|
رد: تجمع حل الواجب الاول لااصول الفقه3
أدلة المنكرين لحجية المصالح المرسلة
استدل المنكرون لحجية المصالح المرسلة بما يأتي:
1 -إن الشارع الحكيم ألغى بعض المصالح، واعتبر بعضها، والمصالح المرسلة مترددة بين ما ألغاه الشارع وبين ما اعتبره، تحتمل أن تكون من المصالح التي اعتبرها، ومع هذا الاحتمال لا يمكن الجزم ولا الظن باعتبارها وبناء الأحكام عليها، وإلا كان ترجيحا بلا مرجح، وهو لا يجوز.
والجواب عن هذه الشبهة. أن القائلين بحجية المصالح المرسلة لا يدعون الجزم باعتبارها بل يقولون: إن الظاهر اعتبارها. والظهور كاف في الأحكام العملية.
والحكم بظهور العمل بالمصالح المرسلة ليس ترجيحا من غير مرجح، لأن لمصالح التي ألغاها الشارع قليلة بالنسبة للمصالح التي اعتبرها، فإذا كان هناك مصلحة لم يقم دليل على اعتبارها أو إلغائها كان الظاهر إلحاقها بالكثير الغالب دون القليل النادر.
على ما ألغاه الشارع من المصالح لم يلغه إلا إذا ترتب على اعتبارها مفسدة تساويها أو ترجح عليها، وهذا غير نتحقق في المصالح المتنازع فيها، لأن جانب المصلحة فيها راجح على جانب المفسدة، كما هو فرض كلام فلا يصح إلحاقها بالمصالح التي حكم الشارع بإلغائها.
2) إن الاعتداد بالمصالح المرسلة في تشريع الأحكام طريق لذوي الأهواء ومن ليس أهلا للاجتهاد ينفذون منه التصرف في أحكام الشريعة وبنائها على ما يوافق أهواءهم ومصالحهم الخاصة، وفي هذا إهدار للشريعة وخروج عن قيودها، وهو يجوز.
والجواب عن هذه الشبهة سهل إذا عرفنا أن من شرط يخرجها عن أن تكون في متناول العلماء الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد، فضلا عن غيرهم من العوام أو ذوي الأهواء، إذ لا يدري أن هذه المصلحة لم يرد في اعتبارها أو إهمالها دليل شرعي إلا من كان أهلا للاستنباط، فليس كل ما يبدو للعقل أنه مصلحة يدخل في قبيل المصالح المرسلة، ويبني عليه الأحكام، وإنما هي المصالح التي يدركها من هو لتعرف الأحكام الشرعية من مصادرها حتى يمكن الوثوق بأنه لم يرد في الشرعية دليل يدل على اعتبارها أو إلغائها.
3) إن العمل بالمصالح المرسلة يؤدي إلى اختلاف الأحكام باختلاف الزمان والبيئات. فإن المصالح – كما هو مشاهد – تتغير بتغير الأزمان وتتجدد بتجدد الأحوال، وهذا ينافي عموم الشريعة، وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
وهذه شبهة أضعف مما سبقها لأن اختلاف الأحكام معدود في محاسن الشريعة، وهو كمن الطرق التي تجعلها صالحة لكل زمان ومكان.
وليس هذا الاختلاف ناشئا عن الاختلاف في أصل الخطاب حتى يكون منافيا لعموم الشريعة، وإنما هو اختلاف ناشئ عن التطبيق لأصل عام دائم، وهو أن المصلحة التي لم يرد دليل يدل على اعتبارها أو إلغائها يقضي فيها المجتهد على قدر ما يراه فيها من صلاح، فكأن الشارع يقول لمن أوتي العلم: إذا عرض لكم أمر فيه مصلحة، ولم تجدوا في الأدلة ما يدل على اعتبارها أو إلغائها فزنوا تلك المصلحة بعقولكم الراسخة في فهم المقصود من التشريع وضعوا لها الحكم الذي يلائمها.
وهكذا يكون القول بحجية المصالح المرسلة، هو القول الراجح الذي تشهد له الأدلة، والذي جرى عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة الاجتهاد في العصور المختلفة، وأن إنكار هذا الأصل مخالف للأدلة القائمة على حجيته، وفيه فتح باب للطعن على الشريعة ورميها بالجمود، وعدم مسايرتها لتطورات الحياة.
وكيف يسوغ إنكار هذا الأصل وهو مكن أهم الأصول الشرعية، والذي يمكن أن يأتي بثمر طيب إذا تناوله الراسخ في علوم الشريعة، البصير بتطبيق أصولها.
فعن طريق هذا الأصل يمكن لولاة الأمور في الأمة الخبيرين بروح الشريعة ومبادئها العامة وقوادها الأساسية أن يشرعوا لها الأحكام والقوانين التي تحقق مصلحتها وتلبي حاجاتها العارضة ومطالبها المتجددة إذا لم يجدوا لها دليلا خاصا من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس.
وقد اتخذ الإمام مالك في ذلك مسلكا وسطا ومذهبا واضحا معتبرا مرامي الشريعة ومقاصدها فيما ذهب إليه، فلم يجعل أحكام العقل في المصالح تعدو طورها وتتعدى موضعها ولم يجعلها معارضة للنصوص القاطعة والأحكام الاجتماعية، ولم يضيق على العقل فيحجر عليه أن يدرك المصالح إلا هن طريق النصوص، بل كان مسلكه بين ذلك قواما من غير إفراط ولا تفريط، فكان المذهب الخصب الثري بالمعاني من غير شطط ولا مجاورة للاعتدال، وكان فيه علاج لأدواء الناس ومرونة تجعله يتسع لأعراف الناس ومصالحهم وأحوالهم على اختلاف منازعهم وبيئاتهم، في نطاق الإقتداء والإتباع
|