فكم من الأمور التي يحزن الإنسان على فواتها فيتبين له مستقبلا أن في فواتها خيرا له، وكم من الأمور التي يحرص الإنسان على تحصيلها، فيترتب على حصوله عليها من المفاسد الشيء الكثير فيتمنى لو لم تحدث له، وهذا أمر مشاهد ويقع لكثير من الناس.
وأمر المؤمن دائما بين الصبر والشكر، فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ. رواه مسلم.
وسأذكر لك حديثا إذا تأملتيه جيدا سيذهب عنك ما أنت فيه، ويقوي ثقتك في قضاء الله لك، ويعطيك الأمل بأن ما يختاره الله للعبد هو خير مما يختاره العبد لنفسه، وأن المؤمن لا ييأس فقضاء الله كله حسن وخير، وأن المؤمن إذا بذل الأسباب المشروعة وامتثل أمر الله وسلم لقضائه، وهو على يقين وثقة بأن الله سيخلفه خيرا؛ لا شك بأن عاقبته قد تكون أفضل مما كان يتوقعه بكثير، وهذا الحديث ترويه أم سلمة رضي الله عنها، فقد توفي زوجها أبوسلمة رضي الله عنه، وكانت تقدره وتحبه حبا عظيما حتى أنها لشدة محبتها له لم تكن ترى أحدا يصلح لها زوجا خيرا من أبي سلمة، مع كثرة الصحابة الفضلاء الأخيار وقتها، ولم يكن يخطر في بالها الزوج الذي ادخره الله لها، وإليك قصتها، قالت رضي الله عنها: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا. قَالَتْ فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ مَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لِي فَقُلْتُهَا فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ فَتَزَوَّجْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رواه مسلم.
فلما صبرت وتأدبت بأدب الشرع في مصيبتها، وكان لها يقين وحسن ظن بالله، أصبحت من أمهات المؤمنين، وكانت لا يخطر في بالها أن وفاة أبي سلمة سترفعها إلى درجة لم تكن تتوقعها، وهي زواجها من خير البشر أجمعين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقولي مثل ما قالت أم المؤمنين أم سلمة واصبري، ولعل الله ادخر لك وظيفة لم تكوني تحلمي بمثلها، واطرحي عنك التفكير في هذه الوسواس وأبشري فقضاء الله كله خير.