المحاضرة السادسة
من خطبة حِجة الوداع
عناصر المحاضرة :
المقدّمة.,,نص الخطبة.,,اللغة.,,البلاغة والأسلوب.
مقدمة :
هذا نص نثري يمثل فن الخطابة في صدر الإسلام، وهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جامع الكلم، والقائل في حق نفسه:“أنا أفصح العرب بيد أني من قريش“ قاله في حِجة الوداع، وجدير بك أن تفرّق بين الخِطبة والخُطبة من جهة وبين الحِجّة والحُجّة والحَجّة.
فالخِطبة بكسر الخاء هي طلب يد الفتاة للزواج والخُطبة بالضم هي الفن النثري موضوع حديثنا. والحِجة بالكسر: الحج إلى بيت الله، والحَجة بالفتح واحدة الحج، والحُجة بالضم: البرهان.
جو النص :
هذه خطبة الرسول في الحج، وسميت حجة الوداع لأن الرسول صلى الله عليه وسلم انتقل بعدها إلى الرفيق الأعلى. فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : فسار الرسول صلى الله عليه وسلم , ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية , فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة , فوجد القبة قد ضربت له بنمرة , فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له , فأتى بطن الوادي , فخطب الناس وقال.................
نص الخطبة :
أَيُّهَا النَّاسُ : إِنَّ لَكُمْ مَعَالِـــــمَ فَانْتَهُوا إِلَى مَعَالِمِكُمْ ، وَإِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ ؛ فَإِنَّ الْعَبْـــــدَ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ : أَجَلٍ قَـدْ مَضَى لاَ يَدْرِي مَا اَللهُ صَانِعٌ بِهِ ، وَأَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لاَ يَدْرِي مَا اللهُ قَاضٍ فِيهِ ؛ فَلْيَأْخُذِ اَلْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ ، وَمِنْ دُنْيَاهُ لآخِرَتِهِ ، وَمِنَ الشَّبِيبَةِ قَبْلَ اَلْكِبَرِ ، وَمِنَ اَلْحَيَاةِ قَبْــــلَ اَلْمَمَاتِ ؛ فَوَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا بَعْدَ اَلْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ ، وَلاَ بَعْدَ الدُّنْيَا مِنْ دَارٍ إِلاَّ اَلْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ، أيها الناس : إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم , كحرمة يومكم هذا , في شهركم هذا , في بلدكم هذا , ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد , فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها
النص :
واستوصوا بالنساء خيرا , فإنهن عوانٍ عندكم لا يملكن لأنفسهن شيئا, إنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله , واستحللتم فروجهن بكلمة الله , فاتقوا الله في النساء , واستوصوا بهن خيرا , ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد . أيها الناس : إنما المؤمنون إخوة , ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه , ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد , فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. أيها الناس : إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب , أيها الناس إن أكرمكم عند الله أتقاكم , ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى.
اللغة :
مَعَالِمُ : مُفردُها : مَعْلَمٌ ، وهو الأثرُ يُستَدَلُّ به على الطَّريقِ
مُستَعْتَبٌ : اِستَعْتَبَ وأَعْتَبَ بمعنىً واحدٍ ، وهو سرَّهُ بعدما ساءَهُ0 ويقالُ أَيضًا : اِستَعْتَبَ : بمعنى طلب أَنْ يُعْتَبَ.
يومكم هذا: يوم عرفة.
شهركم هذا: ذو الحجة.
بلدكم هذا: مكة.
عوانٍ: جمع عانية، والعاني الأسير، والمعنى أسيرات عندكم.
البلاغة والأسلوب :
1/ امتازت خطب الرسول صلى الله عليه وسلم ببراعة الاستهلال وقد استهلّ هذه الخطبة بمؤثرين، أولهما النداء بما فيه من تنبيه للسامع وجلب انتباهه، وثانيهما: جملة مؤثرة لم نذكرها في النص السابق، وهي قوله صلى الله عليه وسلم:“لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا“ فهذه جملة مؤثرة من قائد محبوب إلى جنوده ومن نبي الرحمة إلى أمته ومن معلم محبوب إلى طلابه، فأيّ استماع سيعقبها، وأي آذانٍ ستشنَّف لاستماع خطاب قد يكون الأخير من نوعه من رجل أحبه المستمعون كل الحب. وهي جملة مؤثرة بما فيها من استشراف للغيب وتنبؤ بالمستقبل الذي يميل كل الناس لمعرفته.
2/ مراوحة بين الأسلوبين الخبري والإنشائي فقد كان صلى الله عليه وسلم يستعمل النداء بشكل متكرر(أيها الناس) حرصاً منه على شد الأسماع وجذب العقول وهذا مناسب لفن الخطابة، كما كرر أسلوباً إنشائياً آخر وهو الاستفهام(ألا هل بلغت) والاستفهام يتطلب ربط المتكلم بالسامع.
