الموضوع: المستوى الرابع محتوى النقد العربي القديم من تجميعي
عرض مشاركة واحدة
قديم 2015- 12- 18   #3
ماذا لو ؟!!
أكـاديـمـي نــشـط
 
الصورة الرمزية ماذا لو ؟!!
الملف الشخصي:
رقم العضوية : 189610
تاريخ التسجيل: Thu May 2014
المشاركات: 101
الـجنــس : أنـثـى
عدد الـنقـاط : 4390
مؤشر المستوى: 53
ماذا لو ؟!! will become famous soon enoughماذا لو ؟!! will become famous soon enoughماذا لو ؟!! will become famous soon enoughماذا لو ؟!! will become famous soon enoughماذا لو ؟!! will become famous soon enoughماذا لو ؟!! will become famous soon enoughماذا لو ؟!! will become famous soon enoughماذا لو ؟!! will become famous soon enoughماذا لو ؟!! will become famous soon enoughماذا لو ؟!! will become famous soon enoughماذا لو ؟!! will become famous soon enough
بيانات الطالب:
الكلية: كلية الآداب
الدراسة: انتساب
التخصص: لغة عربية
المستوى: المستوى الثالث
 الأوسمة و جوائز  بيانات الاتصال بالعضو  اخر مواضيع العضو
ماذا لو ؟!! غير متواجد حالياً
رد: محتوى النقد العربي القديم من تجميعي

المحاضرة التاسعة
مظاهر النقد في كل من العراق والشام في العصر الأموي
العنصر الأول : النقد في العراق :
إن النقد يرتبط بالشعر صعودًا وهبوطًا، رقيًّا وانحطاطًا، وينبغي أن نعلم أن الشعر في العراق كان منوعًا بين شعر سياسي وآخر قبلي، لقد كانت العراق مركزَ المعارضة السياسية للأمويين في الشام، حيث وُجد حزبان، ولكل حزب شعراؤه يؤيدونه وينتصرون له، بل يدعون للثورة على الأمويين؛ الحزب الأول: الخوارج، والحزب الثاني: الشيعة.
والمعروف أن أدب الخوارج تميز بالقوة،والشجاعة، وصِدق التعبير عن مذهب شعرائه، أما أدب الشيعة فيتميز بالسخط على الأمويين، والحزن على ما أصاب آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم-فأدب الخوارج والشيعة يتلون بلون سياسي في مجمله، وهذا الشعر يقابل شعرًا آخرَ يُطلق عليه الشعر القَبلي، حيث أحيا الأمويون عصبياتٍ قبلية بين قبائل عدنانية في العراق وأخرى قحطانية في الشام بهدف سياسي، وخير مَن يمثل هذا الشعر الفرزدق الذي كانيقيم في بادية البصرة في بني تميم، وكذا جرير في بادية اليمامة في قيس عيلان، وهي قبيلة تميمية أيضًا، وكان يمثله الأخطل النصراني الذي يمثل بادية قبيلة بني تغلب، ويضم إلى هؤلاء أيضًا من أعراب البوادي كل من الراعي، وذي الرمة، وكذا القطامي النصراني . والمعروف أن الأخطل قد انحاز إلى الأمويين ضد قبيلة جرير، وهي قيس عيلان؛ ليحمي قبيلته تغلب من غارات قيس، كما انضم إلى الفرزدق أيضًا ضدجرير؛ لأن جريرًا كان لسان قبيلته قيس على قبيلة تغلب، فهؤلاء يمثلون هذا النوعَ من الشعر المسمى بالشعر القبلي
وهؤلاء الفحول عاشوا في ظل الخلافة الأموية دون أن ينغمسوا في سياستها بصفة عامة، وإنما شغلوا بمصالحهم الخاصة ومصالح قومهم، وكانوا يستغلون السياسة أحيانًا؛ لتحقيق غايات قبلية، وغلبت على حياتهم تقاليد الجاهلية من لهو وشراب، ومفاخرات وعصبيات.
والصورة الشعرية عند هؤلاء الفحول تميزت بجزالة الأسلوب، وكثرة الغريب من الألفاظ، والمحافظة على النظام الجاهلي للقصيدة في ديباجتها ومعانيها وخيالها البدوي القديم، وإن كانوا قد انزلقوا في الهجاء إلى الفحش والتعرض للحرمات. وليس معنى أن الفن الهجائي كان السائد عندهم أنهم لم يخوضوا في فنون أخرى، بل خاضوا في فنون المدح، والفخر، والوصف، والنسيب، علاوةً على فن الهجاء.
في هذا الجو العلمي الأدبي نشط الشعر ومِن ثَمَّ نشط النقد؛ لأن البيئة بيئة علمية أدبية شعرية، فعُقدت للشعر مجالس عامة وخاصة في الأسواق، كمربد البصرة، وكُناسة الكوفة، علاوةً على تلك المجالس التي كانت تعقد في المساجد، وفي قصور الخلفاء، ودور الأمراء، ومجالس الأدباء والوجهاء... إلى غير ذلك. واهتم بالنقد طوائف, منهم الشعراء أنفسهم وكذا الرواة والنحاة، والخلفاء والأمراء .
بعد هذه الإلمامة بالأدب والشعراء في هذه البيئة العراقية، نود أن نذكر صورًا نقدية تكشف عن هذه الحركة النقدية في العراق:
لقد فاضلوا بين الشعراء بوجه عام وبين الفحول الثلاثة -أي: جرير والفرزدق والأخطل- بوجه خاص, مع اتفاق كثير من النقاد على أنهم أشعر أهل الإسلام، ولكن الاختلاف كان في تقديم بعضهم على بعض، وكانت هذه المفاضلات مفاضلات تقوم على أحكام عامة غير معللة، تعود إلى الذوق الفطري، فهنالك روايات تكشفعن تفضيل تام للأخطل، وأخرى تكشف عن تفضيل للفرزدق وجرير في بعض شعرهم، وكذا تفضيل لجرير في الهجاء وحده، وأخرى تفضله في الهجاء والنسيب وحسن التشبيه، وأخرى تفضله في النسيب والرثاء، أي: في موضوع أو أكثر من موضوعات الشعر.
ولكن هناك أحكام نقدية صدرت عن بعض الرواة، تقوم على بيان العلةمن ذلك: ما جاء في رواية لأبي عبيدة تكشف حججَ مَن فضل جريرًا على غيره، فقد روى أبو عبيدة حججَ مَن فضل جريرًا بقوله: "يحتج مَن قدَّم جريرًا بأنه كان أكثرَهم فنونَ شعر، وأسهلهم ألفاظًا، وأقلهم تكلفًا، وأرقهم نسيبًا، وكان دينًا عفيفًا".
