المحاضرة الثامنة
خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي
عناصر المحاضرة :
المقدّمة., جو النص., نص الخطبة., اللغة., البلاغة والأسلوب.
مقدمة :
هذا نص أدبي اخترناه مثالاً على الخطابة في العصر الأموي، واخترناه لشهرته في الأدب العربي والتراث اللغوي، فما ذكرت الخطابة إلا ذكر هذا النص، وما ذكر الحجاج إلا ذكرنا هذه الخطبة، بل إن بعض جمله صارت أمثالاً يرددها الناس في حياتهم اليومية.وهو من النصوص الفصيحة التي لا يمكن تحليلها في محاضرة أو محاضرتين، لكنا اخترنا منها مقاطع ووقفنا عند عمومها دون الخوض في دقائقها لقناعتي أنكم تتذوقون جمالها دون مساعدة.
الحجاج بن يوسف
الحَجَّاج بن يوسف الثقفي (41 - 95هـ، 661 - 713م) من فصحاء العرب، ويعد في الذروة من أهل الخطابة والبيان في العصر الأول. وهو سياسي محنك، وقائد عسكري وخطيب مفوه. من دعائم دولة الأمويين حيث نصر حكمهم بيده ولسانه.
وُلد في الطائف ونشأ بها، وتلقى تعليمه الأول على يدي والده؛ إذ كان معلم صبيان، فامتهن مهنة أبيه في شبابه. ويذكر بعض المؤرخين امتهانه الدباغة أو بيع الزبيب. وكان قصيرًا دميمًا قاسيًا.
وقد كانت الظروف التاريخية التي أعقبت وفاة معاوية بن أبي سفيان، وإمرة ابنه يزيد وما حفلت به من اضطرابات وفتن؛ قد دفعت به إلى الحياة العسكرية، فأظهر فيها قدرته على القيادة، مما جعل عبد الملك بن مروان يوليه إمرة الجيش المكلف بالقضاء على حركة عبد الله بن الزبير بمكة، فلم يترك وسيلة لإثارة الرعب إلا ركبها، فحاصر مكة وضربها بالمنجنيق، فتفرقت الجموع من حول ابن الزبير حتى قتل فصلبه الحجاج، ولم ينزله من مكان صلبه إلا بأمر عبد الملك، فكافأه عبد الملك على هذا النجاح بتوليته العراق إضافة إلى الحجاز.
مناسبة النص :
بعد أن عينه عبد الملك على العراق واليًا، حيث الفتن تمور، وهيبة الدولة مستباحة وسلامتها مهددة؛ إذ كثرت أعمال العصيان والتمرد والتعدي على الولاة وطردهم، قرر الحجاج إعمال القسوة وسياسة القبضة القوية، كما يظهر من بياناته الأولى في خطبتي التتويج في الكوفة والبصرة، وضرب العصبيات بعضها ببعض، ثم عمل على احتوائها واستثمار عنفوانها في القضاء على الخوارج وأشكال التمرد في أطراف الدولة. ولهذا عرف بأنه اليد القوية لعبد الملك بن مروان في تأسيسه الثاني للدولة الأموية وتثبيت دعائمها. فلما ولي الحجاج العراق ذهب على الكوفة فبدأ بالمسجد فصعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء فقال: علي بالناس وهو ساكت قد أطال السكوت، فتناول محمد بن عمير حصباء وأراد أن يحصبه بها وقال: قاتله الله ما أغباه وأذمه! فلما تكلم الحجاج جعلت الحصباء تنتثر من يده وهو لا يعقل بها، قال: ثم كشف الحجاج عن وجهه وقال:
وهذه مقتطفات من خطبته .......
نص الخطبة :
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى اضع العمامة تعرفوني
والله يا أهل العراق، إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، والله لكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى، وإن أمير المؤمنين عبد الملك نثر كنانته بين يديه فعجم عيدانها عودا عودا فوجدني أمرّها عودا وأشدّها مكسرا فوجهني إليكم ورماكم بي. يا أهل العراق، أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة، واضطجعتم في منام الضلال، لأعصبنّكم عصب السلمة ، ولأضربنكم ضربَ غريبة الإبل.إني والله لا أحلف إلا صدقت، ولا أعد إلا وفيت. أقسم بالله لتقبلُن على الإنصاف، ولتدعُنّ الإرجاف، وقيلاً وقالاً وما تقول وما يقول وأخبرني فلان، أو لأدعن لكل رجل منكم شغلاً في جسده! فيم أنتم وذاك؟ والله لتستقيمُنّ على الحق أو لأضربنّكم بالسيف ضرباً يدع النساء أيامى، والولدان يتامى، حتى تذروا السمهى، وتقلعوا عن ها وها. يأهل العراق إنما أنتم أهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرتْ بأنعُم الله فأتاها وعيد القرى من ربها، فاستوثقوا واعتدلوا ولا تميلوا واسمعوا وأطيعوا وشايعوا وبايعوا. واعلموا أن ليس مني الإكثار والإهذار إنما هو انتضاء هذا السيف ثم لا يغمد الشتاء ولا الصيف وإن أمير المؤمنين أمرني أن أعطيكم أعطياتكم وأشخصكم لمجاهدة عدوكم وعدو أمير المؤمنين وقد أمرت لكم بذلك وأجلتكم ثلاثا وأعطيت الله عهدا يؤاخذني به ويستوفيه مني لئن تخلف منكم بعد قبض عطائه أحد لأضربنّ عنقه وأنهبنّ ماله.
