2011- 9- 18
|
#7
|
|
متميزة في ملتقى السعادة والنجاح
|
رد: فضاء الجسد "الجنس الثالث"


ونظر إلى وقال: غريبة.. أول مره يسكنوا بنات معانا! دي أختك؟
رد جهاد الناطق الرسمي، وقد بدا الضيق في نبرات صوته: لأ يا سيدي دي بنت خالتي..
- وحتسكن ازاي لوحدها؟ دي كل أوده لاتنين، وما فيش حد بيسكن لوحده..
- ما فيش مشاكل عندنا، حنسكن سوا أنا وهي..
- هو انتم متجوزين؟
- لأ يا سيدي؛ أصحاب وحبايب. بقول لسيادتك إيه: هريتنا أسئلة: انت اسمك أيه؟
- أنا آسف اسمي، محمد عبد السلام من مصر، وبشتغل في الكافتريا..
- طيب يا سي محمد: نشوف وشك على خير مرة تانية، عشان إحنا عايزين ننام.
سأل: طيب كام رقم أودتكم؟
بتأفف شديد أجاب جهاد: 26
- أنا آسف إن كنت ضايقتكم، بس كده احنا طلعنا جيران، وحنشوفكم كتير أنا وزيدان شريكي في الأوده دايماً بنكون في وقت الراحة في صالة التلفزيون أو المكتبة إذا حبيتم.. على فكرة: نسيت أسأل حضراتكم: انتم من فين؟
- من جهنم الحمرا عن إذنك..
سحبني جهاد من يدي وأدار ظهره. سمعنا صوت محمد يلاحقنا بالسؤال: اسم أختك أيه؟
- اللي ما تتسماش يا عنيا..
فتح جهاد الغرفة، ووقفنا بانبهار لشدة نظافتها وترتيبها.. فتحنا البلكونة التي تطل على مزارع البرتقال الممتدة.. ذهلت من جمال المنظر الذي اختلط برائحة الأرض، وغامت عيني بدموعها.. جعل جهاد يردد: الله ياخدكم ياليهود..
رددت أنا: والعرب لأ؟
دخلت الغرفة وجلست على كرسي وضع أمام السرير، ضحكت بعدما سمعت جهاد وهو يبرطم: بدأنا المشاكل يا سيدي، وشكلك الحلو حيكون مشكلة يا سي نداء؟
- أنا قلت لك خليني في مكاني أحسن..
- اسكت يا راجل؛ كان عاجبك شغل القوادة اللي بتشتغله؟ على الأقل هون شغل محترم..
- مش كنا رحنا نشتغل في أراضي السلطة..؟
- شو بتقول يا سي نداء؟ عند السلطة الحرامية؟ اللي كل واحد منهم مشغل قبيلته على حساب أموال الشعب المسروقة؟ والله اشتغل عند اليهود أحسن.
- خلص.. اسكت.. مصيبة اللي تاخدهم، مثل ما أخدوا بلادنا، وبيبرطعوا فيها على كيفهم..
- ممنوع الحكي بالسياسة يا فالح، قوم خذ حمام منشان تنام أحسن لك..
فتحت شنطتي، وبدأت في ترتيب ما بها داخل خزانة صممت لتكون جزءاً من الحائط، وأمسكت بالمصحف الذي أهدتني إياه أمي وقبلته، ووضعته فوق رف في الخزانة، وعلى الكومودينو بجانب السرير وضعت صورة لي وأمي وسحر ونحن جالسون في حديقتنا.
نظرت إلى أمي وانتابتني غصة، وعضضت على شفتي حتى لا تفلت دموعي؛ فزمن البكاء فوق صدرها الحنون قد انتهى..
