نعود من المسجد وقد سرت في أوصالنا نشوة من الانشراح والانفعال الغريب يزيد رواها نسائم الصبح المحملة بشذى عبق الخزمى والنفل والرمث وريح تراب القوز بعد أن بلله الطلل ..
حتى أن علياً غدى كجرو صغير يلاعب الهواء ...!!
ها قد أعدت والدتي الإفطار والقهوة كما هي العادة منذ أدركت ما يدور حولي غير إني لاحظت أمراً لم أعهده من قبل في نفسي فلم أكن اشعر بما توحيه الوجوه من تعابير إلا في الآونة الأخيرة ، وهذا ما خالني عندما رأيت عيون أمي وهي تحمل بين يديها الإفطار والقهوة ، فعندما وقعت عيناي على عينيها لم أرها تنظر إلى أبي وكانت تحمل تلك العيون الواسعة التي قد زهاها الكحل جمالاً فلا اعلم من جمل الآخر الكحل ام عينا والدتي خوفاً قد شابه الاحترام .
سكبت فنجال من القهوة لوالدي دون أن ترفع رأساً ، تناول والدي الفنجال في حبور مهاب وهو يلوك حبة من التمر ثم نظر إليّ وقال :
راشد اليوم تراك بتروح للمدرسة وتدرس أنت وخوك غير احذرني تترك أخوك خله بجبك وانتبه يضربونه عيال آل شايب وعيال آل سعد تراهم معكم في المدرسة خلك مع ربعك آل مطر وحذرني يرد عنك بكره انك طقيت (1) ولا خذيت زنتك (2) من الرجاجيل تعيربها (3) وسط ربعك الرجال يغدي رجال وأنا بوك ..
واطرق نظره إلى الأرض وأطلق زفير المخنوق الغاضب الذي اجبره الدهر على عدوا مما من صداقته بد وقال :
هذا والله الزمان الشين اللي جمعنا بال شايب وال سعد عدوان البو والجد ..
ونظر إلي والعتاب يملئ عيناه وكأني به يحملني ما قد وقع ..
انتابني شعور المسؤولية ولم اعد ذاك الطفل اللاهي وألهبت كلامات أبي جوانبي فالقضية أكون أو لا أكون مع جهلي الشديد بما أمامي فلم ننزل هذه القرية إلا قبل ثمانية اشهرفقط حيث اشترى والدي هذا المنزل القديم من احد جماعته الذين دعاهم أمير القبيلة قبل خمسة عشر سنه لنزول هذه الأرض بعد ان قسمها الإمام بينهم ولم نكن قبلها غير بدو ننزل منازل القطر والمرعى وكان أبي شديد الحساسية من مجاورة الناس فلا ينزل بقرب احد وكان يردد بأن الرجل لا يقرب الناس ولا يجاورهم لغير داعي أو حاجة ماسة فكنت طوال إحدى عشر سنة عصفور صحراء ألهو حول بيت الشعر واركض بين شجر السمر والغضى واكل العنصل وأمص جذور الحماض اللاذع ، قد اسفعت لواهب نجد مني الخد ونزفت مني القدمان من جراء المشق(4) ، ليس لي في هذا الوجود غير أمي وأختي وأخي أما والدي فوحش صحراء ضاري يكون كل يومه مع المواشي وخصوصاً الإبل لصعوبة رعيها ولا نراها الا في المساء وأحيانا ينام عند الإبل فإذا حضر لا يقربه منا احد ، حاول مرات عديدة اخذي معه لكن في كل مرة كنت أخيب ظنه وكان يردد على مسامع أمي :
الولد ذا مواريه(5) مواري الخلفه (6)... !!
ليا منا صرنا عند الإبل مغير يلعب .. !!
وينظر إلي بالتساع عينه ويحد فيني النظر ويقول :
اللعب مهوب لنا وإنا بوك اللعب لعيال الصناع والعبيد ...!!؟؟
لا أعرف من هم المقصودين في حديث أبي ..؟
لكن يظلون أشخاصاً غير مرغوب فيهم .. !
