القائمة في نفسه لتحرير أفكاره وأحاسيسه ومشاعره المحبوسة داخله، ومعنى الإلزام يتمثل في أن الكلمة المكتوبة ملزمة لصاحبها، وتعد شاهداً ودليلاً يقضى بها عليه.
المحاضرة الرابعة
الخليفة عمر بن الخطاب
النص
• جاهلي كسبه الإسلام فكسبه العالم الإنساني كله إلى آخر الزمان، ونفس ضائعة ردت إلى صاحبها، فعرف بها ما كان ينكر، و
• طلع منها على ما كان يجهل، ونفع بها أمته، وأممًا لا تحصى، وصنع بها الإسلام أعظم، وأفخم ما تصنعه قدرة بناء وإنشاء.
• نظرت الأمم فرأت كيف تعلو النفس الإنسانية حتى يحار فيها الإنسان، وهو ريشة في مهب النوازع والأشجان
• رأت كيف يصبح العدل والحق طبيعة حياة؟ وكيف يصبح مخلوق من اللحم والدم كأنه لا يأكل طعامه، ولا يُروي ظمأه إلا ليعدل ويعرف الحق كأنه لا يصحو ولا ينام
يتبع
• إلا ليعدل ويعرف الحق، وكأنه لا يتنفس الهواء إلا ليمنع الظلم عن الناس، وتدول دولة الباطل بين الناس، وكأنما العدل والحق دَيْن عليه يطالبه به ألف غريم وهو وحده أقوى في المطالبة بهما من ألف غريم.
• لقد كان هذا الرجل المجيد يُبغض أن يظلم غيره أشد من بغضه أن يظلمه غيرُه، وهذه منزلة من الأنفة لا تطاولها المنازل؛ لأنها منزلة الأبطال الذين يَسْمُون على أنفسهم، ولهم أنفس أسمى من عامة الأبطال.
يتبع
• وإنا لنعلم كم حزَّ في قلبه الكريم أن يضرب بريئاً على دين الحق، كلَّما رجعنا إلى أيامه الأولى بعد الإسلام، وهي أيام لا تُنسى في تاريخ البطولة والأبطال؛ فما شغله أمر إعلان الدين إلا أن يخرج ليضربه أناس كما كان يضرب أناساً في سبيل ذلك الدين.
• ثار إلى الناس يضربونه ويضربهم، فقام خاله يسأل: ما هذه الجماعة؟ فقيل: إن ابن الخطاب قد صبأ ... فقدم إلى الحجر فنادى: ألا إنني قد أجرت ابن أختي. فانكشف الناس عنه، فكان لا يزال يرى مسلماً يَضربُ ولا يضربه أحد، ثقل عليه ألا يصيبه ما
يتبع
• يصيب المسلمين فذهب إلى خاله، وقد اجتمع الناس في الحِجْر وناداه: اسمع، جوارك مردود عليك. قال خالُه، وهو به وبما يُستهدف له أدرى: لا تفعل يا ابن أختي. فأصر على رد جواره، وطاب له بعد ذلك أن اقتص من نفسه للأبرياء الذين ضربهم، وهو يجهل دينهم، فلا تمضي تلك الضربات بغير قصاص، وإن كفّر عنها بالتوبة وإعزاز الدين الذي آذاهم من أجله.
• وأبى من اللحظة الأولى إلا أن يواجه الخطر الأكبر في سبيل دينه،
يتبع
وإلا أن يقبض على الثور من قرنيه، كما يقول الغربيون في أمثالهم، وأن يتحدى قريشاً بحقّه منذ آمن بأنهم على باطل فسأل أناساً: أيّ أهل مكة أنقلُ للحديث؟ فقيل له: جميل بن مَعْمر الجمحي. فذهب إليه فصرح له بإسلامه، ولم يُكَذِّب الرجلُ الظنَّ به، فما هو إلا أن سمعها حتى خرج وعمر وراءه إلى أندية قريش حول الكعبة، يصرخ بأعلى صوته على باب المسجد: يا معشر قريش، ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ. وعمر يقول من
يتبع
• خلفه: كذب، ولكني أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. ثم نشبت المعركة بين هذا الرجل المفرد وبينهم ، فيثب على أدناهم منه وأجرئهم عليه - عتبة بن ربيعة- فيصرعه ويبرُك ويضربه، ويتكاثرون عليه، فلا يدنو أحد منهم إلا قهره حتى أحجموا عنه، وركدت الشمس، وفتر من طول الصراع، فجلس وهم قائمون على رأسه يثلبونه وهو يقول لهم: "افعلوا ما بدا لكم، فوالله لو كنا ثلاثمائة رجل لتركتموه لنا أو تركناها لكم".