وقد نقد الشعراء بعضهم بعضًا، فقد اتفق الفرزدق والأخطل معًا على أن جريرًا أَسْيَرُ شعرًا منهما. كما أُثر عن جرير بعض الأخبار التي رأى أنه أشعر الناسمن ذلك: أن ابنه عكرمة قال: "قلت لأبي: يا أبت، مَن أشعرُ الناس؟ فقال: الجاهلية تريد أم الإسلام؟ قلت: أخبرني عن الجاهلية، قال: شاعر الجاهلية زهير، قلت: فالإسلام؟ قال: نَبعة الشعر الفرزدق، قلت: فالأخطل؟ قال: يجيد صفة الملوك ويصيب نعت الخمر، قلت: فما تركتَ لنفسك؟ قال: دعني، فإني بحرت الشعر بحرًا"، أي: إنه فجر ينابيعَ الشعر، حتى صارت كالبحر عمقا واتساعًا، أي: إنه تفنن في دروب القول.
ونذكر صورة نقدية أخرى من صور النقد عند الأدباء والنقاد، تكشف عن مقارنتهم في الجَودة بين البيتين في الموضوع الواحد، وهو حوار بين معاوية بن أبي عمرو بن العلاء وبين محمد بن سلَّام في بيت لجرير وآخر للأخطل.
فقد سأل معاويةُ ابنَ سلام: "أي البيتين عندك أجود؟ قول جرير:
ألستُم خيرَ مَن ركِب المطايا ..... وأندى العالَمين بطون راح؟
أَمْ قول الأخطل:شُمس العَداوة حتى يستقاد لهم ........ وأعظم الناس أحلامًا إذا قدروا؟
فقال ابن سلام: بيت جرير أحلى وأسير، وبيت الأخطل أجزل وأرزن. فقال معاوية: صدقتَ، وهكذا كانا في أنفسهما عند الخاصة والعامة". والملاحظة النقدية أيضًا: أنهم وقفوا على طول القصيد وقصره، فقد قيل للفرزدق: ما اختيارك في شعرك للقصار؟ فقال: "لأني رأيتُها أثبت في الصدور، وفي المحافل أجول".
كما لاحظ النقاد أيضًا في هذا العصر: أخذ الشعراء بعضهم عن بعض، أو ما سمي بالسرقات الشعرية.
ومن صور النقد البارزة في هذه البيئة العراقية في هذا العصر الأموي، تلك الصورة التي تكشف عن النقد المعنوي، فقد عاب النقاد على شعراء العراق فساد بعض معانيهم، أو قصورها عن الوفاء بغرضها، فقد عابوا على الراعي، وجرير، والأخطل، وذي الرمة، والفرزدق، وغيرهم بعضَ معانيهم ، كما ظهر النحاة في العراق في هذه الآونة ناقدين الشعراء، مما يكشف أن نقدهم للشعراء قام على أسس موضوعية علمية لُغوية؛ بغرض العلم والتوجيه.
ومن أوائل اللغويين والنحاة الذين دخلوا مَيْدانَ النقد في هذا العصر: يحيى بن يعمر البصري، وعنبسة الفيل، وعبد الله بن إسحاق الحضرمي، وأبو عمرو بن العلاء، وكان عبد الله بن إسحاق الحضرمي أكثرعلماء هذا الجيل نقدًا للفرزدق وتكلفًا في شعره.
أكثر ما وُجِدَ في بيئة الشام من الشعر كان وافدًا عليها من الخارج، من مصدرين:
الأول: وفود الشعراء على دمشق؛ لمدح الخلفاء والأمراء لنيل العطايا؛ اتقاءً لألسنتهم، أو تقديرًا للشعر نفسه.
الثاني: شعر الحروب القبلية بين القبائل اليمنية بالشام, والقبائل القيسية المهاجرة من الحجاز ونَجْد إليها.
ولم ينبع من بيئة الشام شعر يعتد به في هذا العصر، غير ما أثر عن بعض الخلفاء الأمويين.كشعر الوليد بن يزيد بن عبد الملك في الغزل والخمر، وكان الغالب على أدب الشام المدح اللائق بأصحاب القصور، مقارنةً بأدب الحجاز الذي كان يغلب عليه الغزل، وعلى أدب العراق حيث يغلب الفخر والهجاء.
وكان الشعراء الموالون للخلفاء الأمويين أكثر من شعراء أي حزب آخر، وأهمهم الشعراء الفحول: الفرزدق، والأخطل، وجرير.بالإضافة إلى أعشَى ربيعة، وعدي بن الرقاع العاملي، والنابغة الشيباني، وأبي صخر الهذلي، والأحوص، وعبد الله بن الزبير الأسدي، وإسماعيل بن يسار، وغيرهم. وأدى الإكثار من المدح إلى الإكثار من نقده، وكان أكثر النقد من الخلفاء والأمراء؛ لسعة إحاطتهم باللغة والأدب، ولمعرفتهم الوثيقة بمحاسن الكلام، وأشهر هؤلاء عبد الملك بن مروان، الذي يعد الناقدَ الأدبي الأولَ في الشام؛ حيث كان يحب الشعر والفخر والمدح، ويعقد للشعر المجالسَ الحافلةَ بالشعراء والأدباء، ويشجع على الشعر، ويتمثَّل به وينقده، حيث كان يطرح أسئلةً على جلسائه، وينقد المعاني الجزئيةَ للشعراء، ويفضل بعضهم، ويأخذ مآخذَ على كثير منهم.
فقد دخل عليه ابن قيس الرقيات بعد أن أعطاه الأمان، وقد كان من قَبْلُ زبيري الهوى، فأنشده مادحًا، حتى إذا قال:
إن الأغر الذي أبوه أبو ال ......... عاصي عليه الوقار والحجب
يعتدل التاج فوق مفرقه
على جَبين كأنه الذهب
فقال له عبد الملك: "يابنَ قيس، تمدحني بالتاج كأني من العَجم، وتقول في مُصعب بن الزبير:
إنما مصعب شِهاب من الله ..... تجلت عن وجهه الظلماء
مُلكه ملكُ عزة ليس فيه ... جبروت منه ولا كبرياء
أما الأمانُ فقد سبق، ولكن والله لا تأخذ مع المسلمين عطاءً أبدًا".