استلقى جهاد فوق سريره بملابسه وغط في النوم، أخذت حمامي وخرجت لأجد شخير جهاد قد علا.. نظرت إلى تقاسيم وجهه البديع، واقتربت منه حتى أريح رأسه فوق الوسادة حتى ينقطع شخيره.. حملت رأسه كقطعة من قلبي أخشى عليها، وأرحته فوق المخدة.. خلعت له حذاءه، وغطيته بروحي، وأخذت مكاني على سريري.. تساءلت بيني وبين نفسي:
هل سأنجح في العمل هنا؟ وهل المجتمع اليهودي سيتعامل بنذالة معي مثل مجتمعنا العربي؟ غرقت في بحار سود من النوم المتقطع، والكوابيس التي تدوس فوق صدري، وعاودني ثعبان كبير برأسين يلتف حول رقبتي، ويفح في وجهي قائلاً: ليس لك مكان في هذا العالم.. استيقظت مرتعباً وغادرت السرير واتجهت إلى الحمام، وفتحت الماء فوق رأسي حتى أفقت، نظرت إلى جهاد وهو ما يزال يغط في النوم وحسدته على خلو باله، خرجت إلى البلكونة أتنفس عبير الليمون والبرتقال الذي أحاط بي من كل الجهات.. وللحظات تذكرت رائحة منزلنا في بيت لحم، نظرت إلى المدينة الكبيرة بأنوارها المتناثرة هنا وهناك فاستشعرت سكونها داخل نفسي، وتعجبت من كبر هذه المستعمرة التي تعد من أقدم المستعمرات الصهيونية التي أنشئت في فلسطين، ونبشت في أرفف عقلي لتنسال المعلومات عنها أمام عيني؛ حيث ساعد جمال المناخ وخصوبة التربة المعطاءة في إنجاح الزراعة لتصبح أكبر مستعمرة تزرع العنب والحمضيات.. وبعد تحسن اقتصادها باستثمار الأموال اليهودية، وبعد أن نجحوا في زراعة مساحة كبيرة من أراضيها، زاد عدد سكانها تدريجيّاً، وامتد العمران فيها حتى تحولت إلى مدينة، وأصبحت عقدة مواصلات هامة تتصل بالمدن الرئيسية مثل كفار سابا وهرتسليا ونتانيا والخضيره وحيفا، وبالمدن الرئيسية الجنوبية مثل اللد الرملة ورحبوت وبير السبع.. أمعنت النظر، وقد دهمت جسدي المشتعل دوماً بالأسئلة لسعة من البرد: لماذا ينجحون في كل شيء، ونحن منذ سنين ينخر الفساد في أجسادنا، ومكانك سر.
كم كنت فيما مضى وعندما اقرأ عن كيفية بناء المستعمرات أعجب من سرعتهم في البناء والتطور والنمو!
بتاح تكفا التي بنيت في زمن قياسي تعتبر المستعمرة الأكبر والأهم، وفيها عدد كبير من المستشفيات والمدارس الزراعية والدينية، بجانب محطة لمراقبة الإشعاعات النووية، كما أنها أصبحت مجمعاً صناعيّاً هامّاً، وتشتهر أيضاً بمنتجاتها الزراعية المتنوعة!
شعرت بالذكريات نصلاً يخترق جلدي، ويصل إلى روحي فيمزقها.. أقفلت البلكونة وتمددت على سريري مرة أخرى في انتظار انبلاج النهار، على أنغام الشخير العالي الذي كان يصدره جهاد.. فيما يعرف بمرحلة السلام، اكتشفت أن الآلاف من الشباب العربي العاطل عن الأمل والعمل يعمل داخل إسرائيل، ويعلق آماله على الكسب هناك..
في الصباح تناولنا الإفطار داخل الكافتريا مع جموع من الشباب من مختلف الجنسيات العربية، وكانوا يلقون علينا تحية الصباح بمودة ظاهرة.. فكلنا هنا غرباء عن أنفسنا وأوطاننا. ومن المؤكد أن الكل كان يسأل نفسه: لم تقذف بنا بلادنا ليلتقطنا عدونا، ويظهر أنه أرفق بنا، ويجعلنا نكفر بفكرة خدمة الوطن والحفاظ على كرامتنا ؟!
كنت أحس بالنظرات تخترقني، مستهجنة من ملامحي، حاسدة جهاد على رفقته الجميلة.
ظهر حمدان مزلزلاً القاعة بصوته وقال:
- هه.. هادا انتو هون يا ملاعين.. صباح الخير كيفكم؟ نمتوا منيح؟
- والله أنا ما دريت بنفسي يا حمدان إلا ونداء يوقظني من أحلى نومة..
- أوكي.. هلحين بدنا نقابل رافاييل، منشان يشرح الكم شو حتشتغلوا.
ذهبنا إلى المعلم رافاييل كما يطلق عليه كل الشباب: رجل في العقد الرابع.. مهندم ببساطة.. سمرته ساحرة.. عيناه خضروان.. ملامحه بشكل عام تدل على النبل..
دعانا للجلوس، وتفحصني جيداً وبإنجليزية سليمة وتلقائية سألني:
- هل إنت خو...........؟
- لا يا معلم، أنا لست كما سألت، إنما أعاني من اختلاط الهوية فقط..