• وراح يسأل النبي -e-: يا رسول الله، ألسنا على الحق إن متنا أو حيينا؟ فقال له
يتبع
• ¬: بلى، والذي نفسي بيده، إنكم على الحق إن مِتّم أو حييتم. فقال: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرُجَنَّ. فما لبث النبي -e- أن خرج في صفين: أحدهما فيه عمر، والآخر فيه حمزة. فدخلوا المسجد وقريش تنظر وتعلوها كآبة، فلا يجرؤ سليط منها، ولا حكيم أن يقترب من صفين فيهما هذان .. وسماه الني -e- يومئذ بالفاروق.
• قال علي بن أبي طالب --: "ما علمت أن أحداً من المهاجرين هاجر إلا متخفياً سوى عمر بن الخطاب. فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهماً، واختصر عنزته
يتبع
• ، ومضى قِبَل الكعبة والملأ من قريش بفنائها، فطاف في البيت سبعاً متمكناً، ثم أتى المقام فصلى، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة يقول لهم: شاهت الوجوه، لا يُرْغِمُ الله إلا هذه المعاطس. من أراد أن يُثكل أمه، أو يُؤتم ولده، أو يُرَمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي.."
• ونهج عمر طريقه في الإسلام، كما نهج طريقه إلى الإسلام: كلاهما طريق قوة، لا يُطيق اللف والتنطع، ولا يحفل بغير الجدّ الذي لا عبث فيه.. فلا وَهَن ولا رياء، ولا حذلقة ولا ادعاء، وما شئت بعد ذلك من إسلام صريح قويم، فهو إسلام عمر بن الخطاب.
يتبع
• قال عمر في بعض عظاته: "لا تنظروا إلى صيام أحد ولا إلى صلاته، ولكن انظروا مَنْ إذا حدَّث صدق، وإذا ائتمن أدَّى و إذا أشفى - أي هم بالمعصية - وَرَعَ."
• وقال في هذا المعنى: " لا يعجبنَّكم من الرجل طنطنته، ولكن من أدَّى الأمانة إلى من ائتمنه، وسلم الناسُ من يده ولسانه"
• وقال في علم الدنيا والآخرة: "ليس خيرُكم من عَمِلَ للآخرة، وترك الدنيا، أو عَمِل للدنيا وترك الآخرة، ولكن خيرَكم من أخذ من هذه ومن هذه، وإنما الحرج في الرغبة فيما تجاوز قدر الحاجة وزاد على حد الكفاية" .
يتبع
• ولم يكن أبغض إليه ممن يتوانى ليقال: إنه متوكل على الله، أو تراءى بالضعف ليقال: إنه ناسك، أو يفرط في العبادة ليقال: إنه زاهد في الدنيا.
• وكان يقول: "إن المتوكل هو الذي يُلْقِي حبةً في الأرض ويتوكل على الله... ولا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني ... وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضه، وإن الله تعالى يرزقُ الناسَ بعضهم من بعض"
يتبع
• وكان يضرب من يتماوتٍ، ويستكين ليُظهرَ التخشعَ في الدين، فنظر إلى رجل مظهرٍ للنسك متماوت، فخفقه بالدرة، وقال: "لا تُمِتْ علينا ديننا أماتك الله". وأشاروا له إلى رجل يصوم الدهر فضربه وهو يقول له: " كُلْ يا دهر، كُلْ يا دهر" ينهاه عن الصوم الذي يعوقه عن معاشه بشيء لا يوجبه عليه الدين"
• وكان يعجبه الشابُ الناسكُ نظيفُ الثوب، طيّبُ الرائحة، ويرى المسلمين بخير ما علّموا أبناءهم الرمي، والعوم، والفروسية، وقال: "فأنتم بخير ما نزوتم على ظهور الخيل".
