2011- 9- 18
|
#11
|
|
متميزة في ملتقى السعادة والنجاح
|
رد: فضاء الجسد "الجنس الثالث"
  
لاحظت وميضاً دافئاً يتدفق من عينيها.. وبعين الرجل داخلي تفحصتها جيداً: قامة فارعة بلطف.. بشرة مشربة بحمرة.. نهدان قويان نافران كتفاحة ناضجة تصرخ لاقتطافها.. شعر قصير أشقر ناعم، تنسدل غرة منه فوق جبينها، لا تخفي حاجبيها المشدوين بأناقة وتهذيب.. عينان جريئتان لونتهما أشعة الشمس التي تملأ المحل بلون عسلي فاتح، وفم يحظى بأجمل شفتين مكتنزتين.. كأنهما على استعداد دائم للتقبيل.. سمعتها تقول:
- على فكرة: أنا دخلت المحل لمجرد النظر فقط، ولكن يبدو أن حظي سيكون مبهراً؛ فأنا أبحث منذ زمن عن صديق أو صديقة.. وها أنا أقع على الاثنين في واحد.. وهذا شيء فريد ونادر.
قلت لها وقد كنت كالغريق الذي يتشبث بقشة: أتمنى ذلك.. والآن.. ماذا تريدين ؟
- لا شيء.. أدرب نفسي على حياة جديدة.. حياة النساء!
لاحظت نظرة التعجب التي لاحت في عيني وقالت: أنا عدت منذ فترة زمنية قصيرة لأنوثتي, بعد أن كنت قد أقصيتها تماماً؛ متعاملة في شكلي ومظهري مع الرجل داخلي..
وكأني وقعت على كنز فقلت لها: هل لي أن أراك على فنجان قهوة بالخارج.
فاجأتني.. بل لطمتني عندما سألت: أليس لك منزل نلتقي فيه..
سجلت العنوان ورقم الهاتف سريعاً على ورقة حتى أتفرغ لزبونة كانت قد أوصتني على بعض الأغراض..
تناولت الورقة مني.. وقبل أن تغادر سألت: اليوم متى ستغلق المحل؟
- في العاشرة سأكون بالبيت.
- العاشرة والنصف سأكون عندك..
سألت نفسي كثيراً: كيف ستهرب من أهلها.. وتأتيني في العاشرة والنصف.. هل تعيش بمفردها في عمان.. ماذا تريد مني؟ مئات من الأسئلة حفرت أخاديد في نفسي دون ارتواء عندما كنت أشتري لي ولها سندويتشات شاورما وبيبسي.
أتت في موعدها تماماً وبنفس ملابسها، القميص الأحمر بوروده الصغيرة التي لدقة رسمها تبدو فواحة بعطرها.. بنطلون الجينز الذي التصق بنصفها الأسفل كاشفاً عن جزء كبير من أنوثتها..
لم أكن أتوقع أبداً ما حدث.. فقد خلعت القميص أولاً ليفر نهداها من أسرهما؛ إذ لم تكن ترتدي صدرية تحت القميص.. ورمت بالبنطلون جانباً ووقفت كفينوس.. تنتظر القربان من مريديها..
- أعطني بيجامتك أو أي شيء؛ لأني لن ألتف طوال الليل بملاءة السرير، ما لك واقفاً هكذا ا كأنك لم تر جسد امرأة من قبل.. كيف والثلثان منك أنثى؟
ودون سابق إنذار هجمت علي، وراحت تفك أزرار قميصي ليخرج صدري هارباً من قيده.. وضعت يدي لأخفي ما ظهر مني فأبعدتهما ووضعت يديها فوقهما وقالت:
إياك أن تخجل من كونك هكذا.. ثم نظرت إلى وهمست: كم أنت جميلة يا نداء!
لست أدري ما الذي تحرك في جسدي وأنا مستكين بين يديها، وقد أخرستني جرأتها..
- على فكرة يا نداء: إذا أحببت أن تخلع البنطلون فلتفعل..
صارعتني نفسي: كيف أكشف لها عن عاري؟ كيف أدعها ترى رايتي غير الخفاقة؟
كانت تدور في المنزل عارية تماماً وأنا أفكر في البحث عن سبيل مشرف للانسحاب..