لم يبد عليه أي تأثر أو استهجان، فسأل:
- ما اسمك؟
- نداء..
- أوكي نداء.. عملك سيكون مع العملاء الذين يأتون لحجز قاعات الأفراح، وستسجل كل ما يريدون من أنواع الديكور: ألوانه.. قوائم الطعام.. الزهور، ومن ثم ستسلم القائمة للمسؤول المباشر ديفيد، الذي سيقوم بتوزيعها على من يختص بها..
- ولكن بأي لغة سنتفاهم؟
- ستجد كل اللغات.. فهناك من يتحدث العربية، وهناك من يتحدث الإنجليزية والعبرية والفرنسية وحتى الفارسية.. وعلى فكرة: رئيسك أنت وجهاد يجيد العربية، وعلى كل نحن هنا نتعامل بكل اللغات.. نهاية كل أسبوع سنعطيك 700 شيكل.. من حقك يوم إجازة في الأسبوع تحدده أنت مع المسوؤل المباشر عليك..
قام من مقعده خلف المكتب ليبدو طوله الفارع الآسر، ونظر إلى جهاد وقال:
- أما أنت يا سيد...
- جهاد معلمي..
- أوكي.. لدينا مخزن كبير تابع للقاعة فيه عدة أقسام.. ستكون مسؤولاً عن قسم مستلزمات الموائد من مفارش وأوانٍ وأكواب وصحون وملاعق وشوك.. وكل ما يخص أدوات الموائد.. سيكون لديك أسبوع دوام ليلي وأسبوع صباحي.. مسؤولك المباشر اسمه مردخاي، سيجرد معك الموجودات، وتوقع على قائمة الاستلام، وكلما خرجت قطعة عليك بتسجيلها حتى تتسلمها، وستتبادل معه الدور، وحسبما تتفقان.. عليكما بتقسيم الدوام بينكما، وتحديد الإجازة الأسبوعية لكل منكما..
نطق حمدان أخيراً بالعبرية التي يجيدها وسأل: آخذهم هلأ يشوفوا المكان، ويتعرفوا على الشباب ويبدؤن اليوم؟
عرفت فيما بعد أن حمدان يعمل كوسيط بينهم وبين الشباب الفلسطيني الذي يقنعه بالعمل في إسرائيل، ويأخذ على كل رأس يأتي به 300 شيكل، كما أنه يقوم بأعمال الصيانة الصحية للقاعة فهو سباك ماهر..
وجدت تقبلاً كبيراً لشكلي، ولم ينظر لي أحدهم باستهجان، كما كانوا يفعلون عندما كنت أتمشى داخل بلدتنا، وفي كل خطوة أخطوها فوق أرض وطني، وكأني كائن فضائي غزا الأرض... واكتشفت الفرق بين الحديث عن الحياة الاجتماعية والحياة السياسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي... التعامل داخل إسرائيل يختلف كليّاً للأسف عن طريقة التعامل في الشأن السياسي الصلف التي اعتدنا عليه من زعماء الصهاينة الذين يعيشون على قتل إخوتنا وأحبابنا، وعلى خداعنا.
بحكم عملي تعرفت على نساء ورجال كثيرين من اليهود، منهم الحقير المتعصب، ومنهم المسالم الطيب..كما تعرفت على الكثيرين من عرب الـ 48...
استطعت في فترة وجيزة أن أحقق نجاحاً في عملي، وأن أتقن اللغة العبرية.. كانت تقارير العمل التي يرفعها ديفيد عني لرافاييل ممتازة؛ حتى إنني تسلمت رسالة شكر من الإدارة، وزيادة في الراتب بعد مرور ستة أشهر من بداية عملي..
كنت كل جمعة عندما أذهب لأمي أضع في يدها 500 شيكل، وأصرف المبلغ المتبقي في شراء بعض الأدوية البديلة أو أي شيء آخر..
وكانت أمي تقوم بتوفير المبلغ لي حتى إذا احتجته آخذه منها.. وقد استقر رأيي بيني وبين نفسي بأن أجري عملية التغيير حتى أصبح أنثى غير كاملة، ولكن على الأقل التي أريدها وأن أكونها..
أوصاني ديفيد بعد أن قصصت عليه قصتي بالذهاب إلى عيادة الدكتور حاييم المتخصص في أمراض العقم والذكورة في نفس المستعمرة، والمشهور جداً في عمليات التحويل..