كما نرى أولادَه مِن بعده يمارسون النقد أيضًا، ومن هؤلاء: الوليد، وسليمان، وهشام ، وكان لكل من سليمانَ وهشام اهتماماتٌ نقدية أيضًا؛ فكان سليمان يفضل نُصيبًا على الفرزدق؛ لأنه أرضاه بالمدح، وكانت الفحول الثلاثةُ تُنتقَد في مجلسه. أما هشام فكان يتمثل بالشعر مع أخيه يزيدَ.
المحاضرة العاشرة
حركة النقد في العصر العباسي
تمهيد:
إن العصر العباسي -كما هو معلوم- بدأ في سنة اثنتين وثلاثين ومائة من الهجرة، وخُتم سياسيًّا سنة ست وخمسين وستمائة من الهجرة، حينما استولى هولاكو على بغداد، وإن كان ختم فعليًّا بتولي الأتراك مقاليد الحكم في زمن المتوكل.
والمعروف أنّ هذا العصر العباسي قد اشتمل على عدة دويلات، بعضها عربي وبعضها الآخر غير عربي ولا عباسي، وبانتقال السلطة من الأمويين إلى العباسيين انتقلت حاضرة الخلافة من الشامإلى العراق، وزالت دولة العصبية القبلية، وحلَّت محلها دولة دينية جامعة، وقد تنازع الدولة فريقان؛ فريق العلويين الشيعة؛ حيث يظاهرهم الفرس وعرب الجنوب عامة، والفريق الآخر العباسيون، ويظاهرهم أهل السنة والجماعة وأبناء الدولة.
كما تطورت الحياة الاجتماعية في هذا العصر تطورًا متدرجًا، واقتبس العرب الكثير من أوجه الحضارة وأساليب التفكير، ونشأ المذهب المعتزلي منذأواسط العصر الأموي، وامتدّ واستشرى في إبان العصر العباسي؛ حيث يحتكمون إلى العقل في كافة الأمور بما فيها القصيد، كما ظهرت في هذا العصر النزعة الشعوبية، وتغيرت الحياة من البداوة إلى الحضارة تغيرًا واسعًا. وقد تطور النقد العربي واتسعت مجالاته في القرن الثاني الهجري, حين قامت هذه الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية؛ فتنوعت الصور والاتجاهات وتعدد مقياسه، ونُجْمل
أهم عوامل هذا التطور فيما يلي: ( العوامل التي أثرت في هذه الحركة النقدية )
العامل الأول - الثروة التي جمعها النقد العربي من العصر الجاهلي إلى القرن الثاني الهجري، حيث تجمعت كل صور النقد التي في العصر الجاهلي وصدر الإسلام، والعصر الأموي في الحجاز والعراق والشام، كل هذا الجهد وصل إلى نقاد العصر العباسي، فتمثلوه وبنوا عليه حتى مكنهم هذا النقد من ابتداع مناهج نقدية جديدة؛ مما كان له أثره العميق في تطور النقد العربي في هذا العصر العباسي.
العامل الثاني: ما كان يتمتع به خلفاء العصر العباسي، وخاصّة العصر الأول من أمثال الرشيد والمأمون وغيرهما؛ حيث أحبوا اللغة والأدب، وشجعوا الشعراء.
ومن عوامل نهضة النقد أيضًا: بدء تدوين العلوم في هذا العصر بالإضافة إلى نقل علوم اليونان والفرس والهند، وكاد أن يتحول الشعر والأدب إلى فنٍّ وصناعة بعد أن كان طبعًا وسليقة.
ومن العوامل أيضًا: ظهور كثير من الشعراء والكتاب والأدباء والعلماء من الموالي، الذين صاروا عربًا بالمربى لنشأتهم بالبصرة والكوفة، وكما هو معلوم أنّ هاتين المدينتين كان يقطنهما بعض القبائل العربية, التي انتمت إلى الكوفة أو البصرة بالولاء.
كل هذا أثر في الذوق الفطري، ومن ثمَّ تأثر النقد العربي تبعًا لذلك بهذه الثروة العلمية والأدبية الجديدة، وتحوّل إلى ذوق مثقف ثقافة علمية.
أثر الشعر في إذكاء هذه الحركة النقدية :
ومن ثمَّ ظهرت طائفة من الشعراء تأثروا بمظاهر الحضارة العباسية الجديدة، عرفوا بالشعراء الْمُحْدَثين، أو المولدين [لأن أكثر الأدباء وقتئذ كانوا مولدين، أي: من أبوين أحدهما عربي والآخر غير عربي ] وكان في طليعة الشعراء الْمُحْدَثين أو المولدين أبو نُوَاس وبشار بن بُرْد، فهؤلاء ممن أبدعوا الشعر المحدَث أو المولّد، الذي يتسم بالكلمة الرشيقة والمعنى الدقيق والأسلوب المميز.
ونلاحظ أنّ الشعراء في هذا العصر أيضًا استحدثوا الشعر التعليمي وطوعوا له وزن الرجز.
هذه النهضة الشعرية أثّرت في النقد أيضًا، فالثقافة التي نهل منها الأدباء، وخاصة الشعراء أثّرت في النقاد، وأذكَت حركة النقد على ما سنوضحه بعد حين .
نظرة عامة على الحركة النقدية العباسية :
إن الحركة النقدية في القرن الثاني الهجري، حين بدأ العباسيون يقودون العالم الإسلامي، قامت على نشاط اللغويين والنحاة والرواة، وهذه الحركة التي قامت على نشاط هؤلاء، قد ساروا بها في اتجاهين:
الاتجاه الأول: امتداد للنقد في العصرين الجاهلي والإسلامي[أي صدر الإسلام والأموي أيضًا] مع شيء من التطوير اقتضاه التحول الذي طرأ على الحياة في العصر العباسي الأول، ونلاحظ في هذاالاتجاه أن الشعراء قد يحقد بعضهم على بعض، وقد يختلفون أيضًا في أفضلية بعضهم على بعضهم الآخر؛ نتيجة لاختلافهم في الأذواق وفي مفهومهم للشعر، وهو نقد بطبيعة الحال معلل.
فقد روى عمر بن شبة عمّن أخبره عن أبي عمرو، أنه قال عن ذي الرمة أيضًا: "إنما شعره نقط عروس تضمحل عمّا قليل، وأبعار ظباء لها شمّ في أول شمها، ثم تعود إلى أرواح الأبعار"، أي: له حلاوة وجمال, ولكن لا يبقيان.