فتحت الورق عن السندويتشات، وأفرغت البيبسي في كوبين، وأجلستني بجانبها على الكنبة، ومدت يدها لتقرصني من صدري وهي تضحك: إلى متى ستبقي مشدوها؟
أخفيت خجلي خلف ضحكة مصطنعة، وتناولت السندويتش من يدها.. وبدأت هي تتكلم فأحسست أنني أعرف تلك الفتاة منذ زمن بعيد..
رحت أطرح عليها أسئلة كثيرة، وأبحث داخل إجاباتها عن منطق يحكم تصرفاتها..
سألتها: كيف سمح لها أهلها بالخروج في هذا الوقت المتأخر؟
ألم تزل عذراء أم...؟
ضحكت بصوت عال واستمرت في تناول السندويتش والبيبسي، ثم قامت إلى الحمام تتهادي بجسدها الفائر أمامي..
عند عودتها أزاحتني قليلاً، وألصقت جسدها البركاني بجسدي النائم، وقالت:
- طبعاً أنت على استعداد لسماعي، ولكني أريد أن تحكي لي أولاً عن نفسك؛ من طأطأ لسلامو عليكم..
- قصتي طويلة ووقتنا قصير، فتكلمي عن نفسك أولاً.
- سأبيت الليل هنا معك.. ومن الممكن أن آخذ إجازة ليومين أقضيها بصحبتك.. هيا.. انثر ما في نفسك في الهواء أمامي ولا تخف شيئاً..
بدأت أروي لها قصتي منذ بدايتها، وحرارة يدها التي تلامس صدري بين الحين والآخر تشعل في حريقاً لا أدري كيف أطفئه.. كانت تبكي كلما حكيت عن قسوة والدي، وكيف أوصلني جهله لحالتي تلك.
الساعة الثانية صباحاً قلت لها: ها هي قصتي أمامك، والآن جاء دورك فقصي على قصتك.
- لقد تعبت من الجلسة على الكرسي.. فلندخل نتمدد على السرير.
أخذتني من يدي دون أن تنتظر موافقتي، وانحنت على سحاب بنطلوني محاولة فكه فرفضت بشدة أن أخلعه قائلاً إنني لم أفعلها في يوم من الأيام، حتى أمام أمي رحمها الله!
ضحكت مكركرة وقالت: أنت تخجل من كون راية الرجل فيك منكسة.. ألم أقل لك إنني أريد أنثاك لا الرجل فيك..
أيضاً رفضت.. تمددت على حافة البركان وكنت أهيم متحسراً حول شواطئ جسدها دون الجرأة على الخوض فيه..
كانت تلك أول مرة أشعر بالأنثى داخلي تتحرك دون قيد..
في السرير كنا أنثيين متماثلتين.
قالت: أنت تراني جميلة.. أليس كذلك؟
لم تنتظر إجابة وتابعت: أنا بالفعل جميلة، وسيرغب أي رجل بي عندما يراني، لكن المشكلة كانت بالنسبة لي أبي الذي ناصبني العداء منذ لحظة ولادتي وموت أمي.. لم يكن يحب البنات؛ على الرغم من كوني الوحيدة والأخيرة بعد خمسة من الصبيان.
كان والدي شديد التمسك بالتقاليد التي تفضل الذكور، وكان كثير التفاخر بصبيانه الخمسة.. لم أذكر يوماً أنه لمسني أو قبلني ولو مرة واحدة.. وعندما تزوج بعد شهر من موت أمي سلمني بلا إحساس لجدتي لأمي التي كثيراً ما كنت أسمعها تدعو عليه وعلى زوجته في صلاتها..
ولست أدري ما الذي يجعل الرجل ينقلب من الزاوية المستقيمة إلى المنفرجة بين امرأة وأخرى؛ إذ أقنعته زوجته الجديدة بأني نحس ولا بد من التخلص مني.. فتحجج لجدتي بصغر سن زوجته الجديدة، وأن عدم خبرتها وخوفه على هو الذي جعله يأمن لجدتي..
