هذا ويؤشر للدكتور الآخر وكلهم قد حصلت معهم على درجـات عالية ، هنـا أيقنت أن الله سيكون معي في كل الإجراءات .
الهاتف المخجل
شكـرتهم كثيـرا وطلبت منهم صـورة للذكرى ولكن للأسـف أخجلني الهـاتف الذي بطاريته دوما على وضع الانتهاء ، ضحك من الموقف وقـال المرة القـادمة ان شاءالله ، استلمت التوصيـات وقمت بنسخـها عدة نسخ وختمتها جميعها من الإدارة ، ومن ثم طلبت أربع ظروف فارغة تحمل الختم الرسمي على اللسان ، فكان الموظف في قمة التعاون ولم يرد طلبي .
عدت أدراجـي إلى الدمام ، لأتناول وجـبة الغداء ومن ثم إعادة التجول في مدينة الدمـام ، كانت الأجواء أجمل من السـابق ودرجـة الحرارة منخفضة ،وسكـانها في قمة الاحتـرام .
الهاف مون وباب اليمن
توجهت بعد ذلك لمنزل زوج اختي في الدمام ، لتواجدهـم في رحلتي الحـالية ، طلبت منهم زيارة الهـاف مون التي لم أراهـا قط ، وبعد عودتنا وقع الاختيار على باب اليمن لتناول وجبة العشـاء ، ومن ثم عدت إلى الفندق لأخلد إلى النوم ، واستيقظت صباحا للتجول الفردي واستعدادا للذهـاب للمطار .
(عندما يكون الشخص قد حقق جزء من أهدافه لابد من مكافأة النفس على ذلكالصـبر والذي كان تحملا للإرهـاق والتعب )
نهاية الجزء الرابع