فقد اعتمد الرواة على أذواقهم في الحكم بأفضلية شاعر على آخر، فالذي يحب الغريب منهم كان يتحمّس للشاعر الذي يكثر منه في شعره، ويقدمه على غيره، والذي يحبّ النحو ويشتغل به كان يقدّم من يلتمس في شعره شواهد النحو، ومن لا يخرج في شعره على حدود قواعده. الاتجاه الثاني: اتجاه علمي تمثّل في جمع وتدوين الحُجَج التي أدلى بها أنصار كل شاعر في تفضيله، كما تمثل في التأليف بوضع كتب خاصة بالنقد وما يتصل به؛حيث كان التدوين والتأليف شاملًا غير مقصور على النقد الأدبي وحده، أو على النقل والترجمة العلمية من الأمم الأخرى، فقد كان اتجاهًا عامًّا شمل جميع المعارف العربية في ذاك العصر، وبعض هذه المؤلفات قد نهجت نهجًا تاريخيًّا في جمعها أشعار الجاهليين والإسلاميين، ورتبت أصحاب هذه الأشعار في طبقات، مثل ما صنعه أبو زيد القرشي في كتابه (جمهرة أشعار العرب)، ومثل ما صنعه محمد بن سلامفي كتابه (طبقات الشعراء).
وفوق هذا جهود الرواة واللغويين لم تكن مقصورة على جمع الأشعار فقط، من توثيق نصوصها، واستعراض شعر الشعراء، والموازنة، والتعليل... إلى غير ذلك، وإنما تخطى جهدهم إلى جمع أشعار اختاروها من قصائد جاهلية وإسلامية وهذا يدل على ذوقهم ودرايتهم بالجيّد من الشعر، ومن أشهر هذه المختارات المعلقات التي جمعها حمّاد الراوية في ديوان خاص به، وتُعتَبر من أهم المصادرفي الشعر الجاهلي، ومن أهم المختارات أيضًا (المفضّليّات)، وهي المنسوبة إلى جامعها المفضل الضبي الكوفي،
ومن أشهر المختارات أيضًا (الأصمعيات)، وهي منسوبة إلى صاحبها الأصمعي، صاحب الحافظة القوية والملكة التي يقال: إنها كانت تختزن عشرة آلاف أرجوزة ، ومن أشهر المختارات أيضًا (جمهرة أشعار العرب)، وهي منسوبة في جمعها إلى أبي زيد القرشي محمد بن أبي الخطاب.
وهذه النهضة الفكرية العلمية التي نمت في القرن الثاني, قد تلقّاها القرن الثالث الذي شهد نهضة شاملة في الحياة الفكرية من علمية وأدبية، لقد أفاد منها علماء القرن الثالث وأدباؤه، وأضافوا إليها الكثير من جهودهم؛ حيث تأثر النقد بالأدب، وخاصة الشعر الذي انفعل بالحياة الجديدة الآخذة بأسباب الحضارة، ولم يعد النقد الأدبي في هذا القرن يعتمد اعتمادًا كثيرًا على الذوق الفطري المحض، وإنما أخذ يتجه إلى نقد معلّل إلى حدٍّ كبير.
وقد قامت حركة النقد في هذا القرن الثالث، على أربع طوائف من النقاد: الطائفة الأولى: اللغويون والنحاة، الذين عنوا بجمع مفردات اللغة وأدبها ونحوها وعروض شعرها،كما عنوا بالنقد الأدبي.
ويرجع تميز هؤلاء في النقد إلى ملكتهم التي كوّنوها من خلال اشتغالهم باللغة، وتمرسهم بأساليبها وأسرارها، وقد استوعبوا الأدب القديم والحديث، وبخاصّة الشعر،ومن هؤلاء: ابن السكيت والمازني، والسجستاني، والسكري، والمبرد، وثعلب.
الطائفة الثانية: هي طائفة الشعراء المحدَثين، فإن آراءهم ومفاضلاتهم بين الشعراء وأحكامهم عليهم، لم تخرج عن نهج أسلافهم الشعراء في النقد؛ فالبحتري يفاضل بين اثنين من المحدَثين، ويحكم لأحدهما على الآخر حكمًا معللًا، فيقول: "دعبل بن علي الخزاعي أشعر عندي من مسلم بن الوليد، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: لأن كلام دعبل أدخل في كلام العرب من كلام مسلم، ومذهبه أشبه بمذاهبهم".
الطائفة الثالثة: العلماء الأدباء الذين
تعمقوا في الثقافة العربية، وألمّوا بالمعارف الأجنبية، وعلى رأس هذه الطائفة الجاحظ وابن قتيبة، فقد أثّرا في تطوير حركة النقد الأدبي في عصرهما تأثيرًا كبيرًا.
الطائفة الرابعة: طائفة مَن أخذوا القديم من اللغويين، ولكنهم عنوا أكثر منهم بالمحدَثين، وعلى رأس هذه الطائفة ابن المعتز، وقد أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد وأبي العباس ثعلب وغيرهما.
لقد أحدث هذا العصر لعلمائه وأدبائه نقلة كبيرة في النقد الأدبي، وظهرت كتب متعددة المناهج والموضوعات والغايات؛ فهنالك كتب نهجت نهجًا تاريخيًّا، مثل ما صنعه ابن سلام في(طبقات فحول الشعراء ) وابن قتيبة في (الشعر والشعراء)، وهناك مؤلفات كان من غاياتها إحصاء مآخذ العلماء والنقاد على الشعراء، مثل كتاب (الموشح)، وهنالك كتب تميزت بنقد خاص بشاعر أو أكثر، مثل ما صنعه الآمدي في (الموازنة)،والجرجاني في (الوساطة).
وهنالك كتب تميزت بالنقد العام مثل ما صنعه ابن طباطبا في (عيار الشعر)، وقدامة بن جعفر في (نقد الشعر)، وأبو هلال العسكري في (الصناعتين: الكتابة والشعر)، وابن رشيق في (العمدة في صناعة الشعر)، وهنالك كتب كانت أعمّ، وهي كتب الأدب والبيان، ويأتي على رأسها (البيان والتبيين) للجاحظ، و(الكامل) للمبرد، كما ينتمي إليها أيضًا ما صنعه القالي في (الأمالي)وما صنعه أبو حيان التوحيدي في (الإمتاع والمؤانسة).