تربيت عند جدتي التي أورثتني كراهيتها لأبي وحقدها عليه.. كنت كثيراً ما أسمعها تقول: حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا ناصر.. لقد قهرت ابنتي، فعاشت معك ذليلة ضعيفة حتى ماتت! وكان حسب روايات جدتي ينهرها على كل شيء؛ حتى إنه منعها من زيارتها وهو يعلم بحبها الشديد لها، وبأنها كانت تقيم بمفردها بعد وفاة جدي..
كان هناك دائماً ما يستوجب رفضه زيارتها أي أحد.. حتى جاراتها منعها عنهن. حرمها من استقبال أي من إخوانها وأخواتها الذين كانوا يأتون للاطمئنان عليها..
كانت جدتي كثيرة التشاحن معه دفاعاً عن ابنتها، ولكنها كانت تتراجع بمجرد أن يقول لها: خذي ابنتك وارحلي بلا رجعة..
ونظراً لشدة بكاء أمي، وخوفها من أن تحرم من أولادها.. كانت تستسلم لهزيمتها من قبل هذا الرجل، متحسرة على تزويجها منه..
كنت فرعاً من غصن أمي التي أحبتها جدتي بتطرف، وحزنت كثيراً لفقدانها، فأغدقت علي من نبع حنانها، وعشت وإياها ومربيتي أم حسني، في منزلها الكبير، بعد أن تفرق أولادها وبناتها الستة في مشارق الأرض ومغاربها..
رفضت جدتي طلب أبي بأن أقضي يوم الخميس والجمعة في منزله.. وبعد حرب طاحنة بينها وبينه قررت أن تسمح لي بأن أذهب في زيارة قصيرة مرة كل أسبوع..
تعلمت أن أكتم أي أمنية لي أمام أبي وزوجه.. وكنت كلما أجتمع معهم وإخوتي أشعر بغربة سحيقة.. وبأنني طفلة بالفعل بائسة تحاسب على كل حركة تصدر منها.. بحكم تربيتي بعيدة عن إخواني لم أشعر في يوم ما بقربهم مني.. باختصار تعلمت كيف أكون اثنين مختلفين.
كدت أعتقد بأن كل الممنوعات التي في الدنيا كأنها قد سنت من أجلي.. وكنت أعجب لتلك الحرية غير المحدودة الممنوحة لإخواني في حلهم وترحالهم، وكلمة "إنتي بنت" التي تلاحقني لتحطم كل شيء جميل بداخلي..
أصبحت كما تريد جدتي وأبي وزوجة أبي وإخواني وكل العالم.. إلا أنا!
تعلمت أن أكون قاسية وقليلة الأدب على حد قول زوجة أبي لأني "تربية نسوان"!
كبرت وكبرت معي كراهيتي للرجال.. فحاولت تقليدهم.. تمنيت لو كنت رجلاً؛ ليس لحبي ذلك، بل لأنتقم من أبي الذي عانيت من معاملته القاسية لي..
كان والدي يغضب عندما يراني أقلد الأولاد في ملبسهم ومشيتهم.. وعندما أرفع صوتي فوق صوته أحيانا دفاعاً عن نفسي ضد أي اتهام..
لا شعوريّاً وجدت أنني أحمي نفسي بتقليد الرجل في كل حركاته؛ غير مدركة أن الرجال أحياناً يحتاجون أيضاً إلى حماية من الظلم الذي يقع عليهم من كل شيء..
أحببت القراءة، وأدمنت ملاحقة الكتّاب عبر نوافذهم التي يطلون منها علينا، ولكن لم تغنني القراءة وحبها عن ميولي التي بدأت تتجه فيما بعد للفتيات الضعيفات في المدرسة، والعمل على حمايتهن من بطش زميلاتهن.. كانت تجذبني الفتاة الجميلة الرقيقة التي تجد في حمايتي لها كل التقدير.. ولأول مرة أحببت ما أنا عليه، ووثقت من تأثيري الصاعق، خاصة عندما راودتني إحدى البنات عن نفسي في حمام المدرسة فعبثنا بجسدينا، وكلانا يرزح تحت وطأة توتر جهلنا المشترك..
هكذا عشقت زميلتي شفق، وأنا في الصف السادس، واستمرت علاقتي بها حتى الأول الثانوي؛ بحكم سكنها القريب من منزل جدتي التي سمحت لي ولها بالمبيت معاً في حال موافقة أهلها الذين كانوا يحبون جدتي، ويشفقون عليها، ويثقون بي أيضاً..