استقبلني الدكتور حاييم بدفء ومودة شديدة، رابتاً على كتفي.. سلمته كل نتائج الفحوصات التي قمت بها في السابق، ووصفات الهرمونات والبدائل التي أتناولها حتى الآن..
تفحص كل شيء بأناة وهدوء، وكأني المريض الوحيد الذي يزوره؛ رغم ازدحام العيادة..
سألني: لماذا وقع اختيارك على الهرمونات الذكرية، وليس العكس؟
- إنها قصة طويلة يا دكتور، فهذا الاختيار هو اختيار أبي وأمي والجيران والأصحاب وكل البشر، ما عداي.
ابتسم الدكتور وقال: أنتم العرب تحبون الأولاد أكثر، وعلى كلٍّ سنجري فحوصات جديدة الآن لمعرفة مستوى التستيرون، ثم ستبدأ برنامجاً تأهيليّاً لمدة عام، قبل إجراء العملية، حيث سيكون اختلاطك بالنساء والبنات أكثر، كما أنك سترتدي ملابسهن، ولك استشارة نفسية أسبوعية لمدة عام..
- واين سأجري العملية؟
- في مستشفي هداسا..
- هل أجريت تلك العملية كثيراً دكتور؟
- أعتقد بأنك تعلم أن كل حالة من ألف حالة لا بد وأن تكون كثيرة. وعلى كل فلقد أجريت العملية لاثنتين وعشرين حالة وبنجاح..
- وكم تكلفتها تقريباً؟
- 75ألف دولار، شاملة كل شيء، ما عدا البرنامج التأهيلي الذي تدفع الدولة الإسرائيلية مصروفاته كاملة تبرعاً منها..
- ألا توجد جهة تجري تلك العملية مجاناً..
- نعم.. هناك الجمعية الإسرائيلية لفاقدي الهوية أو للـ "شي مال" فإذا كنت منتسباً لها فستقوم بها على نفقتها..
صدمني المبلغ فشكرت الطبيب، وقررت بيني وبين نفسي أن أنسى الأمر لحين ميسرة، وألا أخبر أحداً - حتى جهاد - وسألت الدكتور حاييم إذا كان يسمح لي أن أتصل به للاستشارة في أي أمر يجد على حالتي، فرحب تماماً وقال لي:
أنا أقدر حالتك وصعوبتها؛ لأن اختيار الهرمونات الذكرية من البداية كان خطأً، ولكن على أية حال سأقرر لك علاجاً جديداً، بعد أن تجري التحاليل التي أشرت إليها، وأهلا بك في أي وقت..
لم أكن التقي بجهاد نظراً لتعارض أوقات الدوام إلا يوم الإجازة، والتي اتفقنا على أن تكون في اليوم نفسه؛ حتى نستطيع أن نقطع "السيجر" أو الحاجز مبكراً؛ لنقضي اليوم كاملاً في أحضان أرضنا وعائلتنا..
كنا محسودين من جميع الشباب الذي لا يستطيع العودة إلى بلاده إلا بعد مرور عام أو أكثر؛ نظراً لغلاء تذاكر السفر، وبعد المسافة..
كنت ذات يوم أغط في نومي بمفردي عندما صحوت على دقات متتالية على الباب.. كان من الواضح إصرار صاحبها على إيقاظي.. قمت ومن خلف الباب سألت: من؟
سمعت صوت ديفيد هامساً: أنا..
فتحت الباب فدخل وأسرع بإغلاق الباب..
قلت له: ماذا حدث؟
وبعربيته الركيكة قال: أنا أهبك يا نداء..
ديفيد جيلدمان رجل يختصر المسافات، ويصل سريعاً إلى قلوب من حوله، بضحكته الرائقة.. يعيش بمفرده في المستعمرة، بعد أن ماتت زوجته بسرطان الرئة.. لا يبدو أبداً في السادسة والثلاثين من عمره.. شعره الأشقر الكثيف يعطيه سحراً خاصّاً، مع جبينه الضيق، وعينيه اللوزيتين المبتسمتين، واللتين تجعلانك لا تخشي الهبوط فيهما بسلام.. درس هندسة الديكور في واشنطن حيث ولد.. كان وحيد أبويه.. بعد وفاة أمه قرر والده أن يهجر كل أمريكا لأنها دوًما تذكره بزوجته.. أراد أن يموت في أرض السلام! فسأل ديفيد أن يصطحبه.. وافق ديفيد على أن يأتي إلى فلسطين.. استقر ووالده في بتاح تكفا، ولم يغادرها عائداً إلى أمريكا بعد أن مات والده هو الآخر.. تعرف ديفيد على زوجته سافيون، وتزوجها، لكنها لم تعش طويلاً بسبب مرضها.