وكأن نظرات أمي الحانية الدافئة المشفقة علي تقول : لازال صغيراً و فسوف ترى منه ما يسرك عندما تسمع كلام أبي لكن تلتزم الصمت ونتبادل أنا وأمي النظرات والضحكات المخنوقة بحب روحي خالد ..
المجهول أمامي فلم يصدف لي الاحتكاك بالناس و الخلطة بهم بشكل مباشر إلا ما يحصل من ولائم أكون مع أبي ولا يسمح لي بالمغادرة من مكاني وكان يقول لي قبل الذهاب للدعوة :
اسمع وانا ابوك الرجال يجلس مع الرياجيل ويسمع علومهم والدنفسة (7) مع الوراعين مهيب لعيال الحمايل ..
كما لا يسمح لنا بالذهاب إلى المسجد في حال غياب والدي وعندما نذهب معه لا تختلط بالآخرين ...!!!
لا نعلم ماذا نصنع للاستعداد لهذا الحدث المجهول فالكل في حيرة من أمره ، وتضاربت الآراء الحائرة فيما بيني وبين أخي حول الاستعداد ولا أدرك في ذلك الوقت من المنطق إلا القياس الفطري لما زرعه والدي في نفسي .. كن كذا مثل كذا .. لا تكن كذا مثل كذا .. فقلت : العيد نغتسل له ونغير الملابس وو .. وزادت حماستي وأنا أرى أبي مطرق الرأس لا يتكلم ويستمع ألي فتواردت الأفكار على راسي الصغير دون سابق إنذار مما زاد في حبوري وسعادتي التي لم يقطعها إلا صوت أبي الأجش ..
اترك عنك الخبال و الهرج السامج ..
كسرت نفسي هذه الكلمات وأورثت جرحا نازفاً من قلة الثقة بالنفس لسنوات عديدة .. فقلت رغبي في اكتشاف هذا المجهول وزالت حماستي لخوض غماره وران الصمت الكئيب اجتماعنا .. لم يبدده غير ذلك الصوت القادم من بعيد من جوف الحنان المكبوت بأسوار التجبر والأنفة الرجولية ..
يالله افطروا وأنا أمكم ..
يتهكم والدي ويهز رأسه ساخرا ..
ما خربه غير دلاعك له ..
وينظر ألي بعيون راثية لحالي الذي لا يسر ويقول:
من يوم اشفك ناشب في رجلها مثل القراد(8) وانا سامح منك ..
ولوالدي ما يبرر قوله فانا دائماً مع والدتي وكنت أتمنع في كثيراً من الأحيان إذا ما دعاني للذهاب معه حتى طغت علي روح أمي فصرت إلى التأنث اقرب وهذا ما أثر علي كثير في قادم الأيام ، وسط أجواء الصحراء التي لا تعرف الرحمة بل تقدس القسوة ولا يعيش في جوفها إلا أغلاظ القلوب الأكباد ..
دنوت أنا وأخي من إفطارنا الفقير الذي لا يتعدى رغيف من الخبز وقليلاً من السمن الحيواني مع حليب المعز المحمى على النار ..
على كرهاً مني ، خوفاً من أبي ..
إن فكرة رواحي لهذا المجهول بثيابي المتسخة التي تعلو بدني الهزيل منذ أسبوع لم ترق لي ..
فما العمل إذاً ..؟
الرضوخ هو الحسم في نهاية المطاف ..!!؟
(1) أي ضربت
(2) الثأر
(3) العيب المصاحب للرجل حتى يعرف به
(4) التهاب جلدي يصيب القدم بسبب الهواء الجاف يحدث شقوق في القدم مع نزف
(5) علامة
(6) وصف يطلق على الرجل قليل الشأن
(7) سفاسف الأمور المستحقرة
(8) حشره توجد في معاطن الإبل وتعيش على مص دم الحيوان