ثم من سيشك في علاقة فتاة بفتاة؟!
كنت وهي ندرس، حتى إذا تعبنا خلعنا ملابسنا لنكتشف أجسادنا ونخفف من ثورتها.. أتحسس صدرها، وتتحسس صدري؛ لنشعر بنشوة لا ندرك معناها.. افترقت وإياها في المرحلة الثانوية..
في المدرسة الثانوية لاحقتني سمعة البنت المسترجلة، فكانت البنات يخشين على أنفسهن مني، ومن سوء سمعتي، غير أني استطعت أن أقيم علاقة بشكل ما مع صديقتي محاسن، بعد كر مني وفر منها، حتى اقتنعت أخيراً بكلامي عن كونها أجمل البنات - رغم قبحها – فأسلمتني نفسها، وأصبحت تأتي لزيارتي كل يوم لندرس، ثم نبتهج معاً..
على الرغم من تلك العلاقات التي كنت أستمتع بها كثيراً.. كنت أحتقرها بيني وبين نفسي؛ فما أن أصبح بمفردي حتى أنخرط في البكاء والدعاء لربي أثناء صلاتي أن يمن علي بالتوبة.. تباعدت زياراتي لمنزل والدي، وأصبحت بالنسبة إليه وإلى إخواني خبراً منسيّاً.. لم يتذكروني إلا عندما ماتت جدتي رحمها الله..
حاول أبي أكثر من مرة أن يغريني بالعودة إلى المنزل معه وبيع البيت الذي سجلته جدتي باسمي، غير أنني رفضت بشدة...
ضربني أكثر من مرة، وحاول أن يعيدني بالقوة، ولكن زوجته التي استأثرت بقلبه أقنعته بتركي وترتيب زيارات مفاجئة ومداهمات لي، مع توصية شديدة اللهجة لأم حسني بالمبيت معي، وعدم تركي بمفردي..
تذكرت كيف توفيت جدتي ذات صباح ربيعي.. فبكيت وحيدة غريبة حتى عن نفسي بعد أن أفقدني موتها صوابي، ولكن رغم أحزاني كلها استطعت أن أنهي الثانوية العامة بتفوق، فالتحقت بقسم العمارة في كلية الهندسة، حسب رغبة جدتي المستنيرة التي تركت أموالها كلها لحفيدتها الشقية؛ كما كتبت في وصيتها التي اطلعت عليها بعد موتها..
قلت في نفسي: لربما ينصلح حالي، وأعود لطبيعتي إلا أن الشيطان أصر على ملازمة خطواتي، حيث بدأت أرتدي ملابس صبيانية حديثة،، وساعدني في ذلك تباعد الأوقات التي يزورني فيها والدي وإخواني..
سبقتني السمعة المقيتة للجامعة؛ إلا ان اجتهادي في دراستي جعل زميلاتي في حاجة دائمة لمساعدتي..
كنت أصطفي البنات المغتربات اللواتي أتين للدراسة، ويقمن بمفردهن، ويدرسن في كليات أخرى، ولا يعرفن عني أي شيء، فأبدأ في غزوهن، وأفكك وحدتهن بزيارات متتالية حاملة معي فطائر من صنع أم حسني، حتى إذا أسقطت إحداهن الخجل مني أخترقها بلمساتي التي تستكين لها، فتسعد بتهدئة ثورة جسدها، لنغيب مرة واثنتين وثلاثاً، كلما حلا لنا أن ترتوي إحدانا من الأخرى..
كانت مشكلتي الدائمة التي تبكيني حتى الموت: أن هؤلاء البنات في النهاية دائماً يتزوجن ويهجرنني..
تخرجت من الجامعة بتقدير جيد جدّاً، ولا أزال أحيا حياتين، واحدة أمام والدي وإخواني وأم حسني، وأخرى أمام نفسي..
تقدم عريس لخطبتي من أبي فرفضت بشدة وقلت له: أنا أنتظر تسلم العمل أولاً، كما أني لا أعرف الرجل، ولا أريد أن أعرفه.
يومها ضربني أبي ضرباً أقعدني أسبوعاً في السرير.. ومنعني من الخروج.
