البوية.. من أنتِ؟
الهام أحمد - « جريدة اليوم » - 31 / 3 / 2009م
(أتقبلك كما أنت) هكذا قالتها الأم وهي تتحدث في الفيلم الغربي الذي دارت أحداثه حول اكتشافها بعض العادات الغريبة لدى ابنتها. وتخيلت لوكان لأحد منا بنت في مرحلة المراهقة اعتلت ببعض السلوكيات الشاذة لكان أول ماسنفعله الرفض والبدء في المحاضرات الدينية الوعظية والأخلاقية التي قد يجعلها تستمتع بإصرارها على ماتفعل وربما في أعماقها جعلتها تكره نفسها. ونعلم جميعا أن كثيرا من الصفات الشخصية النفسية السلبية ينشأ بعضها من اشمئزازنا وشعورنا بصورتنا الكريهة لعمل ما نمارسه في الخفاء ونخشى أن يراه الآخرون.
سألت يوما: ماهو الأهم وله الألوية الأولى في حالة اكتشافنا لابن أو ابنة مريضة بسلوك شاذ عن الفطرة، هل هو الوعظ الأخلاقي وبناء الوازع الديني، أم المعالجة النفسية أولا؟ الكل أجمع بأن الوعظ يأتي أولا، واختلفت مع الكل لأنني أعتقد بأنك حتى تبني قاعدة تؤمن وتقتنع وتتقبل وتطبق لابد أن تفهم صاحبها أولا، وتتقبل شذوذه النفسي، وتدخل في أعماق حاجاته، وأسباب تعلقه بسلوك ما يعلم مسبقا أن الجميع سيستهجنه.
واليوم نتحدث عن احد هذه السلوكيات التي تخرج عن إطار التكوين الطبيعي للأنثى والتي بات انتشارها في المدارس حسب رأي كثير من المعلمات أمرا مرعبا هذا عدا عن ظهورها كنوع غريب من السلوكيات بين بنات الجامعة أيضا وهي مانسميه (البوية ).
البوية إن لم يعرفها البعض فهي: تقليد الفتاة لأفعال صبيانية سواء في قصة الشعر، طريقة المشي، نبرة الصوت وتتميز البوية أحيانا بلطفها وحنانها، وذلك حسب ما أكدته جميع الفتيات اللاتي تربطهن علاقة حميمة مع الفتيات المسترجلات، وحتى نوع الصداقات (ولاتدع هذا يصدمك) إذا أن الأسوأ يكون في شكل تلك الصداقات لدرجة أن الفتاة (البوية) يمكن أن تحب فتاة مثلها وتنتابها نفس المشاعر التي تنتاب رجل تجاه انجذابه لامرأة.
السلوك شاذ ومحبط أن ترى ابنتك الجميلة الأنثى تحولت إلى صبي في كل شيء، تقف بطريقة معينة خشنة، وتجلس أمام الآخرين كما يفعل الرجال، وقد تتصرف بعنف حال الغضب لدرجة أن المسألة يمكن أن تتطور لضرب الآخرين كالصبيان. وغالبا ماتبدأ هذه السلوكيات في مرحلة المراهقة حيث تتذبذب المشاعر في نفسية الفتاة, وحيث يكون لتوتر الظروف الأسرية، أو لعدم استقرار المنزل بسبب أحد الوالدين محيطا خصبا.
وقد شاهدت أثناء عملي كمعلمة من هذه النماذج، وكنت أرى الطالبة تسرع راكضة فور انتهاء الحصة لفصل آخر، لترى (حبيبتها) أو هكذا تسميها، وتلقاها بالأحضان، وفي مناسبات أخرى قد تقدم لها الورود والبطاقات الملونة التي تحتوي على كلمات تخجل منها العين، بل قد يمتد هذا أحيانا إلى شعورها بالغيرة الشديدة إن رأت فتاة أخرى تحاول التقرب منها، أو رأتها تتحدث مع أخرى بلطف.
هذه (الفتاة البوية) ببساطة هي حالة نفسية لاتختلف كثيرا عن حالات نفسية وسلوكية شاذة أخرى، لأنها تعد نوعا من المرض الذي له أسبابه، وطرق علاج تتناسب مع كل حالة.
