فالرئيس أو القائد له مسؤولياته ، والمرؤوسون أو العاملون لهم مسؤوليات ووظائفهم أيضاً ... وهكذا ولكل قدراته ومواهبه التي يقتضيها العمل ، ذلك أن الإدارة هي تنظيم جماعي يعمل من أجل تحقيق أهداف معينة لصالح الفرد والجماعة . يقول عز وجل : ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما أتاكم ) " الأنعام آية 165 )
ويقول سبحانه وتعالى : ( ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ) " الزخرف آية 32 "
ويقول سبحانه وتعالى : ( ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون ) " الأنعام آية 132"
على أنه لا يفهم من ذلك وجود طبقات اجتماعية في مجال العمل أو ما يثير الأحقاد في نفوس البعض وهو ما لا يقره الإسلام، وكيف لا ؟ وهو دين العدالة والمساواة، وهو الذي يعتبر العمل مصدر القيمة الإنسانية، ولكن القدرة والمهارة والإجادة في العمل تختلف من فرد إلى آخر طبقاً لطبيعته وعمله، واستعداداته وإمكانياته وخبراته.
فالتدرج الرئاسي أو الوظيفي، إنما هو تدرج في المهام والأعمال. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ، فإن الإسلام يدعوا إلى العلم ومداومة الاستزادة منه ، وفي المقابل فهو يكرم أصحابه وحامليه .
يقول تبارك وتعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) " المجادلة آية 11 " .
ولا غبار إذ أن تتفاوت الأجور والرواتب نظير التفاوت في المعرفة والأعمال والمسؤوليات .
يقول جل شأنه: ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ) " النحل آية 71" .
والإسلام يرى أن القيادة من لزوميات الجماعة ، خشية ضياع الجهود وحرصاً على اجتماعية العمل والحياة مع الناس .
يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم، قوله: ( إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا عليهم أحدهم ) .
وتقضي تعاليم الإسلام أن تتمثل في القيادة، القدوة الحسنة في كل ما يصدر من القائد، قولا وعملاً وسلوكاً .
على أن القائد أو الرئيس الإداري في الإسلام ، ولا تقتصر مسؤوليته على أعماله فقط ، بل تشمل أعمال معاونيه ،
فأفعالهم إليه منسوبه ، وأعمالهم عليه محسوبة ، فالإسلام يقرر مسؤولية كل فرد عما يرعاه ( كل راع مسؤول عن رعيته ) وحيث تكون المسؤولية يجب أن تكون السلطة ... ذلك أنه يجب على القائد أن يشرف على الأمور بنفسه ، وأن يباشر أعمال مرؤوسيه ويتصفح أحوالهم ويرشدهم ويوجههم ويراقبهم في كل تصرفاتهم ليعرف منها ما وافق الصواب ويستدرك ما خالفه .
ولقد وضع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أسس هذه القيادة : فكان لا يولي على الأعمال إلا الأذكياء من المسلمين القادرين على العمل ، وكان صلى الله عليه وسلم يرشد عماله ويوجههم إلى كيفية أداء العمل وواجباته ثم يحاسبهم بعد ذلك على أعمالهم محاسبة دقيقة .
ولقد أهتم واعتنى بهذه السمات من القيادة الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم واعتبروها دعامة من دعائم الحكم وركناً من أركانه ، فأمور الدولة لا تستقيم إلا بهذه الرقابة من القيادة وإهمالها يؤدي إلى انحلال الدولة وانهيارها .فالنفس البشرية أمّارة بالسوء ، والسلطة تعرى بالانحراف والميل مع الهوى ، فاعملوا رضي الله عنهم هذه الرقابة ، وحرصوا على تطبيقها ويتبين ذلك من الآثار التي وردت عنهم فأعمالهم وكتبهم إلى أعمالهم تدل على ذلك .
- ركائز الإدارة في الإسلام :
ترتكز الإدارة الإسلامية على جملة دعائم ، من أهمها :
1- اختيار الأصلح دون مجاملة :
ذلك أن اختيار الرجل المناسب للعمل أو القيادة في ضوء معايير موضوعية وأسس سليمة سواء في إدارته أو إنتاجيته، له نتائجه الطيبة.
جاء في الحديث الشريف : ( من استعمل رجل من عصب ( جماعة ) وفيهم من هو أرضى لله منه ، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ) " رواه أحمد والحاكم " ، وجاء أيضاً: ( من ولى من أمر المسلمين شيئاً وأمر عليهم أحداً محاباة ، فعليه لعنة الله ، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً) " رواه أحمد ".
2- القدوة الحسنة :
وهو ما ينبغي توفرها فيمن يتولى أمر الجماعة من الصفات الحميدة والمزايا الطيبة
والخصال الكريمة ، وللمسلمين في رسولهم العظيم المثل الأعلى في كل شيء ويكفينا أن نشير
إلى قول الله تعالى ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) .
3- الشورى وجمع الكلمة :
وهي ما نطلق عليه في عصرنا الحاضر، المهام الاستشارية Staff Functions :
ذلك أن التشاور في الأمور يبعد الرئيس أو القائد عن التسلط والاستبداد والانفراد بالرأي دون مراعاة للآخرين أو تقدير لمشاعرهم . يقول سبحانه وتعالى : ( وأمرهم شورى بينهم ) و ( ولا ينبئك مثل خبير ) . يقول : ( وشاورهم في الأمر ) و ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم تعلمون ) .
ثم يأتي بعد هذا اتخاذ القرار : ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) .
وذلك بعد عرض الأمر على الجماعة والوقوف على مرئياتهم .
ويروى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال عليه السلام ( المستشار مؤتمن ).
4- الالتزام والطاعة:
وهذا يعني الالتزام من جانب القائد أو الرئيس وكذلك من جانب المرؤوسين أو العاملين ، كل بما هو منوط به من واجبات ، فلا تقصير ولا تفريط إنما الالتزام باللوائح والتعليمات والنظم التي ارتضاها الجميع واتفق على تنفيذها والالتزام بمبادئ العمل والتوجيه السليم . كذلك تجب الطاعة على العاملين نحو رئيسهم أو قائدهم ما دام متوخياً الصالح العام ومستهدفاً نجاح العمل بلا ضرر ولا ضرار، ذلك أنه من لزم الطاعة حقت له الرعاية.
قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) " النساء آيه 59 " .
وصدق الله العظيم حيث يقول : ( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين )( الشعراء آية 215" .
وفي الحديث الشريف : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) " رواه أحمد والحاكم " .
وقال عليه الصلاة والسلام : ( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كان رأسه زبيبة ) .
5- الطموح والتهيؤ للمستقبل :
ذلك أن مواصلة العمل في المنظمة أو المؤسسة قد يحتاج إلى إعادة نظر في بعض المواقف والتزود بمعلومات أو اكتساب خبرات جديدة أو معرفة ما هو جديد في أحد المجالات ، والإسلام يدعو إلى التجديد والابتكار وعدم الجمود فالحياة تتطور والفكر البشري في تفاعل معها والمواقف قد تتغير وتستحدث أمور كما يحدث في عصرنا الحاضر ، ولا بد إذن من مواجهة ذلك .
يقول عز من قائل : ( ويخلق ما لا تعلمون )