من خلال حديثه فهمت أنه يريدني بشدة، ويفكر في ليل نهار. وحتى لا يموت جسده من الوحدة كان يريد أن ينقذه بي، بعد أن مل الساقطات من كل الجنسيات، واللاتي تزخر بهن إسرائيل.. كما أنه يريد تجربة شيء جديد!
واجهته بالرفض القاطع، ولكنه لم ييأس، ونزل على ركبتيه أمامي وسأل:
- ألأنني يهودي؟
- ليس للأمر شأن بكونك يهوديّاً أو غيره.. ولكني فقط لا أستطيع..
- لماذا؟ هل أنت مرتبط؟
- كيف أكون مرتبطاً، وحالتي أنت تعرفها بالتفصيل؟
- أولست على علاقة بجهاد؟
- لا.. إذن فلأنني يهودي؛ أنا أعلم بأنكم تكرهونا، ولكني من جماعة السلام.. وأنت تعلم........
حاول ديفيد تقبيلي بقوة فأزحته عن طريقي، مهدداً إياه بإبلاغ رافاييل، بينما كانت أنفاسه الحارة تشعل وجهي..
ابتعد عني لاهثاً وقال: أوكي.. دعني فقط ألمس صدرك؛ فهو يثيرني جدّاً.
- ديفيد: أريد أن أنام..
- من فضلك يا نداء: لا تكسر قلبي.. لا تنس تقاريري الممتازة التي أكتبها عنك..
- لا تكتب تقارير ممتازة بعد اليوم؛ إن كنت لا أستحقها..
- هل تريدني أن أكون أبله، وأصدق أنك لا تعاشر جهاداً؟!
- ديفيد: أرجوك؛ أريد أن أنام، فلدي عمل كثير غداً..
- كيف تطيق أن تحيا بلا حياة....؟
وفجأة وسط دموعي التي لم أستطع أن أمسكها وجدتني أقول:
ومن قال لك يا ديفيد إني حي؟ إنني كل يوم أموت ألف مرة، أموت من أمثالك، من شكلي من نظرات الاستهجان لدى رؤيتي، من حيرتي فيمن أكون.. من فقري، من ضعفي وقلة حيلتي، من غربتي وعزلتي التي أتعمدها حتى لا أختلط بأحد.. عدم فهمي لحكمة ربي في خلقي هكذا، أموت من كل شيء وأي شيء!
رأيت الهلع والدهشة تحط فوق ملامحه، وكأنه استيقظ من غيبوبة ليرى من حوله.. وفجأة قام وأوقفني مقابله، ورفع عيني أمام وجهه، ولف ذراعيه القويتين حولي، ضمني برفق، شعرت بأصابعه الدافئة تلمس جلدة رأسي، وتمتم: أنا آسف يا نداء، اعذرني من فضلك.
الغريب في الأمر أنني استكنت لحضنه الصادق، وللحظات شعرت باستكانة الأنثى داخلي، وحاجتها لدفء تنثره في أجوائها، تغذي فيه روحها الظمأى من سنين وسنين..
لم يستغل ديفيد لحظات ضعفي على الرغم من وضوح تقبل جسدي لحضنه الدافئ، ولكنه قبلني قبلة من شفتيه الرطبتين والمتحفزتين للاستسلام لشفتين أخريين فوق جبيني وقال: اعتبرني صديقا لك.. أنا آسف.. وانسحب بهدوء..
لم يغمض لي جفن وأنا أستشعر اللحظات الدافئة التي غبت فيها بين أحضان ديفيد، وكيف غدا جسدي قطعة من نار، وأنا لا أدري تحديداً أيهما فيّ الذي استثير: هل هي الأنثى أم هو الرجل؟!
غزا نور الفجر مساحة كبيرة من غرفتي، وحين عاد جهاد من نوبته الليلية تعجب من أنني لا أزال فوق السرير، وآثار البكاء واضحة على وجهي.
- نداء شو صار؟ انت تعبان ؟
حاولت أن أخفي ما حدث فقلت له: قول صباح الخير بالأول.
- ما هادي أول مرة أشوفك بعد مناوبتي الليلية، شو القصة تعبان، ولا شيء؟
ولست أدري أيضاً لم قصصت عليه ما دار بيني وبين ديفيد..
