وقفت منذ الصباح الباكر , كانت أوراق الأشجار تتساقط وهي مشبعة بالندى مثقله بطول العمر مصفرة أطرافها كأنها محروقة أو متأكلة ,
كشفت الشمس عن أول ظهور لها وكأنها ترفع أطراف الليل الخفيف عن وجهها الوضاء , تخرج للوجود تقف كأنها تعطي نظرة عامة على الكون منحت الوجود الدفء والنور كأنها عاروس خرجة من خدرها للتو . خرجت ولازالت برودة الجسم العربي تضرب بعظامي , متعود على درجة حرارة أحياناً تصل لآكثر من خمسون درجة مئوية .
أرتديت معطفاً ذو اللون الأسود واضعاً يدي في مخابئ لافاً على رقبتي ونصف محياي لفحة صوفيه من الصناعة الفرنسة وتلك الطاقية التي تشبه طاقية ديغول رئيس وزراء فرنسا الأسبق . رشقات من المطر تشبه العطر الباريسي الطبيعي . أنيق جداً أنا كُنت أنيق فعلاً , ألق لقياك ماء وخضرة ورائحة الصنوبر . مررنا بجوار جدار يريد أن ينقض من طول الزمن , تسألت هل لازال الماضي لديهم جميل ويحافظون عليه برغم تطور حياتهم .
كانت بجانبي والدتي وأبنت أختي الصغرى مياس ذات الأربع أعوام بصحبة السائق المغربي شاب جميل مهاجر منذ عشرات السنين , يجيد اللغة الفرنسية بطلاقة . أعتذرت لهُ وبأسف شديد ولهذه الحياة البائسة غربه وحياة شاقة .
أخبرني أن الحياة في أوربا كلها ليس كما تتصورون بل هي أشبه أن تكون مسمار وسط آله كي تعيش .
توقفنا بأحدى الحدائق للنزهة , كان المكان مليء بالعوائل يكاد أن تجد لك مكان أتذكر أن الساعة كانت ما بين الخامسة والرابعة عصراً أي قبل الغروب بساعة ونصف حسب ما أعلم . أحضرت والدتي بعضاً من الأكل الذي أعددناه في المنزل , لم ننسى الشاي والقهوة العربية التي لاتقاوم مع التمر السكري , رائحة الهيل تشعرك بالنشوة تشنف أنفك , المكان لايوجد بهِ ما كُنا نعتاد عليه من مضايقات في بعض المُدن العربية من الشباب . لا يفصلنا عن بعض الأُسر سواء مسافات لا تتجاوز بضع أمتار . أبنت أختي أمضت ساعات جميلة جداً
وقبل يحين رحيل الشمس ونحن الذين خرجنا لحظة أن فج نورها من الشرق هاء نحن نعود ونودعها . وحين هممنا بالرحيل أخذني الفضول أن أقف وأدور بوصلة عيني بشكل دائري على المكان فوجدت أغلب الناس قد رحلوا من المكان . طلبت من والدتي البقاء إلى أخر عائلة تغادر , سألتني عن السبب ولم أجد طالبةً منها المعذرة حتى يحين مغادرتنا . لم يتبقى أي أحد , نظرت نحو والدتي فقالت :
وماذا بعد ؟
قلت ألا تلاحظين أن المكان لايوجد بهِ حتى قطعة منديل صغير أو علب ماء أو غيرة المكان نظيفة كأن لم يرتادة أحد .
تصوري لو كنا في أي حديقة في مدينة الرياض هل سيكون المكن هكذا .
سوف يضل عامل النظافة منحني الظهر ساعة وهو يلتقط أوساخنا .
دمتم بود أبو سامي