4/ يحتاج فن الخطابة إلى مواءمة بين العقل والعاطفة وقد برع الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، فالعقل حاضر في الخطبة(فَإِنَّ الْعَبْـــــدَ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ) و(إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب)
كما كانت العاطفة أيضاً حاضرة، فانظر إلى قوله في النساء(فإنهن عوانٍ عندكم)فهذه صورة تستثير عاطفة المستمع وتجعله حريصاً على تنفيذ المطلوب.
5/ الاعتماد على الجمل القصيرة المتوازنة في الطول والمتقابلة في المعنى، مثل:“إنَّ لَكُمْ مَعَالِـــــمَ فَانْتَهُوا إِلَى مَعَالِمِكُمْ ، وَإِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ“ و“أجَلٍ قَـدْ مَضَى لاَ يَدْرِي مَا اَللهُ صَانِعٌ بِهِ ، وَأَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لاَ يَدْرِي مَا اللهُ قَاضٍ فِيهِ“
فانظر إلى التقابل بين: مضى وبقي، وصانع وقاض، ثم انظر إلى عدد الكلمات في كل من الجملتين!!!!
6/ هناك بعض المحسّنات اللفظية التي جاءت عفو الخاطر ودون قصد كالسجع مثلاً“وَلاَ بَعْدَ الدُّنْيَا مِنْ دَارٍ إِلاَّ اَلْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ“ وقوله“فانْتَهُوا إِلَى مَعَالِمِكُمْ... فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ“ والطباق بين الشبيبة والكبر والحياة والممات والدنيا والآخرة. وهذه المحسنات تضفي جمالاً على النص كما إنها أداة فاعلة في فهم المعنى وتعميقه.
7/ جمال التصوير. فقد صور الرسول صلى الله عليه وسلم العبد في حياته وهو يعيش بين مخافتين، فهي صورة حية واقعية كأنك تشعر بها أو تراها ماثلة أمام عينيك
- ومن ذلك أيضاً تصوير النساء بالأسيرات، فهي صورة تثير المشاعر تجاه النساء وهي صورة معبرة عن الواقع.
- ومن ذلك تصوير حالة المسلمين غير المرغوب فيها التي قد تكون: كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فكأنك ترى هذه الصورة، بل كأنك أمام معركة حقيقية.
8/ دقة الألفاظ ومناسبتها الدقيقة للمعاني، من ذلك كلمة العبد في ” إن العبد بين مخافتين“ فالذي يعيش بين مخافتين هو العبد والعبد فقط وليس الإنسان ولا الرجل، لأن هذا المعنى إيمان ليس موجوداً إلا عند العبد الحقيقي.
- ومن دقته صلى الله عليه وسلم في استعمال الألفاظ قوله:“أَجَلٍ قَـدْ مَضَى لاَ يَدْرِي مَا اَللهُ صَانِعٌ بِهِ ، وَأَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لاَ يَدْرِي مَا اللهُ قَاضٍ فِيهِ“ فاستعمل (به) مع الأجل الماضي لأنه انتهى وليس فيه أحداث ستقع، لذا فالعبد ينتظر ما يصنع الله بهذا الأجل، واستعمل (فيه) مع المستقبل لأن العبد يفكر فيما سيحدث في هذا الزمان من أحداث و(في) حرف يفيد الظرفيه، تقول: ما صنعت بالدار؟ أي ماذا تصرفت بها. وتقول: ماذا صنعت في الدار؟ أي ماذا صنعت بداخلها.
- ومن ذلك كلمة(ربكم) ولم يقل إلهكم أو الله لأن محتوى الخطبة له علاقة بالملك والتصرف من أموال ودماء ونساء، لذا جاء التركيز على الربوبية التي تعني أن الله هو المالك لكل شيء المتصرّف فيه.
9/ اعتمد الرسول صلى الله عليه وسلم على التوكيد بأساليبه المختلفة كالقسم(والذي نفسي بيده) والتكرار(يومكم هذا شهركم هذا بلدكم هذا، واللهم اشهد) والتوكيد اللغوي سواء أكان ب(إنّ) حيث تكررت فيما اخترناه من النص تسع مرات وكانت تستعمل مع كل معنى تقريباً، أو ب(نون التوكيد) في قوله: لا ترجعُنّ.
- والموقف يقتضي التوكيد، فهذه توجيهات من معلّم مودّع، يريد أن يطمئنّ على أحوال الأمة ويقرر تلك الحقائق في أذهانهم، فلا بد من توكيد تلك الحقائق، واستعمال كل الوسائل الممكنة في ذلك. ألم يحدث ما كان يخشاه الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ألم يرتدّ بعض المسلمين؟ ألم تحدث الفتنة وضرب المسلمون رقاب بعض؟ وهذا يدل على استشراف الرسول للمستقبل. ”إن هو إلا وحي يوحى“
الخلاصة :
لقد جاء أسلوب الخطبة بما فيه من ألفاظ ومعانٍ وصور وأساليب لغوية مناسباً لبلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم وفصاحته، ومتوائماً مع ما يتطلبه فن الخطابة من ألفاظ جزلة وأسلوب يعتمد على العقل من جهة والعاطفة من جهة أخرى، وخير دليل على ذلك أن الصحابة بكوا لما سمعوا الخطبة مما يدل على أنه نجح في التأثير في السامعين.