كنت أمعن النظر فيها، وهي ترتدي جلدها الأملس، وتعجبت كيف استطاعت أن تعطي لجسدها ثنائية غريبة بينه وبين روحها.. وتصدعت روحي لمعاناتها التي تداخلت ومعاناتي.
كانت تتكلم بهمس، وفي عينيها شلالات من الحزن تنهمر على حجري أحزاناً سوداء..
- مرت الأيام وأم حسني تطببني، وتبكي من أجلي وهي تتمتم:
- إلهي كسر إيدك يا ناصر.. فيه حد يقسى على بنته وحيدته بالشكل هادا؟!
تعافيت وتسلمت عمل في إحدى الشركات الهندسية الكبرى، تعرفت فيها على زميلة مطلقة اسمها شجون، استطاعت بلطفها أن تكسب ثقتي، وخاصة أنها سألتني أكثر من مرة: لماذا لم أتزوج رغم جمالي؟
لست أدري حتى الآن كيف رويت لها قصتي ومصيبتي وبالتفصيل الممل.. لم تقاطعني حتى انتهيت، فوجئت بها تقبلني وتحتضنني وهي تردد:
- لقد ظلمت نفسك كثيراً لأنك جميلة، وكان من الممكن أن تكون لك أسرة رائعة وزوج يحبك، ولكن ميلك غير الطبيعي الذي غذته في نفسك كراهيتك لوالدك جعلك تتناسين أنه كان من الممكن أن تصبحي إنسانة طبيعية.. اختيارك وللأسف كان اختياراً كارثيّاً كاد أن يقضي عليك.. وعلى الرغم من أنني أحترم الآخرين واختياراتهم ــ لأنهم في النهاية محاسبون عليها ــ إلا أنك كنت مخطئة.. وأقول لك صادقة إنه ما يزال هناك وقت للعودة للطريق القويم.. والله يا نهال لقد هانت على مصيبتي بعدما سمعتك..
هل تعلمين ما السبب في طلاقي؟
كان زواجي تقليديّاً.. ابن جيران لنا كان يعمل في إحدى دول الخليج، تزوجني تحت ضغط والدته وهو في الخامسة والثلاثين.. لم يسأل والدي لماذا بقي لهذا العمر بدون زواج , لأن أمه الناطق الرسمي بلسانه قالت إنه كان يكون نفسه , حتى يوفر لعروسه كل ما تشتهيه..
ومر عام بكامله بدقائقه وساعاته وأيامه يا نهال لم يلمسني زوجي، بل استقر على كنبة في الصالة ينام فوقها.. توددت له كثيراً.. تعطرت.. تزينت.. لبست أجمل ما عندي.. لم يكن أبداً يشتاق.. بل كان يضج ناهراً إياي لأبتعد عنه.. كتمت حسرتي وخيبتي داخل نفسي.. أخفيت الأمر عن كل من حولي حتى أمي، وكأن العار عاري.. كنت أتأمل نفسي في المرآة، وأعجب كيف لرجل أن يقاوم هذا الجمال.. حتى جاء يوم ضجت روحي فشكوته لأمه التي كانت تثقل علي كثيراً بسؤالها الملح عن الحمل.. بعد أن تحدثت لها قامت الدنيا ولم تقعد؛ فابنها "سيد الرجال" كما كانت تناديه.. ولأني تجرأت وهدمت صورة الرجل فيه أمامها , وحتى يداري سوءته , طلقني , وقال في ما قاله مالك في الخمر.. صدقه كل الناس من حولي.. وكان موقف أهلي من أسوأ المواقف؛ إذ أصروا على إثبات عذريتي لدي أكثر من طبيب مصحوبة بوالدي وإخواني!
لم أنس أبداً كيف انتهكت إنسانيتي حتى أحصل على (شهادة عذرية)! أقدمها للمحكمة للحصول على حقوقي من طليقي..
في مكان عملي تعرفت على زميل لي وأحببته بطهر.. تزوجنا وممدوح الصغير يملأ علينا دنيانا الآن.. إننا بالزواج نحافظ على أنفسنا ومجتمعاتنا من التحلل والانحراف.
أصبحت وشجون - بعد أن نثرنا ما كتمناه عن الآخرين أمام بعضنا - صديقتين مقربتين، وكانت كل جلساتنا وهي تحاول رأب الصدع في نفسي حتى أعود فتاة طبيعية تتزوج، وتسعد بعلاقة حقيقية غير محرمة..
