ثانياً : منظـور الصـراع :
تـرجع الجـذور الفكـرية لمنظـور الصـراع إلي آراء وأعمال
« كـارل مـاركس» في منتصـف القرن التـاسع عشـر التي أكدت
على الصراع الملازم للمصلحة بين العمال وأصحاب رأس المال .
وينظـر منظـور الصـراع إلي المجتمع علي اعتبـار أنه حـالة
مستمرة من الصراع بين الجماعات والطبقات ، ويتجه نحو التوتر
ويري أصحاب نموذج الصراع أن عمليـة الصـراع في الحياة
الاجتماعية تعد نتيجة لاختلاف الأهداف . كما يمكن تحقيق النظام
الاجتماعي العام من خلال استخدام القهر أو القوة .
ولا يتصور منظـور الصـراع الانسـاق الاجتماعية على أنها
منتظمة حول مجموعة من القيم المتسقة ، بل يتصـورها على أنها
أنساق تتضمن مواقف صراعية ، ويتسم الموقف الصراعي - في
أغلب الأحوال - بعدم التوازن في القوى .
ونجد أن المؤيدين لمنظور الصراع يميلون إلي التركيز على
الصـراع الاجتماعي ، ورؤية التغيـر الاجتماعي علي اعتبار أنه
يـؤدي إلي تحقيـق الفوائد للمجتمع .
ويري أصحاب منظور الصراع أن الجماعات المختلفة داخل
المجتمع لها مصالح وقيم متصارعة . ويؤدي التنـافس بيـن هـذه الجماعات إلي استمرار عملية التغير الاجتماعي .
وقد اهتم « ماركس» بالتعرف
بالتعرف على الصراع بين الجماعات
التي ترتبط بعلاقات مختلفة مع وسائل الإنتاج
والتقنيـة ، والمصـانع ، وقـوة العمـل المستخدمـة في إنتـاج السلع
وقد لاحظ «ماركس» أن ضبط وسائل الإنتاج يؤدي إلي
اضطهاد بعض الجماعات واستغلالها لبعض الجماعات الأخرى .
وقد قام «ماركس» بتحليل أصول النسق الرأسمالي تحليلاً
تفصيلياً ، ذلك النسق الذي ظهـر في أوروبا الغـربية ومجتمعـات
أمـريكا الشمـالية في القـرن التـاسع عشـر، وقـد تركـزت معظـم
تحليـلاتـه حـول الطبقـة الرأسمـالية ، أو البـرجوازية التي تمـلك
مصـادر الإنتـاج وتقـوم باستغـلال العمـال أو الطبقـة العـاملة أو
البروليتاريا التي تقدم العمل اللازم لإنتاج السلع والخدمات .
وتتمثل تصورات «ماركس» في أن الرأسماليين (البورجوازية )
يمـلكون الجانب الأكبـر مـن وسائـل الإنتـاج ويـزيدون مـن أرباحهـم
باستمـرار مـن فـائض القيمـة ، ويحصلـون على مكاسبهـم من خلال
استغلال طبقة العمال ( البـروليتـاريا ) ، التي تتعرض لبؤس شديد ،
ويؤدي ذلك إلي حدوث صراع دائم بينها وبين الطبقة الرأسمالية .
ويرى «ماركس» أن الرأسمالي يملك القوة نتيجة لمكانته في
النسق الاقتصادي ، فهو يبيع ويشتري جهد العمال بأرخص الأسعار
أمـا العامـل فليـس لـديه إلا عمـله لكي يعـرضـه فـي سـوق العمـل ،
ويحصـل فـي مقابـله على الأجـر ، وبـذلك يمـارس صـاحب العمـل
أنواعـاً من الاستغـلال ، تتمثـل في إطالـة يـوم العمـل ، وتقليل فترة
الراحة ، وإجبار العامل على العمل بأجر زهيد ، بل وفصل العمال
ويعتمد تحليل نموذج الصراع للمشكلات الاجتماعية علي
1- يتكون المجتمع من جماعات مختلفة ذات مصالح وقيم متباينة
وكل جمـاعة تـدافع عن مصـالحها ، وبالتـالي فإن نجـاح جماعة ما
يعني وجود مشكلة لجماعة أخري
2- إن أي جهــد أو فعــل لحــل المشكـلات الاجتمـاعيـة يتضمـن
محاولات من جانب الجماعات المقهورة لإحداث تغييرات لانتزاع
حقوقها من هؤلاء الذين يحتلون مراكز القوة .
3- إن قدراً معيناً من الصراع يمكن أن يكون مفيداً للمجتمع ،
لأنه يعد دافعاً للتغيرات الاجتماعية الضرورية .
تطبيق منظور الصراع في تفسير بعض المشكلات الاجتماعية
1- تفسير منظور الصراع لمشكلات التحضر
ينظر أصحاب منظور الصراع إلي مشكـلات التحضـر علي
اعتبار أنها نتيجـة للتنـافس بين جماعـات المصلحـة ، فمشكـلات
التحضـر ترجع إلي صراع المصالح واختـلاف القيـم . ونجد أن
كل جمـاعة من الجماعات المتصـارعة تستخـدم القـوة مـن أجـل
تحقيق مصالحها الشخصية واكتساب الفوائد الاقتصادية الخاصة
2- تفسير منظور الصراع للمشكلات البيئية
يري أصحاب منظور الصراع أن استغلال البيئة قد جاء نتيجة
للاستغـلال الاجتمـاعي . إذ أن الـدول الـرأسمالية بوجـه خاص مثل
الولايات المتحدة وكندا تتبنى نظما اقتصادية وسياسية تساعد الأفراد
الذيـن يمتلكـون الثـروة والقـوة على استغـلال غيـرهم مـن الأفــراد
الفقراء والضعفاء ، وقد ترتب على هذه النظم تدمير الثروة الطبيعية
بوجه عام لتحقيق مصالح الأقلية .
وعلي المستوي الدولي ، يري أنصار منظور الصراع أن الدول
الصنـاعية الغنيـة تستخـدم قـوتها مـن أجـل سلـب المـوارد الطبيعيـة
المـوجودة لـدى الـدول الفقيـرة ، ونظـرا لأن هـذه المـوارد لا يمكـن
استبـدالها أو إحـلال مصـادر أخـري محلها ، لذلك نجد الدول الغنية
تصبح أكثر ثروة ، وتصبح الدول الفقيرة أكثر فقراً
ويؤكد أصحاب منظور الصراع علي أن علاج المشكلات
البيئية يتحقق عن طريق عدم التعامل بقسـوة مع البيئة التي نعيش
فيها . وأن يتـم وقـف استغـلال وتدميـر البيئة الطبيعية ، وأن يتم
وضـع رفـاهية البشـر فـي المقـام الأول ووضع الثـروة وتحقيـق
الأرباح في المقام الثاني .
- يذهب نموذج الصراع إلي أن المجتمعات تتسم غالباً بالصراع ،
ويعد هذا الصراع أساس التغير الاجتماعي في هذه المجتمعات .
- ترجع الجذور الفكرية لهذا المنظور إلي آراء «كارل ماركس» في
- يري « ماركس» أن المجتمع الرأسمالي يتضمن طبقتين هما
الطبقة البورجوازية أو الرأسمالية وطبقة البروليتاريا أو العمال ،
وهذه الطبقات في صراع مستمر مع بعضها البعض .
- في ضـوء نمـوذج الصـراع ، نجـد أن التـوتـرات بين الجماعات
المختلفـة ، والصـراع الطبقـي يعـد المصـدر الأسـاسـي للتغيـر الاجتماعي