وقد عالجت هذه الكتب قضايا متعددة تتصل باللفظ والمعنى، والمطبوع والمصنوع أو ما يسمّى بالطبع والصنعة، كما عالجت قضية الوحدة أو الكثرة في أغراض القصيدة، كما عالجت قضية الصدق والكذب في الشعر، وكذا عالجت المفاضلة أو الموازنة بين شاعرين أو شعرين في معنى واحد محدد، وتعرضت للسرقات الشعرية، وتعرّضت لعمود الشعر،وتعرضت لقضية العلاقة بين الشعر والأخلاق أو بين الشعر والدين.
وهكذا نرى العلماء قد طوّفوا بآفاق الفن الشعري، وتناول نقدهم كل جزء من جزئياته في الشكل والجوهر.
المحاضرة الحادية عشر
ظهور النقد المنهجي عند النقاد ومقاييسه في القرن الرابع الهجري
معنى النقد المنهجي واشهر رواده في القرن الرابع
النقد المنهجي: هو ذلك النقد الذي يقوم على منهج، تدعمه أسس نظرية أو تطبيقية عامة، ويتناول بالدرس مدارس أدبية، أو شعراء، أو خصومات، يفصل القول فيها، ويبسط عناصرها، ويبصر بمواضع الجمال والقبح فيها.
وقد كان القرن الرابع قرنًا مهمًّا في تاريخ النقد العربي؛ حيث اتجه العلماء والأدباء إلى الكتابة في الأدب والنقد، كما أفادوا من دراسات النقد فائدةً كبيرةً، فانتقلوا بالنقد من طور إلى آخر؛ فمزجوا بحوث النقدوالأدب بالبيان، كما بحثوا في مشكلات البلاغة، وذلك في أواخر هذا القرن. ونقاد الأدب والشعر في هذا القرن الرابع، يمكننا أن نصنّفهم إلى فريقين: فريق كتب ونقل ووازن وحكم، متأثرًا بذوقه الأدبي، وطبعه العربي، وثقافته الخالصة من شوائب الثقافات الأخرى، ومن هؤلاء: الحاتمي المُتَوَفَّى سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة, صاحب (الرسالة الحاتمية في نقد شعر المتنبي، وبيان سرقاته)، والحسن بن بشر الآمديالمُتَوَفَّى سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة صاحب (الموازنة بين الطائيين)، وعلي ابن عبد العزيز الجرجاني، القاضي المعروف المُتَوَفَّى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة, صاحب (الوساطة بين المتنبي وخصومه)، وابن وكيع المُتَوَفَّى سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، صاحب (المنصف في سرقات المتنبي)، وأبو بكر الباقلاني المُتَوَفَّى سنة ثلاث وأربعمائة، صاحب (إعجاز القرآن)، وقبلهم أيضًا: أبو بكر الصولي المُتَوَفَّى سنة ست وثلاثينوثلاثمائة، صاحب كتاب (أخبار أبي تمام)، وأبو الفرج الأصبهاني المُتَوَفَّى سنة ست وخمسين وثلاثمائة, صاحب كتاب (الأغاني).
أما الفريق الآخر فهو فريق كتب بروح أدبية هذبت فكرته، ووسعت أفقَه الثقافاتُ الأخرى التي هضمها القرنُ الرابع، ومن هذا الفريق: قدامة بن جعفر المُتَوَفَّى سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، صاحب (نقد الشعر)، والصاحب بن عباد، المُتَوَفَّى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، صاحب(رسالة الكشف على مساوئ شعر المتنبي)، وأبو هلال العسكري المُتَوَفَّى سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، صاحب (الصناعتين) و(ديوان المعاني).
وهذا الفريق الأخير يختلف نقدهُ قوةً وضعفًا، بحسب تمكن الطبع العربي من نفوسِ رجَالِهِ وأعلامه، وتتفاوت منازلهم في الإجادة والإحسان بتفاوتهم في الذوق الأدبي الذي يعتد به في الحكومات الأدبية العادلة، وكثير من نقَّادِ هذا القرن وجهوا عنايتهم الأولى إلى شعر شاعرين لهماأثرهما في الشعر العربي، فأبو بكر الصولي وابن بشر الآمدي اتجها إلى أبي تمام وشعره، فدافع عنه الصولي دفاع المعتدّ به المعتزّ بقيمته، وحشد كل ما رآه سببًا لقبول هذه الحكومة من شعر الشاعر، ونقد الناقد، وحكومة من قبله من رجال الأدب والنقد، ووازن الآمدي بينه وبين البحتري، عارضًا شعره وما عليه من مؤاخذات ترجع إلى سرقة المعاني، أو الخروج عن النهج العربي في أساليب التعبير والبيان،متجهًا إلى تقديم البحتري عليه؛ لطبعه، وقلة ما أُخذ عليه من مؤاخذات.
والحاتمي، وابن عباد، والجرجاني، وابن وكيع، كتبوا في نقد المتنبي وشعره؛ فنَدَّد بِهِ الحاتمي، وأشاد بمساوئ شعره ابن عباد، ووقف الجرجاني موقف القاضي النزيه، يفهم ويشرح، ويقرر ويحكم، وينصف الشاعر من جور المتعصبين له.
وأبو تمام، والمتنبي جديران بكل ما دار حول شعريهما من ضجَّةٍ . هذا هو شأن النقد الأدبي في القرن الرابع.َلَا شَكَّ في أن ظهور قدامة بن جعفرفي أوائل هذا القرن، ورجوعه إلى البيان اليوناني وما فيه من موازين للنقد ومناهج للبيان؛ كان تطورًا جديدًا في بحوث النقد والبيان، حيث كان يغلب عقلُه المنطقي ذوقه الأدبي؛ فتأثر به نفرٌ من نُقَّادِ هذا العصر كأبي هلال العسكري.
ولكننا نرى هذا القرن الرابع قد ظهر فيه الآمدي،فرسم منهجًا جديدًا في النقد وهوما سنتناوله الآن في العنصر الثاني.
النقد المنهجي عند الآمدي
كان يدور حول أبي تمام والبحتري؛ حيث عقد كتابًا خاصًّا بهما عنوانه: (الموازنة بين الطائيين) فهو يبدأ الموازنة بين البحتري وأبي تمام بأن يردد حجج أنصار كل شاعر، وأسباب تفضيلهم له، ثم يأخذ في دراسة سرقات أبي تمام وأخطائه وعيوبه البلاغية، ويفعل مثل ذلك مع البحتري؛ موردًا سرقاته، خصوصًا سرقاته من أبي تمام، ثم أخطاءه وعيوبه. وأخيرًا ينتهي إلى الموازنة التفصيلية بين ما قاله كل منهما، في كل معنى من معاني الشعر.
