|
أكـاديـمـي نــشـط
|
رد: محتوى النقد العربي القديم من تجميعي
كتاب (طبقات فحول الشعراء) لإبن سلام أولا: التعريف بإبن سلام :
هو أبو عبد الله محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم الجمحي البصري، مولى قدامة بن مظعون الجمحي، وُلِدَ بالبصرة في سنة تسع وثلاثين ومائة، وتوفي ببغداد سنة إحدى وثلاثين ومائتين أو سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وقد ابيضَّتْ لحيته ورأسه ولَهُ سبْع وعشرون سنة، وعمَّر نحوًا من ثلاث وتسعين سنة.سمع شيوخ العلم والحديث والأدب، كما سمع منه شيوخ العلم والحديث والأدب أيضًا، فقد عاصر كثيرًا من علماء اللغة ونُحاتِهَا ورواة أدبها وأخبارها ممن عاشوا في القرن الثاني الهجري، في تلك البيئة التي اشتهرت بالمحققين من العلماء في صنوفِ الثقافة العربية، وتصفه كتب التراجم بأنه أحد الأخباريين والرواة، وبأنه كان من أهل الأدب.
وتصفه بعلمِهِ الواسعِ بالشعر والأخبار, وقد عدَّهُ الكاتبون في طبقات النحاة واللغويين في الطبقة الخامسة بين علماء البصرة.
أما شيوخه في كتابه (طبقات فحول الشعراء)، فقد ذكر محقق الكتاب وهو الشيخ محمود محمد شاكر -رحمه الله- عددًا كبيرًا، منهم: الأصمعي، وبشار بن برد، وخلف الأحمر، وأبو زيد الأنصاري، وسيبويه، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، وقد عدَّهُم المحقق ورأى أن عدتهم تسعةوسبعون شيخًا، روى عنهم ابن سلام في كتابه؛ منهم أبوه سلام بن عبيد الله بن سالم الجمحي.
فقد كان ابن سلام من أهل بيت لهم في العلم باع، منهم أبوه وأخوه عبد الرحمن بن سلام الجمحي أحد رواة الحديث, روى عنه مسلم وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم، وقد روى عن ابن سلام نفرٌ من العلماء منهم: ثعلب، وأبو حاتم، والمازني، وأحمد بن حنبل، وابنه عبد الله بن أحمد، وغيرهم من الأئمة.
ثانيا : التعريف بالكتاب :
ترك ابنُ سَلَّام عدَّةَ كُتب تدلُّ على تنوع معارفه, منها: كتاب (غريب القرآن) وكتاب (بيوتات العرب) وكتاب (طبقات فحول الشعراء)، وهناك قول بأن له في الطبقات كتابين؛ للشعراء الجاهليين كتاب، وللشعراء الإسلاميين كتاب آخر. وقد نُشِرَ الكتاب بشرح وتحقيق الأستاذ محمود محمد شاكر، الذي تصرف في الاسم المعروف للكتاب (طبقات الشعراء) فجعله (طبقات فحول الشعراء) وهو بهذا قد قدمعملًا نافعًا، وأسدى إلى الباحثين يدًا بما جمع من أقوال رواها المرزباني في (الموشح) عن إبراهيم بن شهاب عن أبي خليفة عن ابن سلام، وقد تمم بهذه الأخبار وغيرها نقصًا رآه في الكتاب، أو صحح بها خطأ.
ثالثا : منهج الكتاب وقيمته :
أما منهج ابن سلام في (الطبقات) فيبرز في أنه تكلم في الشعراء، وأراد أن يُنزلهم منازلهم ويصنفهم إلى طبقات، وقد انتهج لتحقيق هذه الغاية ثلاثة أمور:
الأمر الأول: الفحص عن الأشعار المنسوبة إليهم؛ للتأكد من صحة نسبتها إليهم.
الأمر الثاني: النظر في التراث الذي خلفه الشعراء نظرةً عميقةً، تمكن من الحكم عليه؛ لمعرفة نواحي الإجادة ومواضع التقصير.
الأمر الثالث: الإفادة في أحكامه من آراءالسابقين؛ حيث استعان ابن سلام في أحكامه برواية أقوال من مضى من أهل العلم في الشعراء، وأفاد من آرائهم في تقديم شاعر على غيره أو تحديد طبقته.