كنت قد بدأت أتقبل نفسيّاً الارتداد عما أنا فيه، حتى رآني أخي ذات يوم - وهو الذي كان يجلس إلى إحداهن محتضناً يدها بيده في أحد المقاهي البعيدة عن عمان - مع صديقتي شجون وابنها كاشفة عن شعري القصير، ومرتدية قميصاً وبنطلون جينز خصره ساقط.. رأيت الهلع في عينيه وكأنه قد رأي جن، خرج له فجأة - وكانت تلك أول مرة يراني بتلك الملابس الصرعة التي أغيرها باستمرار في حمام الفندق القريب جداً من بيتنا حتى لا تراني أيضاً أم حسني، وتفتن لوالدي ولو بغلطة لسان غير مقصودة.
وقد تعود موظفو الفندق على رؤيتي أدخل الحمام، ثم أخرج منه في هيئة فتاة عصرية جميلة على آخر صيحة.. كنت في البداية أحمل ملابسي التي أبدلها في حقيبتي حتى صادقت المسؤولة عن الحمامات، بعد أن أشبعتها غزلاً، وأرضيت غرور المرأة فيها فأعطتني مفتاح خزانة من خزانات العاملات في الفندق، وطلبت ألا أخبر أحداً بالأمر..
وهكذا كنت أخرج من الفندق كواحدة من أجمل نساء الأرض المسترجلات..
عندما عدت للبيت، وبعد أن بدلت ملابسي في الأوتيل , وغطيت شعري وجدت أبي في انتظاري وإخواني الخمسة متحلقين حوله، وكأن مصيبة قد وقعت على رأسه، وفجأة وبلا إحم ولا دستور هجم على صارخاً:
- وين كنتي يا تبعة البنات؟ فضحتينا الله يفضحك.. بتفكري أنا ما بسمع اللي بيقولوه عليكي يا داشره يا شر.........؟
حاولت أن أبتعد عنه، فهجم على إخواني.. وهات يا ضرب في أنحاء جسدي، وأنا أصرخ وأستنجد بأم حسني التي كانت تنتحب بشدة وقد أبعدها أحد إخواني حتى ينتهي من تأديبي الآخرون.. تعالت صرخاتي وشتائمي:
- يا أوساخ أنا ما عملت إيشي غلط..
استفز أبي صوتي العالي، وصرخاتي، وشتائمي.. فجأة وعلى غير توقع أحسست بنصل يخترق جسدي , وسط صرخات أم حسني الهستيرية، وطرقات شديدة على باب الشقة وأصوات وهرج ومرج في الخارج، وكان آخر ما أحسست به جارنا وصديق أبي الوحيد أبو ثائر، الذي حملني وهو يردد مخاطباً والدي:
- يا أخي سيبها تنحرق، هي مش صغيرة.. بدك تدخل فيها السجن وهي ما تستاهل؟
لو كنت لحظتها في وعيي لضربت هذا الرجل حتى الموت.
حملوني إلى المستشفى..
تم حفظ المحضر عندما أقررت أنني وقعت على الأرض.. وكانت السكين هناك.. لم يهتموا بكلامي او حتى بسؤالي ؛ لأن المفهوم ضمنيّاً أنه يحق للاهل تأديب الفتاة , وقتلها ايضا من اجل الحفاظ على شرف الرجل الذى يدعي يحمي ملكيته الخاصة و, القانون هنا يغمض عينيه..
حفظ التحقيق، وتعهد الوالد بالحفاظ على حياتي..
ومن يومها وأنا أعيش برفقة خالٍ لي عاد من المهجر ليستقر في عمان بمفرده، بعد وفاة زوجته هناك.. أما والدي وإخواني فلم أسمع عنهم خبر أو أراهمو منذ سنوات..
كان خالي الطيب الرائع لا يأتي على سيرتهم حتى لا أكتئب.. وهكذا كنت أقضي ليالي طويلة باردة وحيدة ظمأى لدفء حقيقي، وحب حقيقي..