رفع حاجبيه متعجباً وقال: بالله عليك هادا اللي صار؟
- إنت تعرف إني ما بكذب؟
- والله لأنزل أكسر لك راسه هادا الشاذ..
- اسكت يا جهاد؛ ليش إنت دايماً عصبي هيك.. خلص.. ما في مشكله، والرجل احترم رفضي..
- غريبة يا أخي ليش الشذوذ منتشر كتير هالأيام؟ يقطعهم قول آمين!! بس أنا مش عارف شو بيعجبهم فيك؟ أوكي وجهك حلو، بس يا أخي ما فيك لحم.. وكتير ضعيف، وحتى صدرك إذا كانوا بيهتموا بالصدر كمشة يد.. يخرب بيتهم شو بهايم! والله لو إنت آخر واحد في الكون ما باجي جنبك.
نظرت إليه وتمليت وجهه الوسيم، وحزنت على نفسي وتساءلت: كأني خرافة تصحو وتقوم.. من أكون؟
لاحظ جهاد حزني فقال: يا أخي أنا بموت في النسوان وبس.. أوعك تزعل مني.. إنت عارف أنا أديش بحبك.. ولو عاوزني إنزل أكسرلك راس ديفيد الآن بنزل.. وبعدين بدناش هالشغل.. بنروح نشتغل في مكان تاني.
وفجأة فرقع ضحكة عالية وقال: هههههههه.. الله يخرب بيتك يا ديفيد.. دا النسوان في إسرائيل ما فيش أجمل منهم.. ولا اكتر منهم..
- وإيش اللي عرفك يا سيدي..
- بعدين بقولك بدي أنام هالحين..
قبل أن أنزل للعمل تندر جهاد كثيراً على ديفيد.. تركته لينام وخرجت.. عندما قابلت ديفيد كنت أظن بأن رفضي له سيغير من طريقة معاملته لي، ولكنه همس: أنت الآن في العمل؛ عليك بنسيان كل ما دار بيننا..
لا تحزن بنـي؛ فالحزن نحلة تمتص رحيق الشباب.. 6
لم أصدق أن كل هؤلاء الناس أتوا في عزاء أمي وهم يذكرون طيبها وحسن جوارها.. بكتها صديقاتها جمانة وراشيل وعبلة بكاء يفطر القلب.. زملائي في العمل لم ينقطع اتصالهم للاطمئنان عل حالي: محمد المصري وزيدان السوري وطوني اللبناني؛ وحتى ديفيد والمعلم رفاييل. أما جهاد صديقي فقد (استرخص) ليكون معي طوال فترة العزاء؛حتى إنه نام عندي بعد توصية من سحر أختي وزوجها بأن يبقى معي، وقد اطمأنا لوجوده بجانبي.. قبل أن يغادرني بعد انقضاء أسبوع على العزاء سألني:
هل ستعود للعمل أم ماذا ستفعل؟
قلت له: اعتذر نيابة عني لديفيد ورفاييل؛ لأن أختي سحر مصرة على ألا أعمل، وأن أكمل تعليمي..
فرح جداً وقال: تمام وربنا ينفخ في صورتي أنا كمان وأكمل الزفت التعليم.
بعد أن عاد جهاد إلى بتاح تكفا رفضت بشدة وإصرار طلب سحر وزوجها بأن أبيت في بيتهما..
آه يا أمي، يا سيدة الألوان البهية.. يا نغماً ارتعش عبر روحي، وقنديلاً أضاء جوانب نفسي المحطمة.. كيف سأقاوم شوقي إليك بعد الآن وقد أصبحت بعيدة كنجمة بازغة في سماء مفقودة وأرض مراوغة؟
أتساءل: لِمَ لم يمهلها الله يوماً واحداً حتى أراها؟ أسلمت أمي روحها وهي جالسة تحضر لطعامي الذي أحب: فطائر معجونة بروحها وأنفاسها العطرة.. آه يا حبيبتي! يأبى الدهر إلا أن يقهرني ويذلني..
بعد مغادرة جهاد، وقد انفض الجميع، وخلا البيت علي وحدي أخذت أستمع إلى رجع موسيقى صوت أمي الحنون الذي كان.. وأتعلق بقسمات وجه أمي النقي، عبر صورة رسمتها لنفسها.. ما كان أجملك يا أمي!