يتبع المحاضرة الرابعة
تتمة النص
• وكان يضرب من يتماوتٍ، ويستكين ليُظهرَ التخشعَ في الدين، فنظر إلى رجل مظهرٍ للنسك متماوت، فخفقه بالدرة، وقال: "لا تُمِتْ علينا ديننا أماتك الله". وأشاروا له إلى رجل يصوم الدهر فضربه وهو يقول له: " كُلْ يا دهر، كُلْ يا دهر" ينهاه عن الصوم الذي يعوقه عن معاشه بشيء لا يوجبه عليه الدين"
• وكان يعجبه الشابُ الناسكُ نظيفُ الثوب، طيّبُ الرائحة، ويرى المسلمين بخير ما علّموا أبناءهم الرمي، والعوم، والفروسية، وقال: "فأنتم بخير ما نزوتم على ظهور الخيل".
يتبع
• وكان دين عمر دين الرجل القوي الشجاع الذي ينتصر بدينه في ميدان الحياة، وليس بدين الواهن المهزوم الذي تركته الدنيا فأوهم نفسه أنه هو تاركها ليقبل على الآخرة. وكانت شجاعته في دينه أندر الشجاعات في النفوس الآدمية؛ لأنها الشجاعة التي يواجه بها تهمة الجبن، وهو أرذل من الموت عند الرجل الشجاع...
• لذلك لم يكن يؤمن بشيء ينفع أو يضر غير ما عُرفَتْ أسبابُ نفعه وضرره، فكان ينظر إلى الحجر الأسود، فيقول كلما استلمه: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول -e- يُقَبِّلك ما قبلتك. وسمع أن الناس يأتون الشجرة التي بايع رسول الله -e- تحتها بيعة الرضوان، فيصلون عندها، ويتبركون بها، فأوعدهم وأمر
يتبع
• أن تقطع مخافة أن تسري إلى الإسلام من هذه المناسك وأشباهها لوثة من الوثنية والتوكل على الجماد.
• ولم يفارق الدنيا حتى أوصى الخليفة الذي يختار بعده بالذميين كافة "أن يوفي بعهدهم، ولا يُكلَّفوا فوق طاقتهم، وأن يُقاتَل من وراءهم"
• كان عمر جاهلياً فأسلم فأصبح إسلامه طوراً من أطوار التاريخ، ولو لم يكن الإسلامُ قدرةً بانيةً منشئة في التاريخ الإنساني، لما كان إسلام رجل طوراً من أطوار الكبار
يتبع
• وكان عمر يحب ويكره كما يحب الناس ويكرهون، ولكن لا ينفعك عنده أن يحبّك، ولا يضيره عنده أن يكرهك إذا وجب الحق ووضح القضاء.
• قال يوماً لأبي مريم السلولي قاتل أخيه: والله لا أُحبّك حتى تحب الأرض الدم المسفوح. فقال له أبو مريم: أتمنعني لذلك حقاً؟ قال: لا. فقال أبو مريم: لا ضير، إنما يأسى على الحب النساء.
• وحسبُك من إسلامٍ يحمي الرجل من خليفة يبغضه، وهو قادر عليه، فلذلك المسلم الشديد في دينه الذي يشتد فيأمنُه العدو والصديق.
• من كتاب ((عبقرية عمر)) لعباس محمود العقاد
الأسئلة
• س1:في القطعة صفتان لعمر بن الخطاب حرص الكاتب على ابراز هما ؟ وكيف صورالكاتب حياة عمر في ظل هاتين الصفتين؟
• س2: لِمَ رفض عمر بن الخطاب جوار خاله ؟
• س3:فلان يقبض على الثور من قرنيه .ما المقصود بهذه الصورة ؟
• س4:لم َدعا عمر بن الخطاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للخروج إلى الكفار ؟
يتبع
• س7:ما رأي عمر في عمل الانسان لدنياه وآخرته ؟
• س8:ما رأي عمر في التوكل على الله ؟وكيف تطبق هذا الرأي في حياتك ؟
• س9:بمَ أوصى عمر المسلمين في تعليم أولادهم؟وماذا تعني هذه الوصية في عصرنا الحاضر ؟
• س10 :لمَ قطع عمر الشجرة التي بايع النبي أصحابه تحتها بيعة الرضوان ؟
• س11:ما موقف عمر ممن حاربوه وحاربهم ؟اضرب مثلا من النص ؟
• المحاضرة الخامسة
• حجة الوداع
• خطبة حجة الوداع
• قال الرسول - e-:
• أما بعد: أَيُّهَا النَّاسُ، اسمعُوا مِنَّي أُبَيِّنْ لكم، فإِنِّي لا أَدْري لَعَلِّي لا أَلْقاكُم بَعْدَ عَامِي هَذا، فِي مَوَقِفِي هذا.