وقد سلك في النظر إلى الشعراء طرقًا مختلفة، منها: الطريقة التاريخية حيث قسم الشعراء؛ بحسب أزمانهم إلى جاهليين ومخضرمين وإسلاميين، كما نظر في بيئاتهم وأثرها في شعرهم؛ فخصص فصلًا لشعراء القرى العربية، وشعراء المدينة، وشعراء مكة، وشعراء الطائف,وشعراء يهود المدينة.
كما نظر إلى الشعراء من ناحية فنون شعرهم وأبوابه، واقتصر على المجودين في المراثي دون غيرهم من الذين عالجوا سائر الأغراض؛ لكون شعر الرثاء أغزر ألوان الشعر المميزة بالعاطفة الصادقة؛ لذلك جاءت الجهود النقدية لابن سلام مبنية على منهج علمي في محاولتِهِ تصنيف الشعراء, حيث نجد كتابًا وافيًا للشعر العربي يسلك صاحبه المنهج العلمي.
ولا شك في أن محاولة تقسيم الأدباء والشعراء إلى طبقات بحسب تفاوتهم في كثرة النتاج، أو في جودته، أو في قدرتهم على التصرف في فنون الشعر -تُعَدُّ من فنون الدراسات النقدية، فقد جعل الجاهليين من الشعراء عشر طبقات، وجعل في كل طبقة أربعة شعراء.
الطبقة الأولى: امرؤ القيس، ونابغة بني ذبيان، وزهير بن أبي سلمى, والأعشى ميمون بن قيس. الطبقة الثانية: أوس بن حجر، وبشر بن أبي خازم، وكعب بن زهير، والحطيئة
الطبقة الثالثة: النابغة الجعدي، وأبو ذؤيب الهذلي، والشماخ بن ضرار، ولبيد بن ربيعة.
الطبقة الرابعة: طرفة بن العبد، وابن الأبرص، وعلقمة، وعدي بن زيد.
الطبقة الخامسة: خداش بن زهير، والأسود، والمخبل السعدي، وتميم بن أبي نويرة.
الطبقة السادسة: عمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة, وعنترة بن شداد، وسويد بن أبي كهل.
الطبقة السابعة: سلامة بن جندل، والحصين بن الحمام، والمتلمس، والمسيب بن علس.
الطبقة الثامنة: عمرو بن قميئة، والنمر بن تولب، وأوس الهجيمي، وعوف بن عطية.
الطبقة التاسعة: ضابئُ البرجمي وسويد بن قراع، والحويدر الذبياني، وسحيم عبد بني الحسحاس.
الطبقة العاشرة: أمية بن حرثان، وحريث بن محفظ، والكميت بن معروف، وعمرو بن شأس. ثم عقب هؤلاء بطبقة أصحاب المراثي، وهم: متمم بن نويرة والخنساء، وأعشى باهلة، وكعب بن سعد الغنوي
ثم بشعراء القُرَى العربية وهن خمسٌ: المدينة ومكة والطائف واليمامة والبحرين، وشعراء المدينة الفحول خمسة: ثلاثة من الخزرج، واثنان من الأوس، فمن الخزرج من بني النجار حسان بن ثابت، ومن بني سلمة كعب بن مالك، ومن بلحارث بن الخزرج عبد الله بن رواحة، ومن الأوس قيس بن الخطيم من بني زفر، وأبو القيس بن الأسلت من بني عمرو بن عوف.
وبمكة شعراء وأورعهم شعرًا عبد الله بن الزبعرى, وفيهم شعراء هم: أبو طالب ابنعبد المطلب، والزبير بن عبد المطلب, وأبو سفيان بن الحارث، ومسافر بن أبي عمرو بن أمية، وضرار بن الخطاب، وأبو عزة الجمحي، وعبد الله بن حذافة، وهبير بن أبي وهب. وشعراء الطائف: أبو الصلت بن أبي ربيعة، وابنه أمية بن أبي الصلت وهو أشعرهم، وأبو محجن الثقفي، وغيلان بن سلمة, وكنانة بن عبد يعيش.أما اليمامة؛ فإن ابن سلام يقرر أنه لا يعرف بها شاعرًا مشهورًا، قال ابن سلام: "وفي البحرين شعر كثيروفصاحة، ومن شعرائها: المثقب العبدي، والممزق العبدي، والمفضل بن معشر".