وبالرجوع إلى كتاب (الموازنة) نرى أن الآمدي لم يتعصب للبحتري، كما أنه لم يتعصب ضد أبي تمام.
والملاحظ أن الآمدي لم يكتب كتابه أيام عنف الخصومة بين أنصار أبي تمام والبحتري؛ فقد توفي أبو تمام سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وتوفي البحتري سنة أربع وثمانين ومائتين، والمعركة قد احتدمت بعد موتهما مباشرة حتى بلغت أقصاها في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري.
وجاء الآمدي بعد تراخي الزمن؛ فوجد عدة رسائل في التعصب لهذا الشاعر أو ذاك
كما وجد ديوانيهما قد جُمعا، وتعددت منهما النسخ قديمة وحديثة، ونظر في كل تلك الكتب؛ فوجد فيها إسرافًا في الأحكام، وعدم دراسة تحقيقية، وضعفًا في التعليل أو قصورًا؛ فتناول الخصومة بمنهج علميٍّ أشبه ما يكون بمناهجنا اليوم، فقد رجع إلى النسخ القديمة وحقق الأبيات، ورجع إلى النسخ الأخرى ؛ لتحقيق النص قبل الحكم عليه، سواء أكان الشعر من أبيتمام أم من البحتري، لقد كان من مقتضيات منهج الآمدي -وهو منهج صحيح- أن يجمع كل تلك الكتب، ويدرسها قبل أن يأخذ في الموازنة بينهما. لقد نظر الآمدي فوجد أكثر من شاهده ورآه من رواة الأشعار المتأخرين، يزعمون أن شعر أبي تمام حبيب بن أوس الطائي لا يتعلق بجيده جيدٌ مثله، ورديئه مطروح ومرذول؛ فلهذا كان مختلفًا لا يتشابه، وأن شعر الوليد بن عبيد الله البحتري صحيح السبك، حسن الديباجة، ليس فيه سفاسفولا رديء ولا مطروح؛ ولهذا صار مستويًا يشبه بعضه بعضًا.
ووجدهم فاضلوا بينهما؛ لغزارة شعريهما وكثرة جيدهما، ولم يتفقوا على أيِّهما أشعر، كما لم يتفقوا على أحد مما وقع التفضيل بينهم من شعراء الجاهلية والإسلام والمتأخرين، وذلك كمن فضل البحتري، ونسبه إلى حلاوة النَّفس، وحسن التخلُّص، ووضع الكلام في مواضعه، وصحة العبارة، وقرب المأتى، وانكشاف المعنى، وهُمُ الكُتَّاب، والأعراب، والشعراءالمطبوعون، وأهل البلاغة.
ومثل من فضل أبا تمام، ونسبه إلى غموض المعاني ودقتها، وكثرة ما يورد مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج ، وهؤلاء أهل المعاني والشعراء أصحاب الصنعة، ومن يميل إلى التدقيق وفلسفي الكلام، وإن كان كثير من الناس قد جعلهما طبقة، فيقول:
( وذهب قوم إلى المساواة بينهما، فإنهما لمختلفان؛ لأن البحتري أعرابي الشعر، مطبوع على مذهب الأوائل،
وما فارق عمودَ الشعر المعروف، وكان يتجنب التعقيد ومستكرَه الألفاظ ووحشي الكلام؛ فهو بأن يقاس بأشجع السلمي، ومنصور، وأبي يعقوب المكفوف، وأمثالهم من المطبوعين أولى. ولأن أبا تمام شديد التكلف، صاحب صنعة، مستكره الألفاظ والمعاني، وشعره لا يشبه أشعار الأوائل، ولا هو على حد طريقتهم؛ لما فيه من الاستعارات البعيدة، والمعاني المولدة، فهو بأن يكون في حيز مسلم بن الوليد ومن حَذَا حذْوَهُ أحق وأشبهوعلى أني لا أجد من أقرنه به؛ لأنه ينحط عن درجة مسلم؛ لسلامة شعر مسلم، وحسن سبكه، وصحة معانيه، ويرتفع عن سائر من ذهب هذا المذهب، وسلك هذا الأسلوب؛ لكثرةِ محاسنِهِ وبدائعه، واختراعاته، ولا نحب أن نطلق الحكم بأيهما أشعر) فهذا كلام يصدر من ناقدٍ مؤرخٍ، يرى الخصائص، ويفسر الظواهر ويقارن بين المذاهب المختلفة.
فهو يخبرنا عمن يفضلون البحتري: الكتاب، والأعراب، والشعراءالمطبوعين، وأهل البلاغة، وعمن يفضلون أبا تمام: أهل المعاني،والشعراء أصحاب الصنعة، ومن يميل إلى الترقيق وفلسفي الكلام، كما يحدثنا عن مذهب كل منهما: عمود الشعر عند البحتري، والبديع عند أبي تمام، ويربط بين الشعراءالمعاصرين؛ (فالبحتري من مذهب أشجع السلمي، ومنصور، وأبي يعقوب المكفوف، وأبو تمام بأن يكون في حيز مسلم بن الوليد ومن حذا حذوه أحق وأشبه) وهذا ليس تعصبًا، وهو وإن فضل شعر مسلم علىشعر أبي تمام؛ فإنه لم ينكر على هذا الأخير أكثر محاسنه وبدائعه واختراعاته، كما نراه يرفض أن يطلق الحكم بأيهما أفضل.
ونراه يعالج قضاياه العامة، فيعرض الحجج التي كان يحتج بها أنصار الشاعرين، ثم يذكر السرقات التي نسبت إلى كل منهما، ثم يأخذ في دراسة النقد الموضوعي، فيتحدث عن أخطاء أبي تمام وعيوبه، وأخطاء البحتري وعيوبه، ثم يذكر محاسن كل من الشاعرينأبي تمام، والبحتري، ثم يوازن موازنة تفصيلية بين الشاعرين بتتبع معانيهما معنًى معنى.
وقد استخدم الآمدي المعارف المختلفة التي انتهى إليها عصره خير استخدام؛ فنراه يقسم أخطاء أبي تمام وعيوبه إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أخطاء في الألفاظ والمعاني.