أخذت أدور في البيت الذي شهد أيامي الأولى، وفي كل ركن من أركانه تحيا ذكريات وذكريات.. تلمست خزانة أمي وفتحتها، شممت عبير عطر أمي الخاص الذي كان خليطاً من كل الزهور.. أحسست برأسي يدور ويدور، وفاضت عيناي ببحر من الدموع.. اسودت الدنيا أمامي، وتذكرت كلمات جبران خليل جبران: أمرُّ ما في أحزان يومنا ذكرى أفراح أمسنا!
لم أقوّ على الصمود.. وكانت تلك أول مرة أصل فيها لأعلى درجة من درجات القرار الذي اختمر في خلاياي.. فابتلعت 100 حبة من البنادول، ونمت كوردة في عروة فستان أمي لعلي ألحق بها.
أفقت على دمعة ملتهبة سقطت فوق وجهي من بين جفون أختي سحر، وسمعت صوتها ما بين اليقظة والنوم يردد: لماذا يا نداء؟ أتريد أن تفجعني فيك وأنت الباقي لي؟
دفء يدها الناعمة تدفق إلى جسدي حارّاً لأفيق باكياً، ولتختلط دموعي ودموعها فرحة بعودتي إلى الحياة..
كان جهاد قد اتصل بسحر دون علمي، وقال لها بأنه سوف يغادر، وإن عليها أن تحضر حتى تبقى معي.. كانت الساعة الثانية عشرة عندما غادرني جهاد.. اتصلت بي سحر لتطمئن علي.. رن جرس التليفون كثيراً بدون رد، أيقظت زوجها واتجها سريعاً إلى منزلنا، كسرا الباب بمساعدة الجيران، ونقلوني إلى المستشفى حيث غسيل المعدة وأسئلة كثيرة لئلا تكون هناك شبهه جنائية؟
حتى الموت لا يأتي لمن يريده سهلاً!.. أفٍ لتلك الحياة..
حاولت أن أقنع سحر أن تسكن في بيتنا بعد أن تجدده على مزاجها، عدا غرفة أمي التي ستبقي كما هي، والتي سأقيم فيها وقت إجازتي، رفضت في البداية نظراً لبعد منزلنا عن مكان عملها كمترجمة ومحاضرة في جامعة بير زيت، وبعد أن ألححت وألححت، وافقت وزوجها على أن يسكناه.. شرط أن تغطي وزوجها كافة مصاريفي الجامعية.. وقالت لي: سأبقى دوماً أنتظر عودتك، وعندما يحين لك الاستقرار ستجد البيت في انتظارك، وسنعود نحن إلى منزلنا في القدس..
اتفق زوجها مع صديقه أيمن في عمان بأن يؤجرني حجرة مفروشة في فيلته الكبيرة. كما أنها اختارت لي كلية أمريكية متخصصة في دراسة الكمبيوتر.. التخصص الذي كنت أحلم به، ويتوافق مع تكويني النفسي والعقلي... وهو المستقبل.. هو العلم المجرد بلا عواطف.. هو البوابة المطلة على العلم والعالم.. على الإنترنت.. هو الفن والإبداع.. ومن خلاله تستطيع أن تكون كيفما تشاء بنتاً.. ولداً.. رجلاً.. امرأة.. كن ما شئت ولا تخش الملام!
قلــب العـلم بيتٌ فيه مصباح.. لا يضيق مــن تظاهر النور فيه، بل يتسع للنظر والتأمل , ويزيدك ضياء.. "كسرى أنوشروان"
نظراً للعبء الجديد الذي أضفته على أعباء أختي سحر المالية قررت أن أدفع فقط للأقساط الرئيسية.. ولم أهتم بشراء الكتب لارتفاع أسعارها؛ معتمداً على ذاكرتي وشبكة الإنترنت.
انتظمت في الكلية بادئاً مرحلة جديدة، وأنا أكثر نضجاً وتوحداً، حيث تؤلمني وتقلقني البدايات والتجمعات الجديدة..
وسط إعجاب كبير، واستهجان طلابي ذكوري قليل، وقرف وغيرة أنثوية، مضت أيامي في الكلية، لا أعرف سوى الدراسة.. لم أصاحب أحداً أو أثق في أحد.. لم أرتبط اجتماعياً إلا بأستاذ البرمجيات الذي كنت كثيراً ما أقضي معه الوقت في نقاشات حامية في كل شيء وأي شيء؛ خاصة وأنه قارئ نهم في شتى المجالات؛ ما حببني فيه وجعلني آنس إليه دون خوف..