وفي يهود المدينة وأكنافها شعر جيد، ومن شعرائها: السموءل بن عادياء، والربيع بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وشريح بن عمران, وشعبة بن غريض، وأبو قيس بن رفاعة، وأبو الزيال، ودرهم بن زيد.
أما الشعراء الإسلاميون فقد جعلهم كالجاهليين عشر طبقات أيضًا, وفي كل طبقة أربعة شعراء:
الطبقة الأولى: الفرزدق، وجرير، والأخطل، والراعي.
الطبقة الثانية: البعيث المجاشعي، والقطامي، وكثير عزة، وذو الرمة.
الطبقة الثالثة: كعب بن جعيل، وعمرو بن أحمر الباهلي، وسحيم بن وثيل الرياحي, وأوس بن مغراء القريعي.
الطبقة الرابعة: نهشل بن حريّ الدارمي, وحميد بن ثور الهلالي، والأشهب بن رميلة، وعمر بن لجأ التيم.
الطبقة الخامسة: أبوزبيد الطائي، والعجير ابن عبد الله السلولي، وعبد الله بن همام السلولي،ونفيع بن لقيط الأسدي.الطبقة السادسة: حجازيون: ابن قيس الرقيات، والأحوص الأنصاري, وجميل، ونصيب.
الطبقة السابعة: المتوكل الليثي، ويزيد بن ربيعة، وزياد الأعجم، وعدي بن الرقاع.
الطبقة الثامنة: عقيل بن علفة المري, وبشامة بن الغدير، وشبيب بن البرصاء، وقراد بن حنش.
الطبقة التاسعة: رجاز: الأغلب العجلي، وأبو النجم العجلي، والعجاج بن رؤبة، ورؤبة بن العجاج.
الطبقة العاشرة: تضم مزاحم بن الحارث العقيلي، ويزيد بن الطثرية، وأبا دؤاد الرؤاسي، والقحيف بن سليم العقيلي.
ونُجمل آراء ابن سلام النقدية فنقول: لقد رأى أن الشعر ونقده صناعة، وأن له ثقافة لا يعرفها إلا أهلُ العلم به كسائر أصناف العلوم والصناعة، كما لا يغفل أثر الذوق في تقدير القيم الفنية والإحساس بالجمال، ولنا أن نقرأ مقدمة كتابه؛ لنرى قوله: "وللشعر صناعة، وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصنافالعلم والصناعات، منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان ،من ذلك اللؤلؤ والياقوت لا تعرفه بصفة، ولا وزنٍ دون المعاينة ممن يبصره، ومن ذلك الجهبذة بالدينار والدرهم, لا تعرف جودتهما بلون ولا مس ولا طراز، ولا وسم ولا صفة، ويعرفه الناقد عند المعاينة، فيعرف بهرجها وزائفها، وستوقها ومفرغها -الستوق: إذا كان من ثلاث طبقات يرد ويطرح، والمفرغ: المصمت المصبوبفي قالب ليس بمضروب- ومنه البصر بغريب النخل، والبصر بأنواع المتاع وضروبه، واختلاف بلاده مع تشابه لونه ومسه وزرعه, حتى يضاف كل صنف إلى بلده الذي خرج منه.
وكذلك بصر الرقيق فتوصف الجارية فيقال: ناصعة اللون، جيدة الشطب, نقية الثغر، حسنة العين والأنف، جيدة النهود، ظريفة اللسان، واردة الشعر؛ فتكون في هذه الصفة بمائة دينار وبمائتي دينار،
وتكون أخرى بألف دينار وأكثر، ولا يجد واصفها مزيدًا على هذه الصفة، وتوصف الدابة فيقال: خفيف العنان، لين الظهر، شديد الحافر، فتي السن، نقي من العيوب؛ فيكون بخمسين دينارًا أو نحوها، وتكون أخرى بمائتي دينار وأكثر، وتكون هذه صفتها" إلى آخره.
