هذه القاعدة تعتبر من القواعد الكبرى التي يعتمد عليها الفقهاء في تقرير الأحكام الشرعية للحوادث والمسائـل المستجـدة، وأغلب كتب القواعـد الفقهيـة عبرت عنها بقول: (الضرر يزال)، وعبر عنها الشيخ عبد الرحمن السعدي، والدكتور البورنو، والأستاذ الزرقاء(1) بـ (لا ضرر ولا ضرار) وهو ما جعله الآخرون أصلاً لها.
أصل القاعدة:
أصلها قوله لله: (لا ضرر ولا ضرار) وهو حديث أخرجه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلاً.
وأخـرجـه الحاكم في المستدرك والبيهقي،والدارقطني من حديث أبي سعيد الخـــــدري، وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت ـ رضي الله عنهم ـ(2).
معنى الحديث:
الضرر: إلحاق مفسدة بالغير مطلقاً.
الضرار: مقابلة الضرر بالضرر.
والحــديث يفيد تحريم الضرر بشتى أنواعه؛ لأنه نوع من أنواع الظلم؛ ويشمل ذلك دفعه قبل وقوعه بالطرق الممكنة، ورفعه قبل وقوعه بالتدابير والإجراءات اللازمة.
ولا يجوز أيضاً مقابلة الضرر بالضرر؛ لأنه توسيع لدائرة الضرر؛ فالإضرار لا يُلجأ إليه إلا لـضـــرورة، ويستثنى من ذلك ما خُصّ بدليل وكان عقوبة شرعية مثل الحدود والعقوبات الأخرى كالقصاص.
شرح القاعدة:
هذه القاعدة من أركان الشريعة، وتشهد لها نصوص كثيرة من الكتاب والسنة وهي أساس لمنع الفـعــــــــل الضار وترتيب نتائجه في التعويض المالي والعقوبة، وهي أيضاً سند لمبدأ الاستصلاح في جلب المصالح ودرء المفاسد؛ وهي عدة الفقهاء وعمدتهم وميزانهم في تقرير الأحكام الشرعية للحوادث(3).
ونص هذه القاعــــدة ينفي الضرر فيوجب منعه مطلقاً، ويشمل ذلك الضرر العام والضرر الخاص، ويشمل أيـضــاً دفع الضرر قبل وقوعه، بطرق الوقاية الممكنة، كما يشمل أيضاً دفعه قبل وقوعه بما يمكن من التدابير التي تزيل آثاره وتمنع تكراره؛ ومن ثَمّ فإن إنزال العقوبات المشروعة بالمجرمين لا ينافي هذه القاعدة وإن ترتب عليها ضرر بهم؛ لأن فيها عدلاً ودفعاً لضرر أعم وأعظم.
ما يبنى عليها من أبواب الفقه:
يبني الفقهاء على هذه القاعدة كثيراً من أبواب الفقه، منها:
الرد بالعيب، وجميع أنواع الخيارات من اختلاف الوصف المشروط والتعزير وإفلاس المشتري والحجر بأنواعه، والشفعة؛ لأنها شرعت لدفع ضرر القسمة، والقصاص والحدود والكفارات، وضمان المتلف والقسمة، ونصب الأئمة والقضاة، ودفع الصائل وقتال المشركين والبغاة، وفسخ النكاح بالعيوب أو الإفساد أو غير ذلك(4).
المقصود بالضرار:
نفي فكرة الثأر المحض لمجرد الانتقام الذي يزيد الضرر ويوسع دائرته؛ فالإضرار ولو كان على سبيل المقابلة لا يجوز أن يكون هدفاً مقصوداً؛ وإنما يُلجأ إليه اضطراراً عندما لا يكون غيره من طرق التلافي؛ والقمع أنفع وأفضل منه.
فمن أتلف مال غيره ـ مثلاً ـ لا يجوز أن يُقابل بإتلاف ماله؛ لأن ذلك توسيع للضرر بلا منفعة، وأفضل منه تضمين المتلِف قيمة ما أتلف، فإن فيه نفعاً بتعويض الضرر، وتحويل الضرر نفسه إلى حساب المعتدي، وذلك بخلاف الجناية على النفـس أو البـدن ممـا شـرع فيه القصاص؛ فمـن قتل يقتل، ومن قطـع يقطـع؛ لأن هذه الجنـايات لا يقطعهـا إلا عقوبـة من جنسـها(5).