حاولت كثيراً أن أتغير , ولكن الجميع حولي كان يناديني بـ "ناهل" فأستكين للوضع حزينة، وأعمل وأقرأ في ظل خالي الرؤوف الذي اعتبرني ابنته المريضة التي يصر على علاجها , خاصة بعد أن أعلن والدي رسميّاً تبرؤه مني.
ومن أجل شجون , ومن أجل عيني خالي الكريم بدأت أتبدل بالفعل، مع العلم بأنه ما تزال بعض الشوائب في نفسي تشدني إلى عالمي.. عالم الأنثى الصاخب.
بكينا معاً، وصمتنا معاً.. وضحكنا على بكائنا.. وكأني أعرفها منذ قرون.. وكأنها تعرفني منذ الأزل..
كانت قصص اللواط , وعلاقة الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة تصيبني بالاشمئزاز والقرف..
فجأة وبلا أي إنذار سمعتها تقول:
- نداء ليش ما نتزوج؟
نظرت إليها ببلاهة ولم أرد.
قالت: على الأقل سأتزوج من ثلث رجل جميل، ولعلك تنقذني فأنت مسجل في الأوراق الرسمية كرجل، وأنا أريد الهروب والنجاة من حياتي القذرة.. فأنت إذن أكثر من يناسبني فقد سقطت في قلبي ساعة أن رأيتك.. أحببت أنوثتك ورجولتك، كما أن وجود الأنثى فيك يبهرني ويسعدني.. هذا يختصر المسافات بيني وبينك. ثم أمسكت بيدي وهمست:
- بليز يا نداء.. أنقذني..
- يا ليت يا حبيبتي أستطيع.. لمن تلجئين ؟ ومن قصدت؟ أنا يا صديقتي حطام.. وكيف وأنا أغرق بحثاً عن طوق نجاة؟! لن أنفعك.
التصقت بي، فلمست روحي بجزعها.. انسابت دموعي من أجلي وأجلها، وارتميت فوق صدرها الدافئ، علها تنقذني من عجزي عن إنقاذها..
قالت - وقد بللت دموعها وجهي المختبئ في ضلوع صدرها الشامخ الممتلئ حناناً: - أنت آخر أمل يا نداء حتى أعود إلى نفسي وأهلي؛ إن علموا بزواجي من رجل.
- على من ستضحكين وشكلي يفضحني، وصدري رمز أنوثتي يطل من تحت ملابسي الفضفاضة ليعلن عن نفسه..
رفضت وبشكل قاطع، وأنا أدرك مدى احتياجي لحب حقيقي من أنثى حقيقية.. ولكن - مع بكائها وإصرارها - وعدتها عند استقرار حالتي الصحية أن أتزوجها..
تبادلنا العناوين وأرقام الهواتف، وغادرتني مبتهجة، مع وعد منها بأن تكون من أجلي فقط، وستنظرني مهما طال الزمن..
أنا قد صحوت علـى الجراح.. تسيـل من بعضـي لبعضأنا قد صحوت وإذ أنا ملقىً بأرض غير أرضي "خليل زقطان"
بدأت بتعاطي الهرمونات الأنثوية حسبما أوصى الدكتور حاييم والدكتور أمجد.
حررت أنوثتي قليلاً، وتأقلمت معها بناءً على نصيحة مستشارتي النفسية، وبدأت بتفحص عالم النساء عن قرب أكثر.. ونفست عن مكنوناتي بطريقتي، حيث دخلت محلاًّ لبيع الملابس النسائية. ووفقاً للتوصيات النفسية اشتريت ما أحسست أنه سيناسبني كأميرة للجمال على حد تعبير نهال.. كسوت نفسي بكثير من الملابس الجميلة التي كنت أتحرك فيها داخل غرفتي..
شيئاً فشيئاً رضخت لسياسة الأمر الواقع وتغيير الهرمونات، مع التزام صارم بالمقادير الطبية المحددة من قبل الدكتور أمجد.
كان لإيقاف الهرمونات الذكرية تأثير مغاير لما للأنثوية، فقد عاد صدري للنمو.. ويوماً بعد يوم بصورة غير طبيعية؛ حتى إن بعض الصديقات وزبونات المحل بتن يحسدنني!