كما بحث ابن سلام بحثًا عميقًا في الشعر الصحيح والشعر المصنوع, فأوجب على الناقد أن ينظر في النص الأدبي قبل أن ينقده، وقبل أن يحكم على الأديب بأنيتأكد من صحةِ نسبةِ الشعرِ إلى قائله؛ حتى لا يحكم على الشاعر بشعر غيره, الذي حمل عليه الصناع والمتزيدون.
ومن أمثلة ما نبه عليه من ذلك: أن الذي صح لطرفة، وعبيد بن الأبرص نحو عشر قصائد، وإن لم يكن لهما غيرهن فليس موضعهما حيث وضعا من الشهرة والتقدمة، وإن كان ما يروى من الغثاء لهما؛ فليس يستحقان مكانهما على أفواه الرواة.
ولم يفُت ابن سلام أن ينبه إلى بعضأسباب وضع الشعر وانتحاله, فذكر منها: أن العرب لما راجعت رواية الشعر، وذكر أيامها ومآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم، فأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار، فقالوا على ألسنة شعرائهم, ثم كانت الرواة بعد فزادوا في الأشعار.
ثم ذكر طائفة من الرواة المحققين الذين عُرِفُوا بالصدق، وفي طليعتهم -في نظره- يونس بن حبيب، والأصمعي، وأبو عمروبن العلاء، وخلف الأحمر؛ كما ذكر طائفة من الوُضَّاع منهم: محمد بن إسحاق، وحماد الراوية.
وهكذا نرى أن ابن سلام طرق عدة مسائل نقدية؛ فقد ربط النقد بخبرة الناقد وذوقه، ورأى الحاجة ملحة إلى تحقيق النصوص, حيث رأى أن بعض الشعراء قد نسب إليهم شعر لم يقولوه؛ لعوامل أرجعها إلى الرواة، والتدوين الذي حدث من القصاص، وأيضًا أرجع بعضها إلى ضياع كثير من الشعر،وانصراف الناس إلى الجهاد، كما أرجع بعضها إلى أن بعض القبائل قد استقلت شعراءهم؛ مما دعا إلى التزيد في الأشعار؛ لهذا تميزت آراء ابن سلام بذوق وإحساس مرهفين حيث استطاع أن يميز الشعر المنحول في العصر الجاهلي، كما كان ذا ذوقٍ رائعٍ ميّز به نسبة الشعر إلى بعض الشعراء دون بعض.
كما كان ابن سلام ذا ذوق ميز به خصائص الشعراء, كما ذكر فيخصيصة شعر المهلهل بن ربيعة، قالوا: وإنما سمي المهلهل؛ لهلهلة شعره، أي: اضطرابه واختلافه
ويظل كتاب ابن سلام من أهم ما كتب في النقد الأدبي عند العرب، ويظل ابن سلام من أجلَّاءِ النقَّادِ صحةَ ذهنٍ، ونفاذَ بصر، بما بسط من القول وأوضح من الدلائل وبَيَّنَ من العلل.
(البيان والتبيين)و(نقدالشعر)و(دلائل الاعجاز):منهاجها وقيمتها (البيان والتبيين ) للجاحظ : منهجه وقيمته:
إن (البيان والتبيين) واحد من مئات الكتب التي ألَّفَها شيخنا الجاحظ, أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة، ولُقِّبَ بالجاحظ لجحوظ في عينيه جعلهما بارزتين، كالخارجتين عن مكانهما، وهو عربي؛ لانتمائه إلى كنانة بن خزيمة، ، وكانت وفاتُه عام خمسة وخمسين ومائتين. وقد تهيأ للجاحظ ثقافة واسعة، وعلم وافر؛ ذلك أنه لم يدع علمًا معروفًا في أيامه إلا نظر فيه، واطلع عليه؛ فقد درس الفلسفة والمنطق، والطبيعيات، والرياضيات،والتاريخ، والسياسة، والأخلاق، والفراسة فاكتملت آلته؛ فإذا هو فقيه متكلم، متفلسفٌ محدِّثٌ، وإن لم يكن له حظ في الحديث.
