نهض أبي بسرعة وقد علاه الجد وهو يقول :
باروح للحلال ونتو على مدرستكم الهمام (1) وأنا بوكم
أم راشد الشاة الدافع (2) جابت والا باقي ... لاوالله باقي يا بو راشد ..
ثم ينصرف ويلقى علينا تحية الوداع بشكل مقتضب :
فمان الله ..
أتابع أبي وهو يهم بالخروج فتتبعه عيناني حتى يتوارى بجسده القوي المفتول عن ناظريّ .. قد اختلطت مشاعري وأحاسيسي تجاه هذا الوالد الصحراوي الجبار الذي لم يقبلني يوما ولم يحملني يوما ولم يلاعبني يوما .. قد نشأ في الصحراء ورضع من ثديها ، فأصبح فوائده كصعيدها الجاف ومزاجه كأجواها المتقلبة .. وبطبيعة الحال لم أدرك هذه المعاني والأحاسيس الإنسانية الأبوية إلا بعد أن أصبحت أباً متحضرا . لكني في تلك الفترة كنت اشعر بالفطرة الطفولية بأن هناك خلل ما في طبيعة العلاقة بين ابي وعائلته الصغيرة .. غير أني في هذه اللحظات اعذره فهكذا عاش وتربا . وهكذا يمارس ويربي قد علمته أمه الصحراء بأن لا مكان للضعفاء ... وإنما العيش للأقوياء فقط على حصبائها الصلده ..
أهم بالخروج أنا وأخي علي وأمنا تنظر إلينا بعينين صامتتين دون تعبير واضح قد لفها الغموض العسير على الفهم ..؟؟
خرجنا من البيت وإذا بعلي يتمطى بأنّه مخنوقة ليهش على ما بقي من كسل في أوصاله ..
أشرقت الشمس على هذا الجزء المنسي من العالم باسطتاً ردائها الذهبي على الجبال والهضاب والأودية والتخوم باعثتاً للحياة في كل شيء تلمسه بشعاعها الطاغي لتلونه بلونها الذهبي ، فأصبحت الأرض قطعة من الذهب الخالص وتحولت أجواها إلى فتاة تراقص أشعتها وتنتشي بكأس دفئها .. لاقف كالمسحور الذي سحره الغموض الكامن خلف سذاجة الأشياء ..
لتوحي لي اللحظة الساحرة بأن أتأمل ما حولي وان افتح عيني التي كدها الرمد (3)وأعيها على اتساعها فأنظر و أتأمل بيوت القرية تلك البيوت المبنية بالطين المخلوط بالقش المسقوفة بالجريد المدعم بجذوع الأشجار وبعضاً من الحديد الصدئ .. تتدلى منها المزاريب المصنوعة من الخشب لتصريف ماء المطر الشحيح ..أجول بنظري فأرى البيوت الإسمنتية القليلة جداً قد شذت بلون الجير الأبيض عما حولها فأصبحت كالبقع المنتشرة على جلد أبهق ..
أتفحص البيوت المتناثرة على مد البصر المتباعدة عن بعضها فأرها قد اجبرها أهلها على البعد و الفراق ، في إعلان صارخاً عن تباعد القلوب واشين لكل عين ناظرة بالكره لهذا المقام الذي أجبرهم عليه الدهر الغادر ..
نحث الخطى أنا وأخي إلى وجهتنا سائرين على إقدامنا الحافية ..
وكانت المدرسة في الجهة الشرقية من القرية وبيتنا يقع في أقصى الغرب من القرية فنعبر من منتصفها مارين على القرية بأكملها ..
النهوض باكرا من طبع الساكنين لهذه البقعة فلا ينامون بعد الفجر بل يحتسون القهوة المرة ويأكلون ما يجدون ثم ينصرفون لأعمالهم والتي تنحصر في الرعي غالباً وتعود ربات البيوت مع بناتهن لإتمام أعمال المنزل القليلة .. ويلاحظ العابر دخان النار المنبعث من خلف الأسوار الطينية محملاً بريح السمر أو الغظى المحترق.. ويسمع بكاء الأطفال المعترضين على أمراً ما وصيحات الرجال الحاثة للنساء بإنجاز ما طلب منهن .. فلا خصوصية يعيشها أهل القرية بل جو مفتوح لكل رائي فالنساء قد توسطت زرائب الأغنام يحلبن ويساعدنا صغار الأغنام على الرضاعة قد ارتدينا اللثام الأسود والثياب ذات الألوان الفاقعة وتزين بالحناء والزميم (4) وبعض الحلي الفضية ..