الثاني: ما في بديعه من إسراف وقبح.
الثالث: ما كثر في شعره من الزحاف،واضطراب الوزن.
ويصنع الصنيع نفسه مع البحتري.
فهذا كله يدل على أنه قد انتهج في نقده الأصول المتبعة، فيما يسمى بـ: "النقد المنهجي" أو "النقد العلمي".
المحاضرة الثانية عشر
تابع النقد المنهجي عند النقاد ومقاييسه في القرن الرابع الهجري
النقد المنهجي عند القاضي الجرجاني
كان قاضيًا عالمًا في روحه وأسلوبه، وكان أيضًا قاضيًا في منهجه النقدي، لا يقل في تميزه عن النقاد المجيدين كالآمدي، ويتلخص منهجه في النقد في قياس الأشباه والنظائر، وعلى هذا الأساس بنى معظم وساطته بين المتنبي وخصومه.
فهو يبدأ كتابه بتعزيز الحقيقة التي لمسها بنفسه من تعصب الناس للمتنبي أو عليه عن هوى، ويلاحظ أن خصوم الشاعر قد عابوه مثلًا بالخطأ فيحاول أن ينصفه فلا يناقش ما خطئوه فيه، بل يقيسه في أشباههونظائره عند الشعراء المتقدمين، وعنده أنه لم يسلمهم أيضًا من الخطأ، فيقول:
"ودونك هذه الدواوين الجاهلية والإسلامية؛ فانظر هل تجد فيها قصيدةً تسلم من بيتٍ أو أكثر لا يمكن لعائب القدح فيه؛ إما في لفظه ونظمه، أو ترتيبه وتقسيمه، أو معناه وإعرابه؟ ولولا أن أهل الجاهلية جدوا بالتقدم، واعتُقد فيهم أنهم القدوة والأعلام والحجة؛ لوجدت كثيرا من أشعارهم معيبة مسترذلة ومردودة منفية،ولكن هذا الظن الجميل والاعتقاد الحسن ستر عليهم؛ فذهبت الخواطر في الذب عنهم كل مذهب، وقامت بالاحتجاج لهم كل مقام". ثم يورد الجرجاني أمثلةً لما يعتقده خطأ عند القدماء، أغلبه ينحصر في التسكين حيث يجب التحريك؛ وفقًا لقواعد النحو بعد أن استقرت وقنن لها، كما أن من بينها ما يراه خطأ في إصابة صفات الأشياء، وفساد المعنى.
وهو يرى أن النحويين قد تكلفوا من الاحتجاج لهم إذا أمكن تارة بطلبالتخفيف عند توالي الحركات، ومرة بالإتباع والمجاورة، وما شاكل ذلك من المعاذير المتمحلة، وتغيير الرواية إذا ضاقت الحجة، وتثبيت ما راموه في ذلك من المرامي البعيدة، وارتكبوا لأجله من المراكب الصعبة التي يشهد القلب أن المحرك لها والباعث عليها شدة إعظام المتقدم، والكلف بنصرة ما سبق إليه الاعتقاد وألفته النفس.
إن الجرجاني لا يناقش الأخطاء، وإنما يعتذر لها، فهو مدافع لا ناقد يناقش ماأُخذ على الشاعر من أخطاء أو عيوب فنية؛ لذلك نراه إذا فرغ من مسألة الأخطاء، أخذ في مناقشة المسألة المهمة التي تعتبر مفصل الخصومة، وهي تفاوت الشاعر جودة ورداءة، ثم اختلافه عن شعر السابقين، وإن يكن قد وسَّع منه، فأضاف إلى القياس النظرة التاريخية، وهنا تكمن شخصية الجرجاني الناقد، الذي لم يكن قاضيًا عالمًا فقط، بل مؤرخًا أيضًا.
وحينما نقارن ذوقَهُ بذوق الآمدي، نجد أن الناقدين يفضلان الشعر المطبوع علىالصناعة، وإن كان الآمدي أميل من الجرجاني إلى إعزاز القديم، وتحكيمه في الشعر الحديث؛ يقول الجرجاني عن لغة الشعر:
"ومتى سمعتني أختار للمحدَث هذا الاختيار، فلا تظن أني أريد بالسمح السهل الضعيفَ الرقيق، ولا باللطيف الرشيق المؤنثَ، بل أريد اللفظ الأوسط؛ ما ارتفع عن الساقط السوقي، وانحطَّ عن البدوي الوحشي".
ثم نراه يقول: "وإذا أردت أن تعرف مواقع اللفظ الرشيق في القلب؛ فتصفح شعر جرير وذي الرمة في القدماء، والبحتري في المتأخرين، وتتبع نسيب متيم العرب، ومتغزل أهل الحجاز، كـ: عمر، وكثير، وجميل، ونصيب، وأضرابهم، وقِسْهُم بمن هو أجود منهم شعرًا، وأفصح لفظًا وسبكًا، ثم انظر واحكم وانصف، ودعني من قولك: هل زاد على كذا؟ وهل قال إلا ما قاله فلان؟ فإن روعة اللفظ تسبق بك إلى الحكم، وإنما تقضي إلى المعنى عندالتفتيش والكشف، وملاك الأمر في هذا الباب خاصة ترك التكلف، ورفض التعمل والاسترسال للطبع، وتجنب الحمل عليه والعنف به، ولست أعني بهذا كل طبع، بل المهذب الذي صقله الأدب، وشحذته الرواية، وجلته الفطنة، ومتى أردت أن تعرف ذلك عيانًا، وتستثبته مواجهة، فتعرف فرق ما بين المصنوع والمطبوع، وفضل ما بين السمح المنقاد والعصي المستكره؛ فاعمد إلى شعر البحتري، ودع ما يصدر بهالاختيار، ويعد في أول مراتب الجودة، ويتبين فيه أثر الاحتفال، وعليك بما قاله عن عفوِ خاطِرِهِ، وأول فكرته".