فبرع في الأدب واللغة, وكان راويةً للأخبار والأشعار، بَحَّاثَةً عن الحيوان والنبات، نقَّادًا للأخلاق والعادات، ولم يكن الفلك والموسيقى والغناء بعيدًا عنه، وظهر هذا كله في مؤلفاتِهِ التي وصلت إلى ما يقرب من ثلاثمائة وستين مؤلفًا في فنون شتى من المعرفة
والجاحظ بحق يعد مؤسس علم البلاغة العربية, التي يقوم النقد العربي على كثير من أصولها، ويعد الجاحظ من خطباء المعتزلة وأئمتهم الكبار بمقتضى الحال، وكذا فصاحة الكلمة والكلام، وكذا البيان الذي جعله عنوانًا لهذا المؤلف المهم وهو البيان والتبيين .
ومن القضايا التي يراها القارئ في (البيان والتبيين):قضية البديع،والسجع، والمزدوج والتقسيم، والاحتراس، والاقتباس، وأسلوب الحكيم. ومن القضايا الخاصةبالنقد الأدبي نراه يفضل اللفظ على المعنى، ونراه يبدي رأيه في شعر العرب والمولدين، فيرى أن عامة العرب في مجموعهم أشعر من عامة الشعراء المولدين في مجموعهم، وإن كان ذلك الحكم لا يستوجب التفضيل في كل ما قالوه. ونراه يفرق بين المولَّد والأعرابي من جهةِ جودَةِ الشعر، ويقرر أن المولَّد يُلْحَق بالأعرابي في الأبيات، لا في القصائد الطوال ،كما نراه يقلل من شأن النحاة ورواة الأخبار, كما نراه يذكرالمطبوعين والمولدين من الشعراء، ويرى أن أطبعهم بشار ثم أبو نواس.والملاحظ أن الجاحظ وابن سلام تعاصرا، والمتمعن في كتابي الرجلين يرى أن كتاب الطبقات لابن سلام متقدم على (البيان والتبيين), وقد نقل الجاحظ فعلًا عن ابن سلام في (البيان) و(الحيوان)، وحينما نقارن في عجالة بين (الطبقات) و(البيان) نرى أن الطبقات قام على منهجٍ علميٍّ، أما البيان فهو موسوعة في الآداب وفنونِه، وفي أعلامِهِ.
ومن سمات (البيان والتبيين):الأسلوب الاستطراديوذلك لتشعب فنون الأدب، وحرص الجاحظ على إحصاء كل ظاهرةٍ بيانية. وقد بان أن الجاحظ اهتم باللفظ والمعنى معًا على خلاف القراءة السريعة لبعض النصوص التي تراه منتصرًا للفظ على حساب المعنى؛ لذلك انقسم الأدباء والنقاد ما بين مؤيدٍ ومعارضٍ لهذه الفكرة. وقد وضع أصولًا ثابتةً للأسلوب، وأهمها: أن الأسلوب تظهر معالمه لدى المخاطب والموضوع والمعنى، فينبغي أن يكون الأسلوب مطابقًا لأحوال المخاطبين.
(نقد الشعر) لقدامة بن جعفر : منهجه وقيمته:
قدامة هو: أبو الفرج قدامة بن جعفر بن قدامة بن زياد، وُلِدَ على الأرجح في بغداد سنة خمسٍ وسبعين ومائتين من الهجرة، وكانت وفاته بها سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وكان والده من كُتَّاب الدولة العباسية. كان هدفه من تأليف كتاب( نقد الشعر) ذكْرَ صفات الشعر التي إذا اجتمعت فيه كان في غايةِ الجودةِ، وهو الغرض الذي تنتحيه الشعراء، والغاية الأخرى المضادة لهذه الغاية هي نهاية الرداءة؛ ولذلك نراهُ يقسِّمُ الشعرَ إلى ثلاثطبقات: الأولى هي العليا، وهي التي في غاية الجودةِ، والأخيرة هي الدنيا، وهي التي في غاية الرداءة، ثم ما بين الطبقتين هي الطبقة الوسطى، وهي التي اجتمعت فيها صفات من الأولى، وصفات من الثانية. وكانت غايةُ قدامة تحديد كل طبقة من تلك الطبقات، وتوضيح معالمها وشرح خصائصها، وهذا الهدف يحدد بنفسه المنهج الذي سار عليه في تحقيقها، وهو منهج علمي يعتمد على التعريف والتحديد، ويجتهد في حصرِ المَسَائِل، وإحصاء الأحوال، واستقصاء الأجناس، فهو منهجٌ موضوعيٌّ فنيٌّ أَوْ أَدَبِيٌّ.