لكننا تعودنا كشعوب شرقية أن نختار أبسط الحلول حينما نفاجأ بموقف كهذا وهو الرفض، والتوبيخ، والتخوف من الدخول في أعماق المشكلة، وكذلك الإصرار على التوجيه الصارم وأحيانا الحبس في المنزل، رغم معرفتنا بأنه لن يجدي نفعا في مراهقة لاتعي ما تمارسه من انحراف سلوكي فهي تعتقد في داخلها أن تعبر عن نفسها وأفكارها فقط.
تقول إحدى المختصات أن أحد أسباب حدوث مثل هذا السلوك هو انتشار الفضائيات، وخاصة إظهارها لكل أنواع المحرمات بدون قيود حتى بات المحرم مألوفا، وبعضهن تحولن إلى فتيات مسترجلات تماشيا مع الموضة، أو ليصبحن محط أنظار وحديث جميع البنات في المدرسة وأحيانا تكون بسبب تلاشي الصلة الروحية بين الفتاة ومن يقوم بتوجيهها أو الصلة الجيدة الصحية بينها وبين معلماتها أو حتى انعدم دور الارشاد الطلابي الذي يرى تلك الحالات ولايحاول أن يتعامل معها سوى بالطرق التقليدية التي لاتتعدى الانبهار والصدمة ثم إيقاع العقوبات، أو التوبيخ الصارم ولكن هل أنهى ذلك معاناة الفتاة مع نفسها؟ إحدى الطالبات ذكرت: بدأنا لا نشعر بالجو المدرسي بل كأننا في احد المجمعات الشهيرة فالبنات يظهرن بكامل زينتهن من أجل لفت نظر البويات، وخصوصاً ان البوية دائماً تراعي عند اختيارها لحبيبتها أن تكون في غاية الأناقة والجمال لذلك فإن معظم البنات تبالغن في الاهتمام بأنفسهن.
طالبة أخرى قالت: إن وجود هؤلاء البويات خلق لنا (برنامج) في المدرسة فأصبح لدينا أشياء تشغلنا فنحن نراقبهن من بعيد ونتابع كل تصرفاتهن وحركاتهن ونستمتع بها فهن يتصرفن كالشباب تماماً يعاكسوننا ويسمعوننا أجمل كلمات الغزل التي قد لا نسمعها في الخارج من الشباب أنفسهم.
وفي صورة مؤلمة أخرى تعبر الفتاة التي تتقبل هذا النوع من الحب والإعجاب من الفتاة البوية بقولها: البوية حنونة وقد أحببتها من كل قلبي فهي تعطيني العطف والحنان بالإضافة إلى عامل الأمان وهي كتومة، عدا عن سهولة دخولها إلى منزلي وقد منعني أهلي من الخروج لشكوكهم الدائمة ورغبتهم في حمايتي من الشباب خارجا، ووجودها يمنحني نوعا من الراحة وخصوصاً ان أهلي لن يمانعوا علاقتي معها كونها فتاة.
لاحظ بأنها تبحث عن شعور بالثقة والأمان الأسري وهو سبب مهم تفتقده بين أحضان أسرتها.
تلك الشواهد الخطيرة تحتاج لوقفة من كل المجتمع المحلي (أسرة، مدرسة، مجتمع خارجي)، وذلك لن يتحقق سوى بالتقرب لبناتنا وتواجدنا معهن في كل أوضاعهن وتغييراتهن النفسية خاصة في مرحلة المراهقة، وسماعنا لمشاكلهن ، ومشاركتنا لهن في الأفكار ومساعدتهن على انتقاء الصحيح منها ونبذ الفاسد. وربما كان من المهم أن تهتم الدولة ممثلة في وزارة التربية والتعليم في تخصيص حصص للرياضة لأنها عامل مهم تستطيع الفتاة من خلاله تفريغ طاقاتها .
كذلك لاننسى دور أدوات التقنية التي أصبحت وسيلة سهلة لانتشار هذه الظاهرة من خلال الرسائل القصيرة التي قد تجدها الأم في جوال ابنتها، أو رسائل عبر الايميل، لكن كل تلك لاتعد سوى وسائل والأهم حماية الفتاة من نفسها ولن تجد فتاة تتعايش بسلام مع أنوثتها إلا وستجدها في منزل يتعايش مع طبيعتها، واحتياجاتها ويسد كل الثغرات التي قد تشعرها بالغربة عمن حولها ويتعامل مع أفكارها دون قمع وتخويف.. فانظر من أين جاء الخلل وعالجه قبل أن تفاجأ بما تسمع ولاتستطيع احتماله.