شو بدك يا حلوة؟ 8
ذات يوم اتصلت بي أختي سحر وقالت إنها ستأتي إلى عمان؛ لأنها دبرت لي عملاً في إحدى شركات الكمبيوتر في الخليج..
لم تعطني فرصة الاستفسار عن أي شيء..
كنت قد تغيبت عن زيارة أختي سحر لمدة زادت عن خمسة أشهر.. وعندما رأتني وزوجها بهتت من شكلي، واستهجنته كثيراً وقالت في عجب: غيرت للهرمونات الأنثوية؟
- نعم وبأمر الطبيب..
- ولكن يا حبيبي أنت ستذهب إلى الخليج.. ولن يتقبلوا شكلك هكذا.. خرج زوجها من الغرفة إلى الشارع ليتركني وهي نتحدث على راحتنا.. كم هو إنسان رائع هذا الرجل..
- عليهم تقبل عملي لا الالتفات إلى شكلي.
أصرت سحر على أن أستخدم المشد "الكورسيه" لإخفاء صدري، وطلبت مني أن أقص شعري وأطلق عنان ما تبقى من شعر على الوجه والحاجبين.
بكت سحر عندما علمت ما سببته لي الهرمونات الذكرية.. احتضنتي بحنان وقالت: رحمك الله يا أبي.. ماذا فعلت بنداء.. هذا ذنبك يمشي على الأرض.
بكيت ما شاء لي البكاء فوق صدرها..
في البداية أحسست بغصة من سيفارق عالم يحبه إلى عالم مجهول لا يعرف عنه شيئاً، ولكن عندما فكرت في الأمر وجدت أن من الضروري أن أذهب إلى حيث الحياة الرغيدة، والرواتب المرتفعة، فربما يتغير الحال، وأستطيع أن أوفر أجرة العملية..
كانت سحر قد أحضرت لي فيزا الدخول التي أرسلها زميلها السابق في الدراسة، عندما طلبت منه أن يأخذني لأعمل في شركته التي يمتلكها مناصفة مع أحد الخليجيين..
لم تمكث سحر في عمان إلا يومين أنهيت فيهما كل ما يتعلق بعملي..
ودعتها، وقبلت يدها، وسلمت على زوجها الذي ربت على كتفي هامساً:
- الله معك يا نداء.. سنشتاق إليك كثيراً..
لملمت ما تبقي مني في عمان، واتجهت إلى طائرة حملتني وروحي، مغادرة لأرض جديدة.. بعيداً عن أجزائي المبعثرة..
وفي الطائرة دار شريط ذكرياتي المرة والحلوة.. ووجوه صديقاتي اللواتي كنت أفضح أسراري أمامهن بلا خجل..
كانت النساء دوماً سر عظمتي ونجاحي.. وهن من مددن أيديهن لمساندتي..
في المطار سألني الضابط وهو يتأمل وجهي: الاسم نداء والشكل غير.. ليش؟ ودون أن يتوقف قال:
- وين ورقة الفيزا؟
- أنا آسف.. نسيت أن أعطيك إياها.. ها هي..
- أول مرة تجيين هني يا نداء..
- نعم..
- مرحبا بك..
غمز لي بعينيه وقال: حنا بالخدمة.. إذا تبين رقم تليفوني حاضرين..
شكرته وأنا أغادره.. حملت حقيبتي وخرجت لأجد مندوب الشركة يحمل لافتة عليها اسمي..
- مرحبا..
- مرحبتين.. شو بدك يا حلوة؟
- أنا نداء..
لوهلة سكت المندوب، وفتح عينيه عن آخرهما وقال:
- أنا آسف.. فكرتك رجال ..
حمل الحقيبة بصمت، ومضيت خلفه نحو السيارة.كان الوقت ظهراً وسط لهيب أغسطس.
بدت المدينة جميلة.. هادئة.. معسكر عمل، ورغم حرها فقد أحببتها مذ وطأت قدمي مطارها الذي ما يزال تحت التوسعة..
تسلمت عملي تحت نظرات تكاد تنطق عجباً من شكلي..
قررت أن أطلق العنان لأنوثتي دون اعتراض من أحد حيث لا يعرفني أحد ، رغم أن المدير الأردني زميل أختي سحر استدعاني ذات يوم وقال لي: -
VVVVV
VVV
VV
V
|
|
|
|
|
|