فمن هذا النص نرى أن اللغة التي يفضلها الجرجاني في الشعر، هي تلك التي تسمو عن السوقي، ولا تصل إلى الوحشي، وفي اختياره للبحتري، وجرير، وذي الرمة، ومتغزلي أهل الحجاز؛ ما يدل على سلامة ذوقه ودقته. والفرق بين الجرجاني والآمدي: أن الجرجاني أقرب إلى محبة السهولة الرصينة من الآمدي،وإن اتفقا في حكمهما على جوهر الشعر ذاته؛ فالآمدي أديب الذوق،حارّ النفس سريع الانفعال، يتعصب ككل أديب لما يراه جميلًا، ويثور ضدَّ مَا يبدو له قبيحًا، ونراه أكثر من مرةٍ يتهمُ أَبَا تمام بالحمق والسخف، وتلك لغة لا يعرفها الجرجاني القاضي، المتزن الهادئ النفس، السمح الطبع الرحب الصدر؛ فالجرجاني كالآمدي يفضل الشعر المطبوع، ولكنه لا يتعصب له.
وملخص مقاييس الجودة عند القاضي علي الجرجاني:
هي الخلوّ من الابتذال قدر البعد عن الصنعة والإغراب، ثم تأثيره في نفس السامع فالجرجاني هنا ناقد فني، وناقد إنساني بخلاف الآمدي الذي يغلب عليه النقد الفني الخالص، نقد الصياغة والمعاني في ذاتها، وللآمدي في ذلك عذره بأنه يتناول بالدرس شاعرين صارت الخصومة حولهما؛ بسبب اختلافهما في طرق الصياغة فقط.
أما الجرجاني فلم يتقيد بقيد كهذا، فلم يختصم الناس في المتنبي من أجل مذهبفني، وإنما اختصموا في الرجل وطبعه وفنه الأصيل، الذي لم يجر على مذهب بعينه.
من موضوعات النقد المنهجي : الموازنة بين الشعراء:
الموازنة التي نقصدها هي الموازنة المنهجية ، وهذه الموازنة بهذا الوصف لا نجدها إلا عند الآمدي، فقد كانت الموازنة قبله بعيدة في جملتها عن الروح العلمية؛ حيث لم تصدر عن مناهج علمية مستقيمة، فظهرت كمفاضلة أو طبقات تقوم على مقاييس فنية وفقًا للأهواء، وعصبيات العشائر، والأحكام فيها مقتضبة غير مفصلة على خلاف ما هو معروف في النقد العلمي المنهجي ، وموازنة الآمدي موازنة منهجية فنية لم تحتمل المنهجينالتاريخي والنفسي؛ لعدم ظهور علاقة واضحة بين حياة الطائيين وبين شعريهما .
وقد استطاع الآمدي أن يجعل لموازنتِهِ قيمَةً حقيقية؛ وذلك بأمرين:
الأمر الأول: أنه لم يقصرها على أبي تمام والبحتري, بل أحاط بكل معنى عرض له عند الشعراء المختلفين.
الأمر الثاني: أنه لا يقف فيها عند مجرد مفاضلة بين شاعرين، بل يتعداها إلىإيضاح خصائص كل منهما، وما انفرد به دون صاحبه أو دون غيره من الشعراء، وحين يكشف لنا الآمدي عن خصائص كل شاعر، وعما يخالف فيه غيره من الشعراء لا يفسر سبب ما يلاحظه، وإنما يكتفي بأن يناقشه من الناحية الإنسانية فقط، ولنضرب مثالًا يوضح ما قلناه: يتحدث الناقد مثلًا عما لاقاه في سؤال الديار، واستعجامها عن الجواب والبكاء، فيورد لأبي تمام قوله:من سجَايَا الطُّلُولِ ألَّا تجيبا
فصوابٌ من مُقلتي أن تَصُوبَافَسَأَلْنَاهَا واجْعَل بُكَاكَ جَوَابَا
تَجدْ للشَّوق سائلا ومجيبَا".
تصوب في البيت الأول من قولهم: صاب المطر، أي: انصبّ، ثم يقول الآمدي: "وقوله: "فَسَأَلْنَاهَا واجْعَل بُكَاكَ جَوَابَا"؛ لأنه قد قال: من سجاياها ألا تجيبا، فليكن بكاك الجواب؛ لأنها لو أجابت أجابت بما يبكيك، أو لأنها لما لم تجب علمتَ أن من كان يجيب قد رحل عنها؛ فأوجب ذلك بكاك.
وقوله: "تجد الشوق سائلًا ومجيبا"، أي: إنك إنما وقفت على الدار، وسألتها لشدة شوقك إلى من كان بها، ثم بكيت شوقًا أيضًا إليهم، فكان الشوق سببًا للسؤال وسببًا للبكاء، وهذه فلسفة حسنة ومذهب من مذاهب أبي تمام، ليس على مذاهب الشعراء ولا طريقتهم".
فالآمدي يبصرنا بأن هذا المعنى من ابتكارات أبي تمام، ولكنه لا يفسر عثوره به ولا اختياره له، وإنما هو توليد شعري ومذهب فني انفرد به، ولو حاولنا أن نردذلك إلى حقيقة نفسية لصعب الأمر علينا؛ لأن الأمر كله أمر صناعة تقليدية، وأبو تمام لم يسلم على الديار، ولم يقف بها ويبك عليها؛ لأن شيئًا من ذلك قد حدث فعلًا في حياته، وإنما فعل ذلك القدماء وجاء هو فسلك سبيلهم، ولا ننكر أنه هو أو غيره من المقلِّدين قد يكون صادق الحزن.
إن الناظر في موازنة الآمدي بين الشعراء يمكنه أن يستخلص منهجه العام فيها؛ فقد تتبع فيها ترتيب المعاني في القصيدةالعربية التقليدية, فقسمها إلى ديباجة، وخروج في معاني المدح؛ فموازنته موازنة منهجية في ناحيتيها: ناحية المفاضلة ، وناحية استنباط الخصائص.
ولقد حَكَم كثيرٌ من الدارسين على موازنة الآمدي، بأنها الوحيدة في تاريخ النقد العربي؛ لأن المؤلفين اللاحقين قد اكتفوا بنقل آراء السابقين في المفاضلة بين الشعراء، كما في (عمدة) ابن رشيق، أو أتوا بموازنة وصفية عامة كالتي يوردها ابن الأثير عندما يوازن بين أبي تمام والبحتري والمتنبي، ويحدد فيها خصائص كلٍّ منهم، أو يضعوا مقاييس للحكم على جودة الشعر ورداءته كما فعل عبد القاهر الجرجاني.
وأما عبد العزيز الجرجاني القاضي فإنه قارن بين المتنبي وغيره من الشعراء ولكن مقارنته جاءت مقتضبة؛ لتظل موازنة الآمدي فريدة في النقد العربي -كما رأى كثير من العلماء المحدَثين.
  رد مع اقتباس