نظر قدامةُ في الشعر العربي؛ فوجده يتكون من أربعة عناصر هي: اللفظ، والمعنى، والوزن، والقافية، ووجد أن اللفظ والمعنى والوزن تأتلف فيحْدُثُ من ائتلافها معانٍ يُتَكَلَّمُ فيها، ولم يجد للقافية مع واحد من سائر الأسباب الأخرى ائتلافًا، ولكنه وجَدَ لها هذا الائتلاف مع سائر البيت، فأمَّا مع غيرها فلا؛ لأنها ليست ذاتًا يجب بها أن يكون لها ائتلافٌ مع شيءٍ آخر.واستطاع بهذا النظر أن يحصرَ ما يحدث من ائتلاف بعض هذه الأسباب مع بعض في أربعة أقسام: ائتلاف اللفظ مع المعنى، ثم ائتلافُ اللفظ مع الوزن، ثم ائتلاف المعنى مع الوزن، ثم ائتلاف المعنى مع القافية؛ فإذا أضيفت هذه الأربعة المركبات إلى الأربعة المفردات، ونعني بها اللفظ والمعنى والوزن القافية, صارت أجناس الشعر ثمانية، وإذا أتم له ما أراد من هذا الحصر ابتدأ بذكر نعوت كل منها مفردةً ومركبةً، وابتدأ باللفظ، ثم الوزن، .ثم المعنى، ثم القافية ، ثم انتقل بعد ذلك إلى نعتِ ائتلاف اللفظ مع المعنى، ثم ائتلاف اللفظِ مع الوزنِ، ثم ائتلاف المعنى مع الوزن، ثم ائتلاف القافية مع معنى ما يدل عليه سائر البيت، وهذا هو الفصل الثاني من الكتاب؛ لأنه خصص الفصل الأول للكلام في حد الشعر ومفهومه، وعلى النحو الذي سلكه في الفصل الثاني -أي: في ذكر النعوت، والمحاسن- يسير في الفصل الثالث الذي خصصه لذكر عيوب الشعر, على الترتيب نفسه الذي درسعلى أساسه النعوت، فأحصى عيوب المفردات، وعيوب المركبات، وبهذا يتم الكتاب، وتتم الصورة التي رسمها قدامة لكتابه. فمن نعوت اللفظ مفردًا: سماحته، وسهولة مخارج حروفه، ومن عيوبه: اللحن، والجري على غير سبيل اللغة، والحوشيات، والمعاظلة، ومن نعوت اللفظ مؤتلفًا مع المعنى: ما سماه بالمساواة، والإشارات والإرداف، والتمثيل، والمطابقة، والمجانسة، ومن عيوبه: الإخلال، وعكسه، ومن نعوتاللفظ مؤتلفًا مع الوزن: تمام الألفاظ، واستقامتها، ومراعاة نظامها وترتيبها، وعدم الزيادة فيها أو النقص منها, ومن عيوبه: ما سماه بالحشو، أو إحالة اللفظ من صورةٍ إلى أخرى لإقامة الوزن، أو التغيير أو التعظيل، وهو تقديم وتأخير لإقامة الوزن، ومن نعوتِ المعنَى مفردًا: ما سمَّاهُ بصحةِ التقسيم، وصحة المقابلات، وصحة التفسير والتتميم، والمبالغة، والتكافؤ، والالتفات. ومن عيوبه: فساد المقابلات، وفساد التفسير،والاستحالةُ والتناقض، ونسبةُ الشيء إلى ما ليس له، ذكر هذا بالطبع بعد ذكره نعوت المديح والهجاء، والمراثي، والتشبيه، والوصف، والنسيب.
ومن نعوت المعنى مؤتلفًا مع الوزن: تمامه واستيفاؤه وصحته، ومن عيوبه: القلب والبطن، ومن نعوت الوزن مفردًا: سهولة العروض والترصيع, ومن عيوبه: الخروج عن العروض، وكذا ما سماه بالتخليع، ومن نعوت القافية مفردة: عذوبة الحروف، وسلامة المخرج،والتصريع، ومن عيوبها: الإقواء والإيطاء، ومن نعوتها مؤتلفة مع سائر البيت: تعلقها بما تقدم من معنى البيت، والتوشيح والإيغال, ومن عيوبها: تكلفها واستدعاؤها، وتعمد السجع فيها من غير فائدة للمعنى.