اللغة ومعاني الكلمات :
ابن جلا: رجل واضح لا يخفي شيئاً. طلاع الثنايا: لمن جرب الأمور وأحكمها. والثنايا جمع ثنيّة وهي: الطريق في الجبل.
أينعت: نضجت. الكنانة: التي يكون فيها السهام وتوضع على الظهر. عجمها: اختبر عيدانها بعدما لاكها بفمه.
السلمة: شجرة ذات شوك فتضرب بشده حتى تعصب فلا تؤذي بشوكها حاطبها.
غريبة الإبل: ما يدخل في جماعة الإبل من الإبل الغريبة عند ورود الماء فتضرب حتى تخرج.
أرجف: أرْجَفَ القومُ إذا خاضُوا في الأَخبار السيئة وذكر الفتَنِ وقد ذكراللّه تعالى المُرْجِفُونَ في المَدينةِ وهم الذين يُوَلِّدُونَ الأَخبارَ الكاذبة.
الأيامى: جمع أيّم وهي التي لا زوج لها. السمهى: الباطل.
الأفكار الرئيسة في النص :
1.بيان الحجاج لشدته وقوته وسياسته في الحكم المبنية على الشدة والقسوة.
2.بيان الحالة التي وصل لها أهل العراق من الشقاق والنفق والسعي وراء الفتن واتباع الإشاعات والأقاويل.
3. بيان أن اختياره كان مبنياً على حكمة ودراية وليس عشوائياً.
4.بين أنه أرسل إليهم عقوبة على كفرانهم نعم الله.
5. تهديد أهل العراق إذا لم ينهضوا لحرب العدو بقتلهم ونهب أموالهم.
البلاغة والأسلوب :
أولاً: كان الحجاج بارعاً في استهلال خطبته حيث بدأ بداية قوية تظهر بأسه وشدته وملاءمته للولاية في بلد هذا حاله، يحتاج إلى الشدة والقوة. وكان هذا الاستهلال مناسباً للحال إذ كان ملثماً ثم أماط اللثام.
ثانياً: يزخر النص بالتشبيهات والاستعارات والكنايات والصور الفنية، من ذلك:
1. إني لأرى رؤوساً قد أينعت: شبه الرؤوس بالثمار التي تنضج ثم حذف المشبه به على سبيل الاستعارة المكنية.
2. وإني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى: صورة مستشرفة لما سيكون عليه الوضع حيث صور الدماء تجري بين عمائم الرجال ولحاهم وهي صورة مخيفة تجعل القلوب ترتجف خوفاً.
3.تشبيهات كثيرة مثل: لأعصبنكم عصب السلمة، لألحونكم لحو العود...الخ فيها دلالة على شدة العقوبة وبأس الحجاج.
4. واضطجعتم في منام الضلال: شبه الوقوع في الضلال بالاضطجاع على سبيل الاستعارة التصريحية.
ثالثاً: نجح الحجاج في الإفادة من مصادر التراث اللغوي كالقرآن الكريم في قوله: إنما أنتم أهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا.... ومن الأمثال العربية التي أكثر منها كثرة واضحة قوله: أنا ابن جلا، ولأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضربَ غريبة الإبل.
رابعاً: اتكأ الحجاج على المحسنات اللفظية بشكل واضح، فهناك السجع في قوله: يا أهل العراق، أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق،وقوله: أقسم بالله لتقبلن على الإنصاف، ولتدعن الإرجاف وغيرها كثير.
خامسا: استعمل أسلوبي النداء والاستفهام مما يناسب فن الخطابة ويشد أسماع الجمهور: يا أهل العراق، فيمَ أنتم وذاك؟
سادسا: لجأ إلى التوكيد كثيراً وما أحوجه إلى ذلك فهو والٍ جديد لا يعرفه الناس وهو والٍ لأناسٍ اعتادوا الفوضى والفتن فلا بد من أن يقرّ في أذهانهم ما هو فاعله
ومن أمثلة التوكيد: القسم بالله (والله لا أحلف إلا صدقت) واستعمال حرف التوكيد إنّ أكثر من ثماني مرات ونون التوكيد الثقيلة ما يقارب سبع مرات ولام التوكيد ما يقارب أربع عشرة مرة.
سابعاً: جزالة ألفاظه وقوة جرسها مناسب تماماً لموضوع الخطبة فانظر إلى تلك الألفاظ: لأعصبنك، أضربنكم، ضرباً، اضطجاع. أمرّها عوداً، أشدّها مكسراً.
ثامناً الدقة في اختيار الألفاظ: وخير مثال يوضح ذلك قوله: وتقلعوا عن ها وها، فهذا اللفظ(ها ها) يصور تماماً تلك الوشوشات والهمسات التي تنطلق في الشوارع والأزقة، وصوت الهاء صوت خفي يناسب خفاء تلك الأصوات التي دائماً تعاني من الخوف.