وتراهن يصرحن في أولادهن الغافلين:
نعنبو ذا العين رد على الجفر .. !! (5)
ويا ويلي ويلاه والله اني لاجيك انتعرف ان الله حق .. (6)
لم تكن الأبواب تغلق بل مفتوحة طوال اليوم والليل فمن العار إغلاق الباب ولا يتوجب على الزائر إلا رفع صوته والتحمحم :
يا ولد ..؟
يا عرب ..؟
يا أهل البيت ..؟
هذه العبارات كفيلة له بالدخول ..
اعبر أنا وأخي وسط هذه الجلبة والحركة دون أن نلفت انتباه احد فالكل قد انشغل بما في يديه من أعمال .
نصل للمدرسة المبنية بالاسمنت المطلي بالجير الأبيض ومكونة من غرفتين ودورة مياه وفناء واسع يتخلله باب ضخم من الحديد ..
كنا أول الواصلين ولم يسبقنا احد ، فجلسنا إلى جوار الباب ننتظر القادمين مرت علينا دقائق وإذا بمجموعة يزيدون عن الخمسة يسيرون باتجاهنا يتوسطهم شاب قد ناهز البلوغ كما يبدو عليه ، فقد ظهر شاربه وبانت عليه ملامح الرجولة ، اقتربوا منا ، حاولت أن أتعرف على وجوههم لعلي قد رأيت احدهم في الولائم التي احضرها مع أبي ، فلم اعرف منهم احد .
اقتربوا أكثر دون أي تحية سألني الشاب كبيرهم بلغة جافة :
من انت ولده ..؟؟
نظرت إليه وكلي دهشة من هذا النزق والعنف الذي يكتنف صوته حتى اني لم أرد عليه فقد انعقد لساني خوفاً ، وانكفأ علي على نفسه بحركة غرائزية وضم جسده الهزيل إلى جسدي ..
مرت لحظات من الصمت والهدوء الساخن قاطعها احدهم قالاً :
يا رجال ذولا عيال تباع جرته (7) شفته معه ذاك اليوم ...
فأطلقوا جميعاً ضحكات الاستهزاء والسخرية ..
وقال الشاب :
اني والله دريت من يوم شفت وجهه اللي كانه وجه عنز والد (8)
جرى الدم بقوة في عروقي واحتل الغضب كل جزء من جسدي وهزتني رعدة الانفعال ..
هل أرد الشتيمة بمثلها .. ؟؟
أم هل اقذفه بحجر على وجه ..؟؟
أم ماذا ... أم ماذا ...؟؟
اختلطت ردود الأفعال والخنق داخل صدري ..!!
فماذا عساي فاعل أمام هؤلاء ؟؟ فأثرت السكوت وتجنب الصدام ،و ظلوا واقفين ينتظرون أي ردة فعل مني على تحرشاتهم ، ولمزهم الخبيث الماكر ..
ثم انصرفوا إلى الجهة الأخرى من باب المدرسة وجلسوا هناك فعرفت أنهم معنا ..
أدرت وجهي لأخي ، لعلي أجد في عيناه ما يسكن جام غضبي ، المكبوت بجبني وخوفي ، فلم أرى غير علامات الاستفهام و التساؤل فأدرت وجهي عنه وأطرقت برأسي وسار بي الخيال إلى غير الزمان والمكان ، لأصحو على صوت أخي وهو يكلمني :
راشد
نعم
ذولا ويش يبون(9) ...؟؟
مدري
تباع جرته منهو ..؟؟
والله مدري بس يمكن يقصدون أبوي هذا اللي فهمته من كلامهم ..
أبوي اسمه عبدا لله ..!!
داري لكن يمكن أنهم يعيرونه بتباع جرته ..
والله لعلم بوي عليهم ..
هجل انت مجنون ..؟؟ اسكت ولا يدري احد
(1) بسرعة
(2) حبلى
(3) مرض يصيب العين بسبب قلة النظافة
(4) حليه توضع على الأنف
(5) ابن الماعز .. والعبارة التي قبلها يقبلها في الفصحى ( لا أبا لك)
(6) تقال عند الغضب بمعنى ( يا ويلي )
(7) يكثر عند القبائل تسمية الآخرين بأسماء أخرى بقصد السخرية والتقليل من شأنهم والمقصود هنا أن أبو راشد يسير خلف اثر قدميه يعني صاحب شك وريبة
(8) شبهه بالماعز التي هي في حالة وضع
(9) ماذا يريدون