ذات يوم وبعد انتهاء محاضرته أسر في أذني بأنه يريدني أن أفطر معه في غرفته الخاصة بمبنى الكلية، بعيداً عن ضوضاء الكافتريا..
مشينا وكالعادة وسط نظرات مرتابة من الطلاب وبعض الأساتذة حتى وصلنا إلى غرفته الخاصة..
أخرج من مكتبه كيساً من البلاستيك ذكي الرائحة وقال:
- الوالدة عملت لك شوية مناقيش زعتر وفطائر سبانخ وجبنة، وأصرت أن تفطر معي، وتأخذ الباقي كله معك..
- ولماذا كل هذا التعب يا أستاذ فارس.. اشكرها وقبل لي يدها..
مع الرائحة التي عادت بي إلى حضن أمي رحمها الله انتابتني غصة فغامت عيناي بالدموع..
- ما لك يا نداء؟ هل ضايقك أحد؟
- لا بل تذكرت فطائر أمي..
- رحمها الله..
سكت أستاذي فارس قليلاً ثم قال: نويت تكون الأول هذا العام أيضاً؟
- هذا كل همي..
- برافو نداء؛ رغم كل ظروفك التي حدثتني عنها فإنك بالفعل أجدع من مائة رجل.. آسف ولو أني اعتبرك بمقاييس الرجال أحسن بكثير من أشباه الرجال، كما أنك في جمالك وتفصيل جسدك أجمل من نساء كثيرات، أما إذا اعتمدنا الجوهر فلن نجد مثلك الكثيرين وأنا أطبق عليك قول ديوي: ليست الأمانة والشجاعة والدأب وحسن الخلق ممتلكات خاصة للفرد، ولكنها تكييف للقدرات الشخصية مع القوى المحيطة.. ومن خلال معرفتي بك أجدك قد ربيت نفسك، وكيفتها، وأدبتها لتقبل قبح ما حولك.. والله إني فخور بك..
- أشكرك يا أستاذ؛ هذا كله بفضل تشجيعك..
مد الأستاذ فارس يده بفطيرة وقال: يلا.. وين نفسك المفتوحة.. بدي اياك تاكل كل الفطاير..
- أشكرك أستاذ..
- أنت تستاهل يا نداء.. هل تعلم أنك أكثر من واحد على الصعيد النفسي..
- كيف؟
- انت - بحكم حالتك - تحتاج إلى قدر كبير من الجدل لإقناع الناس بحالتك وفهمها، ومن كثرة تعرضك للأسئلة - حتى الصامتة منها - ونظراً للتناقضات التي تحملها في بنائك الشخصي، فإنك أصبحت شخصاً انطوائيّاً أكثر منك انبساطيّاً.. فلا تريد أن تتكيف بسرعة مع المواقف الجديدة، وليس لديك ثقة في نفسك؛ على الرغم من نبوغك واطلاعك على ثقافات عدة، تنقد ذاتك بشدة، وتستفسر عنها كثيراً، ولا تبتعد عما يؤلم نفسك، وهذا في حد ذاته شيء يكسر الروح.
- حسب ما يقول علم النفس يا أستاذ فارس فإن لكل منا شيئاً يحيا من أجله، يصبح مع الأيام هدفاً تتحدد به كل سلوكياتنا ومن كل النواحي، ونتوجه لتحقيقه حتى ينعكس تحقيقه على ذواتنا، فيضفي على حياتنا المعنى، ويزيدنا تعلقاً بها، وحبّاً لها، وسعياً للمزيد منها.. ولكني أشعر بالحيرة والتخوف من البشر؛ نتيجة تراكم المواقف المشينة من شخصيات شاذة تعرضت لي بالسوء، وحطمت في أشياء وأشياء. وعلى الرغم من انغماسي في التعلم والقراءة، أفتقد الصحبة الصادقة التي تتعامل مع جوهري دون شكلي..
كذلك أدرك أن لكل إنسان عدة أهداف يسعي لتحقيقها.. ولكن ما حيلتي؟ فلا البنت تقبل بي، ولا الرجل أيضاً!
أنا أبدو كلعبة غريبة يمكن أن تجرب جنسيّاً مرة أو ربما مرات، ثم ترمى بعيداً..
- لا أريد منك كل هذا التشاؤم؛ فما يزال في الدنيا أخيار كثيرون، ولكن الذي أريده منك هو عدم المبالاة بالنظرات والكلمات المستهجنة والأسئلة الغبية..

|
|
|
|
|
|