هذا هو الهيكل العام للصورة التي ارتسمت في ذهن القدامى, وهذا هو المنهج الذي سلكه في نقد الشعر.
والمتأمل في جهوده النقدية يرى أنه جعل مجموع التقاليد الشعرية دعامة كتابه.
وقد دافع عن الشعراء القدماء، كما اهتم بالصورة الأدبية، ودرس كثيرًا من وسائل الافتنان في رسمها كالترصيع وغيره، وسماها نعوتًا للجودة أو محسنات بديعية، مشترطًا أن يستخدم هذا البديع دون تكلف، وهذا يكون من البلاغة حين تدرس بوصف كونها قوانين نظرية لها شروطها، وتكون من النقد حين تشرح مقاييسها النقدية، وكيف يقدر الشعر على أساسها إذا وجد.
(دلائل الإعجاز) لعبدالقاهر الجرجاني : منهجه وقيمته:
عبد القاهر هو: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني, من أسرة فارسية، نشأ في كنفها من المولد إلى الوفاة، وأقامت هذه الأسرة في جرجان، وهي يومئذٍ حافلة بمختلف الاتجاهات الفكرية، توفي سنة (471هـ).
وكتاب (دلائل الإعجاز) الذي بين أيدينا كتابٌ في الإعجاز القرآني, ذهب فيه عبد القاهر إلى تفصيل أسرار الإعجاز ودلائله من جهة نظمه, وبدأه ببيان فضل العلم الذي هو بصدده، والإيحاء بأن معرفةالإعجاز تقتضي معرفةَ الشعر، وبحثَ الأسبابَ التي يكون بها التباين في الفضل؛ ولهذا عَقَد فصلًا لمناقشة من زهدُوا في روايةِ الشعر وذمُّوا الاشتغالَ به، ومن أصغَرُوا أمرَ النحو وأنكروا دوره في صياغَةِ الكلام.
وأخذ يحققُ القولَ في البلاغةِ والفصاحةِ، والبيانِ والبراعةِ، ورأى أنه لا معنى لإفراد اللفظ بالنعت والصفة، ونسبة الفضل إليه دون المعنى غير وصفِ الكلامِ بحسن الدلالة.
ويرى -رحمه الله- أن النظمَ كان عنده النظير للنسج والتأليف والصياغة، والبناء والوشي والتحبير، وإذا ثبت أن المزية للفظ في حال نظمه إنما تعود للمعنى؛ وجب تفضيلُ أمر هذه المزية، وبيان الجهات التي تعرض منها؛ ومن هنا شرع الإمام عبد القاهر يدرس اللفظ، فيُطلق ويُراد به غير ظاهره من كنايةٍ ومجازٍ، ويدرس أشهر أنواع المجاز، وهو الاستعارة والتمثيل، ويعرض للتقديم والتأخير، ومواضعهما وأسرارهما، على ما تقتضيه معاني النحو وأحكامه، وعلى نحو من ذلك يعرض لمواضع الحذف والإضمار في الكلام، ويدرس الخبر والفرق بين قسميه، ويدرس الوجوه في استعمال الخبر اسمًا وفعلًا، مفردًا وجملةً، مثبتًا ومنفيًّا، معرفًا ومنكرًا، وما يفيده كلٌّ في موقعه من الكلام, ثم يتناول الفصلَ والوصلَ وقواعدهما، ومداخل التفنن فيهما وأسباب ذلك.
ويعاود القولَ في النظم, فينكر أن يكون التفاضل باللفظ وحده دون المعنى.
إن نظرية النظم للشيخ الإمام عبد القاهر نظرية خالدة متكاملة, تجمع بين الفلسفة اللغوية والذوق، والتي يعتمدها الغرب حاليا في فلسفة اللغات وفي نقد الآداب.
وفقكم الله ولاتنسوني من الدعاء
اختكم : ماذا لو ؟!!
|