من أحكام هذه القاعدة:
1- لو انتهت مدة إجارة الأرض الزراعية قبل أن يُستَحصَد الزرع فإن الأرض تبقى في يد المستأجر بأجر المثل حتى يستحصد منعاً لضرر المستأجر بقلع الزرع قبل أوانه.
2- لو باع شيئاً مما يسرع إليه الفساد كالفواكه مثلاً، وغاب المشتري قبل نقد الثمن وقبض المبيع وخيف فساده، فللبائع أن يفسخ البيع ويبيع غيره دفعاً للضرر.
3- يجوز حبس المشهورين بالدعارة والفساد حتى تظهر توبتهم، ولو لم يثبت عليهم جرم معين بطريق قضائي دفعاً لشرهم؛ لأنهم قد يحتاطون ويتحفظون، فقد يملأون الدنيا فساداً وإضراراً ولا يمكن إثبات شيء عليهم بطريق قضائي(6).
قواعد تتعلق بهذه القاعدة:
يتفرع عن هذه القاعدة ويندرج تحتها ويتعلق بها قواعد، منها:
1-الضرورات تبيح المحظورات:
هذه القاعدة مستفادة من استثناء القرآن الكريم في حالات الاضطرار الطارئة في ظروف استثنائية بقوله ـ تعالى ـ: ((إلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ)) [الأنعام: 119] بعد ذكر طائفة من المحرمات، لذا جاز للطبيب الكشف على عورات الأشخاص إذا توقفت عليها مداواتهم، وجاز أكل الميتة عند المخمصة، وإساغة اللقمة بالخمر عند الغصة، والتلفّظ بكلمة الكفر للإكراه، وكذا إتلاف المال وأخذ مال الممتنع من أداء الدين بغير إذنه، ودفع الصائل ولو أدى إلى قتله بشرط عدم نقصان الضرورة في نظر الشرع عن المحظور الذي اقتضت إباحته كما اشترط الشافعية وغيرهم(7) فلو كان الميت نبياً فلا يحل أكله للمضطر؛ لأن حرمته أعظم في نظر الشرع من مهجة المضطر؛ وكذا لو دفن الميت بلا تكفين فلا ينبش منه؛ لأن مفسدة هتك حرمته أشد من عدم تكفينه الذي قام التراب بالستر مقامه.
2- الضرورات تقدر بقدرها:
هذه القاعدة تعتبر قيداً لسابقتها؛ فالاضطرار إنما يبيح من المحظورات مقدار ما يدفع الخطر؛ فلا يجوز الاسترسال؛ ومتى زال الخطر عاد الحظر؛ فالطبيب يكشف من العورة لمداواتها بالقدر الذي يحتاج إليه كشفه فقط، والمرأة لا يجوز أن يطلع على عورتها للتطبيب أو التوليد رجل إذا وجدت امرأة تحسن ذلك؛ لأن اطلاع الجنس على جنسه أخف محظوراً، وتقبل شهادة النساء في المجالات التي لا يمكن اطلاع الرجال عليها؛ وذلك بسبب الضرورة، ولكن لا تقبل شهادة النساء فقط دون أن يكون معهن أحد من الرجال في المحال التي يمكن اطلاع الرجال عليها؛ لأن ما جاز للضرورة يُقدّر بقدرها(8).
3- الضرر لا يزال بمثله (أو بالضرر):
هذه القاعدة تعتبر قيداً لقاعدة: (الضرر يزال) التي أوجبت إزالة الضرر قبل وقوعه ودفعه بعد وقوعه؛ فإزالة الضرر لا يجوز أن تكون بإحداث ضرر مثله؛ لأن هذا ليس إزالة؛ ومن باب أوْلى أن لا يزال الضرر بضرر أعظم منه؛ فالشرط أن يزال الضرر بلا إضرار بالغير، فإن أمكن وإلا فبأخف منه.
وعلى ذلك لا يجوز لإنسان محتاج إلى دفع الهلاك عن نفسه جوعاً أن يأخذ مال محتاج مثله، كما لا يجوز لمن أُكره على القتل أن يقتل إذا كان المراد قتله مسلماً بغير وجه حق.
* وإذا ظهر في المبيع عيب قديم وحدث عند المشتري عيب جديد امتنع رد المبيع بالعيب القديم لتضرر البائع بالعيب القديم إلا أن يرضى(9).
4- الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.
5- اختيار أهون الشرين أو أخف الضررين.
6- إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما(10).